صراع السيطرة على عدن بقلم: منير الماوري

تاريخ التحديث: 30 أبريل 2020


صراع السيطرة على عدن يجري تصويره على أنه بين الشمال والجنوب أو بين حكومة شرعية ومليشيات متمردة والحقيقة أن أبناء الشمال في هذا الصراع هم طرف خارجي لا يختلف دورهم عن الدور السعودي أو الدور الإماراتي أو القطري المساند لهذا الطرف أو ذاك. إن ما يجري في جنوب اليمن هو حرب أهلية للسيطرة على عدن، ويأتي هذا الصراع نتاجا مرعبا لسياسات الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي الإقصائية ضد نصف الجنوب لصالح النصف الآخر. لقد حول الرئيس هادي نفسه للأسف من رئيس لليمن الطبيعي إلى قائد مناطقي صغير لمحافظتي أبين وشبوة ولذلك فإنه أصبح أقل تأثيرا في هذا الصراع من يسران المقطري أومهران القباطي أوبسام المحضار، ومن الدور الذي كان يلعبه القائد المغدور منير اليافعي.

ما لا يعرفه كثيرون أن الرئيس هادي من خلال موقعه الرئاسي كان لديه فرصة تاريخية لحل القضية الجنوبية وإنصاف الجنوب عقب هروبه من عاصمة اليمن الموحد لكنه وقع أسيرا لعواطفه المناطقية ولإرث كبير من الحقد الدفين على منطقتي الضالع ويافع الأمر الذي جعله يرسخ الإقصاء والتهميش لهاتين المنطقتين مستمرا في سياسات سلفه المخلوع ومسخرا كل إمكانيات الشمال والجنوب لصالح زمرة إخوانية محدودة من أبناء محافظتي أبين وشبوة. مشكلة عبدربه منصور هادي لم تكن في ممارساته الإقصائية ضد الشماليين لأن أبناء الشمال أصبحوا في غنى عنه ويستطيعون التفاهم مع الحوثيين لإنهاء أي غبن يمكن أن يكون قد لحق بهم من الشرعية باستثناء كبار المجرمين منهم ممن أفرطوا في الخيانة، ولكن المشكلة العويصة كانت في إقصائه لنصف الجنوب من المعادلة تماما وهم أبناء الضالع ويافع المعروف عنهم بأنهم مقاتلون أشداء ولا يرضون بالظلم.

ومشكلة أبناء الضالع ويافع أنهم اندفعوا كثيرا وراء شعار التصالح والتسامح منذ عام ٢٠٠٦، غير مدركين أن حقد البدوي لا ينتهي من أحشائه مطلقا وأن عبدربه منصور هادي لا يمكن أن ينسى لهم تشريدهم له ولأهله في ١٣ يناير ١٩٨٦ وإقصائهم لزمرته من المعادلة في الفترة من ١٩٩٠ إلى ١٩٩٤. مشكلة أبناء الضالع أنهم ظلوا منذ عام ٢٠٠٦ يطالبون بإنصاف الجنوب ويرفعون شعار القضية الجنوبية ولم يطالبوا صراحة بإنصاف الضالع ويافع، وهذه هي مشكلة عويصة في السياسة العربية ككل أننا لا نسمي المسميات بأسمائها. ولهذا فإنه منذ توليه الرئاسة عام ٢٠١٢ استغل عبدربه منصور هادي القضية الجنوبية أسوأ استغلال وخدع العالم أجمع بمن فيهم المبعوث الدولي الأول لليمن جمال بن عمر، حيث كرس جعل نسبة الخمسين في المئة المخصصة للجنوب بموجب مخرجات الحوار الوطني والقرارات الدولية مكاسب إضافية لأبناء أبين وشبوة حارما أبناء الضالع ويافع من كافة حقوقهم المشروعة في بلادهم. كيف خدع هادي العالم؟ في كل مرة يثار فيها موضوع القضية الجنوبية يسارع هادي بسرد أعداد وأحيانا أسماء الجنوبيين الذين أصدر قرارات تعيين لهم في مختلف وزارات ومؤسسات الحكومة الشرعية، ويشير إلى جميع من حوله بأنهم جنوبيون فيخرج الأجانب مقتنعين بأن الإقصاء والتهميش لم يعد مبررا للشكوى وأن الشماليين هم من أصبح من حقهم أن يشتكون ويتذمرون، غير أن الحقيقة أن لا أحد إطلاقا من الضالع ويافع في مكتب عبدربه منصور هادي أو في أي موقع سيادي بل إن الرئيس هادي نفسه يسخر منهم ويسميهم بـ " الضوافع". الإقصاء والتهميش ظل يمارس ضد ذات الفئات في الشمال والجنوب أما السلطة لم تخرج بعد ٢٠١١ من أيدي ذات الفئات التي كانت تمسك بها شمالا وجنوبا قبل الثورة الشبابية.

وصحيح أن الإقصاء والتهميش والعنصرية المناطقية ضد الشماليين من قبل سلطة أبين وشبوة قد أدت لاحقا إلى عرقلة العمليات العسكرية ضد الحوثي في جميع جبهات الشمال وإلى إعادة النظر في تقييم الحوثي شماليا، أو بتعبير آخر إلى اصطفاف شمالي مع الحوثي يمتد من قلب الرياض إلى وسط صنعاء، غير أن الأكثر خطورة من إقصاء الشماليين كان إقصاء الجنوبيين أنفسهم أو ترسيخ إقصاء المقصيين منهم وبالذات أبناء يافع والضالع من المشاركة في صنع القرار. هذا الإقصاء المناطقي أدى إلى حرمان الرئيس الشرعي من العودة إلى عدن وأصبح وجوده الدائم في الرياض مثار سخرية العالم قبل اليمنيين. ما لا يدركه العالم حتى الآن هو أن أبناء أبين وشبوة الذين سلمهم عبدربه منصور هادي جميع مفاصل صنع القرار في الحكومة الشرعية لم يتعرضوا للإقصاء يوما في عهد الرئيس علي عبدالله صالح بل كانوا جزءا من نظامه ومشاركين في فساده. إذا أردنا تسمية المسميات بأسمائها الحقيقية فإن من تعرض للإقصاء في بعد حرب ١٩٩٤ هم أبناء يافع والضالع وليس أبناء شبوة وأبين. أكثر من ستين ألف كادر مؤهل وضابط ومهندس وطيار وجدوا أنفسهم فجأة في الشارع الأمر الذي حول كثيرا منهم إلى سائقي سيارات أجرة وعمال بالأجرة، في حين أن علي عبدالله صالح وعبدربه منصور هادي عينوا سائقي التاكسيات وعمال المطاعم إلى وزراء وقادة أمن قومي وسفراء في كل البلدان لا لشئ إلا بسبب انتمائهم لأبين وشبوة.

ومالا يدركه العالم أن العديد من رموز أبين وشبوة المشاركين في صنع القرار حاليا داخل السلطة الشرعية أصبح بعضهم أعضاء في حركة الإخوان المسلمين الدولية وهم حلقة الوصل بين التنظيم الدولي وبين السلطة الشرعية، وهم السبب في التحالف القائم بين الرئيس هادي وحزب الإصلاح الإسلامي.

إن قروية عبدربه منصور هادي ومحدودية تفكيره جعله لعبة بيد شخص من شبوة يدين بالولاء الكامل لعلي محسن الأحمر واسمه أحمد عوض بن مبارك الذي أصدر له الرئيس هادي في سنتين فقط قرارات تعيين خاصة به وبأصدقائه وصديقاته بما يزيد عن القرارات التي أصدرها علي عبدالله صالح طوال ثلاثين عاما من حكمه لجميع أبناء سنحان بل وقبيلة حاشد كاملة.

إن قروية عبدربه منصور هادي ومحدودية تفكيره وعجزه الذهني أتاح المجال لشاب رخو من أعضاء تنظيم حركة الإخوان المسلمين ينتمي مناطقيا إلى محافظة شبوة وسلاليا إلى الحركة الحوثية ليتولى لاحقا صنع القرار نيابة عن الرئيس هادي أو بالأصح نيابة عن أحمد بن مبارك. من هو هذا الشخص؟ إنه مدير مكتب الرئيس هادي عبدالله العليمي باوزير الهاشمي الذي تربطه بالحوثيين صلات سلالية وبالإخوان صلات تنظيمية وليس بمقدوره أن يتخذ أي قرار يتعارض مع المصالح العليا للإخوان أو للحوثيين.

إن المملكة العربية السعودية أصبحت في مأزق خطير بتبنيها لمثل هذه الرموز المناطقية المنبوذة يمنيا وأخلاقيا. إن الصدام المسلح للسيطرة على عدن أصبح وشيكا وسوف يكون امتدادا لحربي ١٩٨٦ و ١٩٩٤. في حرب ١٩٨٦ تم تصفية رموز الضالع ويافع جسديا ومع ذلك أنتصر الموتى على الأحياء لأن الأحياء هربوا من ساحة المعركة قبل أن تبدأ. في عام ١٩٨٦ حضر القادة المنتمون إلى الضالع ويافع إلى اجتماع المكتب السياسي وقتلوا في أرض المعركة ثم انتصروا، في حين أن قيادات الطرف الآخر لم تحضر وأرسلت غيرها من يقود المعارك نيابة عنها فمنيت بالهزيمة.

وفي عام ١٩٩٤ استعان أبناء الضالع ويافع بطرف خارجي عربي هو مجلس التعاون الخليجي فخسروا المعركة لأنهم سلموا القرار إلى أيادي غيرهم فيما استعانت أبين وشبوة بطرف يمني هو نظام الرئيس علي عبدالله صالح فتمت السيطرة لأبين وشبوة على الجنوب قبل أن تمتد لاحقا إلى كل اليمن إلى أن فرط فيها عبدربه منصور هادي بغبائه وأنانيته. في ٢٠١٩ لا يختلف الأمر كثيرا، إذ أن عمليات التصفية لرموز الضالع ويافع قد بدأت باغتيال منير اليافعي مثلما حدث للشهيد علي عنتر، ولكن التصفيات الغادرة لن تنجح في كسر شوكة الشباب الثائر.

شباب الضالع ويافع لم يعد لديهم داعم عسكري خارجي بعد قرار الإمارات بالانسحاب وهذا هو السبب الذي شجع الحكومة الشرعية المسنودة بتنظيم الإخوان الدولي على التخطيط للإطاحة بقوات الضالع ويافع المسماة بقوات المجلس الانتقالي. ولكن الإرادة والعزيمة المتوفرة لأنصار المجلس الانتقالي يفتقد إليها أنصار الشرعية الرخوة فضلا عن أن قيادات المجلس الانتقالي رغم عدائهم الظاهر للحوثيين إلا أن لهم روابط بإيران يمكن أن يلعبوها لصالحهم في كسب دعم طرف محلي يمني هو الطرف الحوثي للتغلب على قوات الشرعية الرخوة وهذا هو ما سيحدث خلال الأيام المقبلة.

الصدام المقبل سيكون بين ما يسمى الحكومة الشرعية التي غادر رئيسها عدن إلى الرياض قبل نشوب المعركة وبين مجلس انتقالي يدعو للانفصال عن هذه الشرعية وجميع قادته موجودون في أرض المعركة. الصدام المقبل سيكون بين أنصار منير اليافعي الذي مضى شهيدا وأنصار جلال عبدربه منصور هادي الذي مضى هاربا فأيهما سينتصر؟ الشهيد؟ أم الهارب؟ هذا ما ستوضحه لنا الأيام القليلة المقبلة. النصر سيكون لمن يتمسك بأرضه وناسه سواء كان على خطأ أم على صواب.

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com