قهوة الصباح بقلم/ وهيبة الشرعبي ـ عم طه الميكانيكي


_ أنا سعيدة جداً أنني عثرت عليك يا "عم طه"

ميكانيكي مهنته .. له سحنة جميلة جداً تذكرني بـ ملامح "أبي" ، أبيض اللحية، في الستينات او أقترب منها ، يضاهي الأجانب بطوله ، لكن سمرته الجميله وملامحه " التي تنطق دفئاً تنطق "أنا يمني".. مرة أخرى الاسماء "مستعارة" حفاظاً على خصوصية الأشخاص المذكورين هنا.

كنت قد اقتنيت سيارة من السيارات المستغنى عنها، ولأن الأزمة المالية كانت تحاصرني ، لم يكن لي خياراً سوى إقتناء واحدة تناسب وضعي المادي، لكني بقيت طويلاً ابحث عن ميكانيكي يفهم "لغتي" وأسعارة تقترب من قدرتي المالية ، تستطيعون أن تعتبروا أنني كنت "مفلسة" وكأي مغترب في بداية مشواره أعاني من الشح في المادة, فكان الطريق إلى العم "طه" عن طريق صديقة أفشيت لها حاجتي الملحة لميكانيكي أثق به، حيث وأني أقود في الطرقات السريعة والبعيدة دائماً ، فقد كنت محتاجة لشخص يعمل بضمير وبقدر، أي لايسبب الإفلاس لجيبي أيضاً. أستقبلني ببشاشة ، اخبرته أنني جئت عن طريق صديقه دلتني على محله ،رحب بي لدرجة أنني شاركته فنجان من " الشاي الحليب" الذي تصنعه زوجته له .. شكوت "سيارتي" له وتولى أمرها برحابة صدر، وكان أول من بادر " مااستطعتي دفعه ، وإلا ليبقى لديك لا مشكله" وكأنه عرف "همي" ، شكرته داخلي وصليت لله أن يرزقه ضعف مايطلبه يومه ذاك..

عم "طه" أصبح المنقذ لي كلما اشتكت سيارتي من "معدتها" ، كان طريقي اليه أسهل الطرقات.. ومع مرور الوقت أصبح "العم طه" يستلم سيارتي ويسلمها لمن في الداخل ، ويبقى معي نثرثر حتى إنتهاء عطب سيارتي، ولم أكن أتذمر، فأنا على أية حال لم أكن أملك مكاناً آخر أذهب إليه بدون سيارتي. بقيت أحاديثنا متفرقة ، سياسة حيناً ، وخاصة حيناً آخر، حتى جاء يوم ، قصدت محله ، ولكن وجهه لم يكن ذاك البشوش الذي تعودت عليه مستقبلاً لي ، بل اعتلته حالة حزن أدركتها ساعة رؤيتي لوجهه الذي بدا لي أنه شاخ كثيراً ، وقالت لي عيناه أن "هماً" قد أرتكب أثمه به.

لم تكن علاقتي به تخولني لأن أستفسر أكثر ، فقد يصدني هكذا كنت أحدث نفسي ، ولكن الفضول كـ عادته ، يأكل من هم "مثلي" حتى يصبح همي معرفة "مماذا يشكوا عم طه", فبقيت طوال وقتي مشغولة به ، بينما اكتفى هو بتركي في صالة الإنتظار ، يتفقد الصالة وزبائنه القادمين بين حيناً وآخر، حتى فرغ المكان ، وبقيت أنا زبونته الوحيدة هناك.

_ يابنت الحلال سيارتك هذه ستكلفك الكثير إذا بقيتي تصرفين عليها هكذا؟

ـ والحل ياعم طه؟

_سأبحث لك عن سيارة ، وأنتي قسطيها

_تمااام ، موافقه بشرط..!

_خير يابنت بلادي .. ماهي شروطك؟ (محاولاً أن يبدوا مبتسماً ومتفاجئاً من أنني "المًعدمة" أضع شروطاً لـ عطفه على حالي)

_ ليخبرني عم "طه" عن همه .. (قلتها مبتسمة ، محاولة تلطيف الأجواء .. )

نظر إلي قاطباً حاجبيه ، وكأنه لم يسمع ماقلته ، اطرق هنيهة ثم أطلق تنهيده أعتقد أنها ضربتني في العمق ، أي هم يجعل رجلاً كـ عم "طه" يبدوا هكذا ..

_لعنة الله على أمريكا..!

جلس في مقعده الذي يجلس عليه في كل مرة كنت أقصد محله ، وبقي دقيقة أو أكثر ينظف يديه من بقايا زيوت السيارات، بينما أنا أنتظر أن يشكوا همه ، وعقلي يفكر ، لعله سيشكوا شوقه لبلاده كما تعودت منه ، حكاياته عن ساحل "عدن" خورمكسر، القلوعة ، والخ ..من حكايات تلك المدن التي عشقتها من حديثه عنها رغم أني لم أزر قط "عدن" في حياتي ، وحده عم "طه" جعلني اضيف "عدن" الى قائمة المدن التي أزعم أنني قبل أن أغادر البسيطة الصعبة هذه سأزورها, عرفت من جلسته أنه يريد أن يتحدث، كان يبحث عن شخصاً يفرغ همه ، والغريب عادة يصبح أكثر من نشكي همنا لهم، لأنهم لن يحاسبونا عليه. وكانت الصدمة التي ابتلعت كل شيء كنت أفكر فيه ، واصل عم طه لعنته على أمريكا.. وأكمل.

"كان لي ابنتان حتى البارحة ، أحداهما مخطوبة على إبن عمتها ، والأخرى في سنه ثانيه جامعة ، قبل البارحة سمعت باب بيتي يفتح بهدوء قريب الساعة الثالثة صباحاً ، تركت سريري ولم أوقظ زوجتي خوفاً من أن يصيبها شيء فتصحو إبنتاي على ضجتها ، ويذعر اللص فيستخدم اي شيء لينجوا ويؤذي أهل بيتي، حملت سلاحي ونزلت الطابق الأرضي بهدوء ايضاً كي أفاجئ اللص ، ولعلي اهدده فيخرج دون أن يحدث دماراً، وليته كان لصاً ، وليته أحدث دماراً ، كانت الأضواء مطفئه ، وكان هناك ظلان يقتربان من صالة الطعام التي خلفها سلم يقود إلى الطابق العلوي ، أنرت الإضاءة مجهزاً سلاحي بإتجاه الظلين اللذين تسمرا بجوار طاولة الطعام، لأجد إبنتاي الأثنتين بثياب شبه عارية ،( ثم أردف مشيراً بأصبعه نحوي.). ولـ علمك "إبنتاي" حتى البارحة تلبسان الحجاب. غضبي ، نقمتي ، وسخطي على كل شيء ، ولأول مرة مددت يدي لأعطى كل منهما "كف" وعدت لحجرتي أحمل همي ، بينما زوجتي المذعورة لم تقل شيء.

صباح الأمس كانت الشرطة تحيط ببيتي الذي عشت فيه طيلة ال 25 عام ، ولم يخدش شرطي عتبة بيتي، ترافقهما وابنتاي أيضاً بثياب شبه عاريه تجر ذراع المخطوبة منهما رجل أمريكي أفريقي ، أعلمتني الشرطة بأنه سيتم القبض علي ، ولكن قبل ذلك ، لأبنتاي الحق بدخول المنزل وحمل أغراضهما ، لأن "ابنتاي" قررتا أن تغادرا منزلي، قانون أمريكا ، هكذا ، لهذا قلت لي لك " كان لي حتى البارحة إبنتان" .. قال ذالك وعيناه ممتلئه بدموع رفضت كبريائه أن تجعلها تسقط ، ادار وجهه بعيداً عني ونهض ، مدعياً أنه سيتفقد سيارتي ، واعداً إياي بالنظر في موضوع اقتناء سيارة أخرى، وقبل أن يفتح الباب الفاصل بين غرفة الإنتظار ليختفى هناك .. قال

_ إبنتاي تعملان في "حانة ليلية" مهنة الرقص "عاريات".. لعنة الله على أمريكا! .. وأختفى.

لم أجد شيئاً لأقوله، كيف يحدث كل هذا ، هل ألعن مثله أمريكا.، وهل حقاً هي سبب ما آلت اليه قصة "إبنتا عم طه" أين الخلل..في كل هذا ؟ أبتلعت غصتي ، وإحتراماً لسحنة ذاك "الطيب" غادرت صامتة ، وتركت فضولي عالقاً في مكاناً آخر.. كان طعم قهوتي يومي ذاك أكثر مرارة.

أحدث منشورات

عرض الكل

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com