مواقف وطرائف في مذكرات الرئيس الإرياني

أعدها للنشر: عبدالإله الطاهش

1

نهب يريم

في صفر سنة 1329ه الموافق 1911م ،جرد الإمام يحي جيشاً لتأديب بعض القبائل على رأسه السادة عبدالله بن ابراهيم ،ومحمد بن يوسف ،ويحي بن محمد الهادي . وقد مر الجيش على مدينة يريم ، وكانت مدينة من المدن الزيدية الموالية للإمام يحي ،ففتحت أبوابها للجيش معتزة به كجيش يكافح لتحرير اليمن من السلطات العثمانية .ولكن الجيش المؤلف من قبائل همجية قد هالهم ما رأوه في بيوت المواطنيين الذين فتحوها لاستضافتهم من متاع وأموال لا عهد لهم بمثلها. قأقدموا على نهب كل ماوصلت اليه أيديهم ،حتى بلغ بهم الأمر الي أن يقطعوا آذان النساء ليأخذوا الأقراص التي عليها. وعلى سبيل النكته يقول القاضي الإرياني: كان والده يروي قصة وهي أن بعض الجنود دخلوا الي بيت ،وكان قد سبقهم اليه من أخذ كل مافيه ولم يبقى إلا فرش طفل ينام عليه طفل صغير ، فرفعوه من على الفرش ووضعوه على الحصير وأخذوا الفرش فقال أحدهما للآخر : أترك الفرش للطفل ،فرفض .فقال له:اتركه فما يضيع عند الله شيئ .فقد أعتبر أن تركه للفرش الوحيد الباقي صدقة لايضيع أجرها عندالله. ونكته أخر وهي أنه جاء يوم الجمعة والقوم لايزالون في يريم، فحضر كثير منهم للصلاة ،وقام السيد محمد بن يوسف ،أحد قادة الجيش خطيباً في القوم ينعي عليهم مافعلوه في المدينة من نهب وسلب وأخذته العبرة والتأثر فبكى،فقال أحد عرفاء الجيش أم سيد يبكي لأن نصيبه من أم فيد قليل(أي السيد يبكي لأن نصيبه من الغنيمة قليل) حيث ظهر أن القائد كان قد شارك الجيش فيما نهبوه ،ولكن نصيبه كان قليل، ولم يكن كما كان يطمع.

2

فوضى الإئمة

يقول القاضي الارياني في مذكراته :ان اليمن كانت تعاني أوخر القرن التاسع عشر من فوضى عارمة فالى جانب الحكومة العثماني التي كانت في حرب دائمة مع اليمنيين. كان يوجد مجموعة من الائمة الذين يدعي كل واحد منهم أنه أحق بالامامة ويدعو بالامامة لنفسه ،وكل واحد منهم يلتف حوله فريق من الطامعين والمظللين. فكان هناك الامام المحسن بن أحمد ،والامام محمد بن عبدالله الوزير ،والامام أحمد بن هاشم ،والامام الهادي شرف الدين ،وكانت الحالة تمثل قول الشاعر : وتفرقوا شيعاً فكل قبيلة فيها أمير المؤمنيين ومنبري ويمثلها ثمثيلا صادقاً الشاعر الشعبي أحمد القارة: ضاعت الصعبة على الخلفا. لاتصدق أن ثم وفا خبط عشوا والسراج طفاء. حسبنا الله لا إله إلا الله الى ان يعدد الإئمة والخلفاء: والذي في السر كان إمام. قد نبع منها بغير كلام وزحر زحرة بغير وحام. وانزوى لا إله إلا الله

وابن شمش الحور في غربة. قد دعا حتى جته شحبه وخرج منها الى الرحبة. لا لشيئ لا إله إلا الله

والإمام محسن إمام عظيم بالخلافة والشروط عليم وهو في حصن الغراس مقيم. منتظر لا إله إلا الله

كلهم قاموا بغير ركب من ملك رطلين نحاس ضرب والوقيد قالوا كباوقصب. وقشاش لاإله إلا الله

وأمير المؤمنين معيض. قد جعل فيها طرق وفريض وشاربه قالوا طويل عريض. ومجعلي لا إله الا الله.

وكان أخر هؤلاء الائمة هو الإمام الهادي شرف الدين الذي كان متحصن في الاهنوم. وحين وافته المنية جمع من حوله و أوصى بمابيعة محمد بن يحي حميد الدين أبرز علماء صنعاء. عام 1307ھ 1890م مات الامام الهادي ونفذ أتباعه وصيته فاستدعوا محمد بن يحي حميد الدين _والد الإمام يحي _ من محل أقامته في صنعاء وبايعوه أمام وتلقب بالمنصور بالله وقد استمر حكمه 14عاما قضاها بين أتباعه وأشياعه من القبائل في شهارة وقفلة عذر وغيرها.

3

كيف اشترى الامام يحي موقف الشيخ الاحمر ليحسم أمر مبايعته للإمامة.

عام 1322ھ1904م توفي الامام محمد بن يحي حميد الدين فبايع العلماء ابنه الوحيد يحي محمد حميد الدين . وكان على جانب كبير من الدهاء _ ينقصه شرط واحد من شروط الخلافة المعتبرة في المذهب الزيدي وهو الكرم. فقد كان شديد البخل . ويفسر القاضي الارياني : لهذا اختلف العلماء في بادى الامر حوله وكان بعضهم يرى مبايعة سيف الاسلام محمد بن الهادي. ولكن الامام يحي كان قد عهد الي الشيخ ناصر الاحمر زعيم قبيلة حاشد التي يعيش الامام والعلماء في كنفها واعطاه مبلغ من المال ليحسم الامر له حينما يرى إن الكفة رجحت لخصمه. وفعلاً قال الشيخ الاحمر بحزم وصرامة: ياقضاه… ياساده …الإمام : سيدي يحي… فلم يجدوا مناصاً من أن يقولوا الإمام سيدي يحي. وكان يعلن (السيد يحي إمامنا ومن تردد فهذا جوابه ويشير الى أسلحته الناريه).

وظل الإمام يحي ينازل الاتراك حتى سنة 1329ھ1911م حين عُقدت بينه وبين الحكومة العثمانية الاتفاقية الى عرفت باسم صلح”دعان”(بلدة في جبال عيال يزيد) وقد كفلت هذه الاتفاقية الموادعة بين الإمام يحي والاتراك على أن يُعطى راتباً شهريا وأن يأخذ الزكاة ممن يريد إن يدفعها اليه في المناطق الزيدية.مع بقاء حق الدولة العثمانية أخذ الضرائب من هذه المناطق نفسها.

عام 1327ھ1918م كانت الحرب العالمية الاولى قد أسفرت عن انهزام ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية ،وانكمشت الي بعض مناطق تركيا،وسحبت قواتها من جميع الولايات بمافيها اليمن. فدخل الإمام يحي صنعاء لتسلم زمام الامور وإن شاء الدولة الحديثة.

4

كيف فقد الإمام يحي نواحي ،الضالع ،وجحاف،وحالمين والشعيب، والاجعود؟!! بعد ان كانت تتبع مملكته في شمال اليمن.

قصة الحرب مع الانجليز

عام 1347ھ 1928م جاءت الطائرة الانجليزية لتلقي صواعقها وقذائفها على المدن اليمنية ابتداءً بقعطبة فإب ويريم وذمار .فما قصة هذه الحرب ؟ وما أسبابها وأبعادها . يوضح القاضي الارياني في مذكراته ان سبب اشتعال تلك الحرب هو ان حكومة الإمام يحي كانت قد بسطت نفوذها على نواحي الضالع ،وجحاف وحالمين ،والشعيب، والاجعود، الى قرية ملاح التي لا تبعد كثيراً عن لحج. وكان يدير أمور تللك المناطق عامل وحاكم في الضالع هو السيد محمد الشامي. وكان مرتبطاً بالامير يحي عباس أمير قعطبة والنادرة ونوحيهما، وكان هذا “يحي عباس” شديد الوطأة على أهل ولايته وقد أراد ان يستصفي كثيراً من أموال الموطنيين بزعم أنها”صوافي”إي أموال حكومية. وكان كثير من هذه الاموال تخص الأمور الأمير نصر أمير الضالع وأسرته ،قبل بسط نفوذ حكم الامام يحي على تللك المناطق. فرفض الاستسلام لمايريده الامير يحي عباس، فحبس الامير عباس أخا الامير نصر وجماعة من ذويه. وفر جماعة منهم الى الإمام في صنعاء ليشكوى بالامير عباس الذي سجن بعضهم واراد ان يستصفي أموالهم. فلم يسمع الأمام يحي لشكوهم بل أعادهم مرغمين الى الامير عباس الذي إعادهم الى السجن. فحمل هذا الامير نصر أن يفر الى عدن ويطلب حماية الانجليز فقبل الانجليز هذا الطلب بحجة إن هذه المناطق هي من أرض المحميات ودخلة في الحدود التي رسمتهاالاتفاقيةالمعقودة بين الانجليز والحكومة العثمانية. وكان جواب الامام يحي أن العثمانيين أعطوا مالايملكون لمن لا يستحق ،لذلك فقد رفض مزعم الانجليز.

فأرسل الانجليز جيشاًواستولوا به على المناطق التي يطالب بها . وانتقل العامل من الضالع الى قعطبة وجند الامام الجنود لاستعادة ماأخذ الانجليز ،وانتقل العامل من الضالع الي قعطبة وجند الامام الجنود لاستعادة ما أخذالانجليز. وبدأ الامير يحي عباس من قعطبة بمناوشة الانجليز.فجاءت الطائرات في مارس عام 1928م وضربت قعطبة. وأوى الامير الى كهف من الكهوف بحيث يكون في مأمن من قنابل الطائرةوصمد فترة ليست قصيرة. وضاق الانجليز ذرعاً من مصابرة الامير وجيشه وحربهم التى اعتمدوا فيها طريقة الكر والفر ،فقام الطيران في أوخر عام 1347ھ الموفق يوليو 1928م بضرب المدن اليمنية البعيدة عن قعطبة وهدد بضرب العاصمة ،مما دعا الامام الي مغادرة صنعاء الى كوكبان مع أهله وماغلي من متاعه. واضطر الي الميل الي السلام بعد ان عقد مجلساً للعلماء واختلفوا فيه بين مجوز للاستجابة الى الدعاوي الانجليزية بأحقيتهم بحماية المناطق المذكورة وبين محرم لذلك وقائل بوجوب مواصلة الحرب،فمال الامام الى قول المجوزين وأمر بالكف عن محاربة الانحليز ،وطلب الانجليز تسلم المعتقلين فسلمهم اليهم. وتسابق الشعراء في التنديد بعدوان بريطانيا وكان في مقدمتهم القاضي يحي بن محمد الارياني والد الرئيس الارياني ،الذي تعد قصيدته أشهر قصيدة تندد ببريطانياو ماتزال تلهج بها الألسن الى اليوم ومنها : يابريطانيا رويداً رويداً إن بطش الإله كان شديدا ان بطش الإله أهلك فر. عون وعاداً من قبلكم وثمودا ان هذا الفساد في الارض والهدم لهذي البيوت ليس سديدا لاتظنون هدم المدائن يوهي. عزمنا أويلين بأساً صلودا.

5

كعوا …كعوا ..يا خولان .. هكذا استقبل الإمام يحي القبائل اليمنية المجندة في الحرب اليمنية السعودية.

قصة الحرب اليمنية السعودية

كان الجيش الذي جنده الإمام من أفراد القبائل اليمنية المتمرسة على القتال كان يلقى من الإمام يحي ضروباً من المهانة والإهمال ، فقد كان يعطيهم السلاح الفاسد الذي خلفه الاتراك والذي لم يعد يستعمل في إي جيش في الدنيا ك(الصابة)و(المرت). ويذكر القاضي الإرياني واقعة يقول انه كان شاهد عليها هي: ان الإمام أمر الى قصر السلاح بتسليح القادمين من خولان فأعطوهم سلاحاً فاسداً وأعطوا كل واحد منهم عشر طلقات ، فجاءوا بزاملهم ليستمع الإمام الى شكواهم فرفض مقابلتهم ،فضلوا يزملون فاستدعاهم واستقبلهم بقوله:كعوا كعوا يا خولان ،(وكعوا)كلمة تزجر بها الحمير ،ومعنى ذلك أنهم من الحمير فتمعّرت وجوههم ولم يحتجوا بل قدّم أحدهم البندقية التي سلحوه بها الى الإمام وقال له (ارميني والله يبري ذمتك)، يعني بذلك إنها لا تقتل لأنها غير صالحة. فأجابه الإمام إذا كنتم لا تريدون الجهاد في سبيل الله عدتم بلادكم وأنا بالله ولست بكم. فخرج هؤلاء مُنكسري الخواطر يجرون أرجلهم جراً من ثقل الخيبة ومرارة الإهانة

ويشرح القاضي عبد الرحمن الارياني في مذكراته قصة تلك الحرب قائلا : ان الحكومة في صنعاء كانت تاتي عليها فترات تنكمش فيها سلطاتها وتعجر عن ضبط الامور وتسييرها في المناطق البعيدة ولاسيما أوخر القرن الثالث عشر الهجري الي النصف الاول من القرن الرابع عشر.

ونتجة لذلك تكونت إمارات عديدة في الجنوب ،كما تكونت في الشمال إمارة أل عايض في القسم الجبلي من عسير وأعلن محمد علي الادريسي نفسه حاكم علي تهامةعسير. أما نجرن فقد دخلتها الجيوش اليمنية بقادة ولي العهد أحمد في سنة 1352ھ 1933م… ولكن أهلها كانوا من الياميين الذين يعتنقوا المذهب الاسماعيلي ويسمو شعبياً المكارمة.

وكان الإمام يحي قد أحرق كتب طائفتهم القاطنيين في حراز وعراس وايداعهم السجن حتي يقروا على أنفسهم الكفر ويعتنقوا الاسلام مجدداً ويلتزموا المذهب الزيدي أو أحدى المذاهب الاربعة. فأشفقوا على أنفسهم من إن يلاقوا نفس مصير طائفتهم ففر كبارهم الى الملك عبد العزيز واحتموا به وابدوا استعدادهم الدخول تحت حكمه فقبلهم على شرطهم وهو ان يبقوا على مذهبهم. وبعد الاستيلاء على نجران ظلت الجيوش اليمنية توالي زحفها على تهامة عسير وحين شعر الادريسي بعجزه عن مقاومة الجيوش اليمنية مد يده الي الملك عبدالعزيز يطلب الدخول تحت حمايته. وبعد استيلاء الجيش اليمني على نجران عملت السعودية على توطيد أقدامها في عسير تهامه وحكمها حكماً مباشراً بعد الانتفاضة التي قام بها عبد الوهاب الادريسي وموطنين في المنطقة محاولين خلع اتفاقية الحماية التي وضعها في أعناقهم الحسن الادريسي. وقرروا الانظمام الى حكومة اليمن . ولكن الملك عبدالعزيز أسرع فضرب ضربته القاسية فقتل وأسر ونجا عبد الوهاب الادريسي باللجواء الي القوة اليمنية في حرض.

وجاءت الوفود من السعودية تحاول أقناع الإمام يحي بسحب قواته من نجران لان أهلها لجإو الي الرياض،فإما تنسحب القوات اليمنية وإلا فهي الحرب . وحاول الإمام يحي يقنع الوفد ان لاحق للملك عبد العزيز أوشبه حق في نجران لانها أرض يمنيه ،وبعد بقاء الوفد السعودي في صنعاء مايزيد عن شهر في حوار ومراجعة أصر كل فريق على موقفه. وفي سنة 1353ھ 1934م أعلنت الحرب بين اليمن والسعودية. وقد جهز الإمام يحي جيشاً قسمه الى عدة فرق فولي العهد أحمد عهد اليه بقادة الجيش في صعدة وسيف الاسلام الحسن عُين قائدا ً للجيش في نجران وسيف الاسلام أحمد بن قاسم حميد الدين إخوه عبدالله وابنه محمد اتجهوا الى المحابشة وكان على رأسهم سيف الاسلام الحسين.وجاء القائد الشريف عبدالله الضمين من جهة الشرق.أماجبهة زبيد والحديدة فقد جُهز لها جيش كبير بقيادة الأمير علي عبدالله الوزير أمير لواء تعز.

أما السعودية فقد جهزة جيشاً كبيراً قسمته الى ثلاث فرق . الفرقة الأولى بقيادة فيصل ومهمتها احتلال مدينة الحديدة . والفرقة الثانية بقيادة ولي العهد سعود بن عبدالعزيز وهدفها نجران. والفرقة الثالثة يقيادة خالد بن محمد وهدفها مدينة صنعاء. وكانت نتائج الحرب حسب ماجاء في مذكرات القاضي الإرياني كالتالي: أما الفرقة الثانية فالمعروف ان سيف الاسلام أحمد قد انتصر على ولي العهد سعود واحتلات القوات اليمنية مخيم سعود الذي فر عنه وترك كل شيئ وراءه من سلاح وخيام ومؤن كانت غنيمة للجيش اليمني وذلك في موقعة نهوقة. وأما الفرقة الثالثة بقيادة خالد بن محمد فلم تدخل في الإرضي اليمنية شبراً واحد بل ولم يستعيد شبراً واحدا من فيفاء وبني مالك التي احتلتها القوات اليمنية في الحرب. أما الأمير فيصل فقد احتل الحديدة وبقي فيها حتى تمت المصالحة. ويؤكد الرئيس الإرياني ان الامير فيصل ما كان ليقدر أن يكون أسعد حظا من الجيشين المذكورين لولا أن الذي كان يحكم الحديدة كأميرلها هو سيف الاسلام عبدالله ،الأثير عند والده جداً والجبان في نفسه جداً ،فقد هوّل الأمر على أبيه زاعماً أن فيصل يقود جيشاً كبيراً مسلحاً بالآليات الحديثة التي لاتملكها اليمن وأنه لا يمكن مقاومة هذا الجيش. وأصيب الأمام يحي بالهلع خوفاً على ابنه عبدالله فأمره بالانسحاب الى حراز. ولم يكتف الإمام بذلك بل أمر قادة الجيوش والعمال في تهامة بالانسحاب حتى لا يرمي ابنه بالجبن ويحمله الشعب مسؤلية الهزيمة. وقد تسابق الملكان عبد العزيز ويحي في طلب النجدة فطلبها عبدالعزيز من بريطانيا، وطلبها الإمام يحي من إيطاليا فهبت الدولتان بأساساطيلهما الحربية الى الحديدة ، وكان الهلع قد أخذ من الإمام يحي كل مأخذ فأمر عامله في المخا السيد عبدالجليل باشا بأن يسمح للقوات الإيطالية بالنزول الى المدينة وإتخاذ معسكر فيها .فصدع هذا بالامر ،ولكن قائد الجيش الشعبي الشيخ محمد أحمد نعمان وقف موقف وطنياً مشرفاً فرفض بقاء الجيش الايطالي قائلاً أن البلاد بلادنا والوطن وطننا وليس وطن الإمام وأعد جيشه للحرب ،مما اضطر القوات الايطالية الى الانسحاب. وقد حمد هذا الموقف فيما بعد ولي العهد أحمد للشيخ محمد وكافأه عليه. وقد تداعى زعماء ورجلات العرب وهبوا الى السعودية ثم الى اليمن ليمنعوا استمرار الحرب وليقوموا بالمصالحة والوفاق بين الإمام والملك فجاء الامير شكيب ارسلان ومفتي فلسطين محمد أمين الحسيني ومحمد علوبة باشا وغيرهم .وقد يذلوا مجهوداً ليتم اجتماع وفدين يمني برئاسة عبدالله أحمد الوزير وسعودي برئاسة خالد بن عبدالعزيز في الطائف اجتماعاً أسفر عن آتفاقية الطائف المشهورة.

6

بداية النشاط السياسي المعارض للإمام يحي في دار الندوة

يؤكد القاضي الارياني ان بداية العمل السياسي كانت في المقايل من خلال نقد الاوضاع العامة والالتقاء بمن لهم صله وعندهم الوعي لما يجري مثل: المحلوي ،أحمد المطاع ، والعزي السنيدار ،والشماحي وزبارة وغيرهم ويضيف الارياني انه وفي منتصف عام 1350ھ أوائل 1932م بدأ بالتعاون مع القاضي أحمد المعلمي في العمل الوطني، ولكن بحذر شديدمن خلال تحرير المنشورات وبثها في المساجد والطرقات . ويذكر أن من أوئل القصائد الذي تناول فيها الفاسدين من رجالات الدولة بالنقد والتجريح القصيدة التالية ساد الفساد فلن ترى. غير الخليع مواقرا في دولة أوهى الزمان. مليكها المتجبرا وبنوه كل منهم. ثوب الشقاء مؤزرا وبعد ذكر رجالات الدولة بالاسماء قال: هبوا بني اليمن السعيد. فانتم أسد الشرى واستيقضوا من نومكم. فالي متى هذا الكرى هبوا لمن أنسى يسو مكم العذاب الأكبرى وغدا يراكم يابني. وطني بعين الازدرا حتى كأنكم العبيد. وأن والده اشترى ولما وصل هذا المنشور الى الإمام يحي أقامه وأقعده وقد توجهت التهمة الى العلامة محمد بن محمد زبارةوبعث اليه الإمام برسالة مليئة بالتهديد والوعيد ،فنفى علمه بها ،أو اطلاعه على المنشور مع أنه -كما يقول القاضي الإرياني – كان ثالث ثلاثه يعلمون من قاله ومن حبره وهم القاضي الإرياني وأحمد المعلمي والعلامة زبارة ،الذي كان يتم العرض عليه لكل مايتم نشره ،اذ كان يمثل المعارضة العلنية والنقد الشجاع ،وكان بيته مجمع للشباب والمثقفين ورواد الاصلاح وملتقاهم، ولهذا كان الإمام يحي يسميه دار الندوة ، وهو الدار الذي كان يجتمع فيه كفار قريش.

ولما اتهم العزي الخالدي بانه وراءالمنشورات وحبس وجلد كما اعتقل ونفي الزبيري ومحمد أبو طالب وأحمد المطاع وعبدالله العزب والسياغي وغيرهم أخلدوا الي السكينة فترة من الزمن .

ويضيف القاضي الإرياني:ثم رأينا أن من واجبنا أن نواصل نشر المنشورات حتى لا يعطى المسؤلين قناعة بان المسجونين كانوا وراء المنشورات وبالتالي يقررون بقاءهم في السحن ولكن بمعدل منشور كل أسبوع. وكنا نعمد الى تناول شخصية الإمام يحي بمأخذ دينية كاستئثاره بالمال وبنيه وبنائه القصور واقتنائه للأرض في مناطق كثيرة ومنعه صرف الحقوق لمستحقيها.

ولما وجد الإمام يحي إن العنف والسجون لم تؤتي ثمارها عدل الى استمالة المجموعة التي كانت تحوم حولها الشكوك فعين العزب حاكما في حيس والشماحي حاكماً في وصاب السافل والمطاع محرر في صحيفة الايمان ثم في مجلة الحكمة.وأمر والد القاضي الارياني بان يأمر القاضي عبد الرحمن الإرياني بان يلزم مقام الإمام يحي وكلفه بالرد على مايصل اليه من أسئلة المواطنين فقد كان الي جانب منصب الإمام يعمل في الناس مفتياً .

وفي عام 1936عينه الإمام يحي حاكماً شرعياً لقضاء النادرة الذي شغله زها سبع سنوات.

7

جواسيس ولي العهد أحمد في الحج

عام 1375ھ الموافق 1939م يقول القاضي الإرياني :قمت وأخي محمد بأداء فريضة الحج، ويصف تلك الرحلة قائلاً : سافرنا من النادرة الي قعطبة ومنها على سيارة شحن الى لحج وهي أول سيارة نركبها ومن لحج الى عدن على سيارة أخر وبقينا أسبوعا في عدن حتى تيسرت باخرة هندية ركبنا عليها الي ميناء جده وقد عرجت بنا الباخرة على ميناء الحديدة لركوب الحجاج اليمنيين وكانوا علية القوم علي عبدالله الوزير وابنه عبدالله القاضي الزبيري ،القاضي السياغي ومحمد بن محمد زبارة والقاضي حسين الحلالي. يقول القاضي الإرياني : وعلى الباخرة كان أول لقائنا بالقاضي الزبيري. ذلك ان الزبيري كان لصيقا بالأمير علي الوزير حج معه وعلى نفقته ذهب الى مصر للدراسة. وقد عرض علينا قصيدة من شعره كان قد أعدها لإلقائها بين يدي الملك عبد العزيز،وسأل عن رأينا في القصيدة يقول القاضي الإرياني فقلت له:من الناحية الشعرية والبلاغية جيدة جداً، فضحك وقال والموضوع فقلت له المدح مبالغ فيه ويوحي بالمفاضلة وغيرة الإمام يحي وحساسيته بالنسبة الى الملك عبدالعزيز لا تجهلونها، ثم لا يحوز ان ننسى شهداء تنومة ،فقال صدقتم وسوف لن أقدمها.

ويشرح القاضي الإرياني طبيعة الصراع بين ال الوزير وأولاد الإمام يحي من خلال الموقف التالي، الأمير علي الوزير أمير لواء تعز كانت العلاقة بينه وبين ولي العهد أحمد علاقة شكوك وريبة وتربص. وكان أحمد يمد نظره الي إمارة تعز لغرض تقليص نفوذ علي الوزير والحلول محله،بعد أن أصبح مقصوداً لكرمه من جميع أنحاء اليمن. وكان الثناء عليه لا يروق للإمام يحي وأولاده ، فأذن لابنه أحمد بزيارة المناطق الحنوبية والغربية أي الحديدة وزبيد وتعز.

ولكن أحمد كان عازماً على أن لا يعود صنعاء وأن يضايق علي الوزير، وكانت البداية أنه حينما وصل تعز نزل ضيفاً على الأمير وقعد في مقعده وأنشد بحيث يسمعه: وألقت عصاها واستقر بها النوى. كما قر عيناً بالاياب المسافري وسمعها الوزير وفهم معناها ،بالاضافة الي ذلك كان ولي العهد يقابل الناس ويطلع على الأمور ويصدر أومره بما يرضيهم.

ورأى الأمير الوزير أن نفوذه بدأ يتقلص ،فطلب الإمام أن يإذن له بالحج، وكانما صادف ذلك هوى في نفوس الإمام فإذن له، ولكن ،أحمد لم يدعه يذهب دون أن يبعث عليه رقيباً يحصي عليه أنفاسه ويعرف مداخله ومخارجه. لانه كان يخشى لقاءه بالملك عبدالعزيز الذي يكره السيف أحمد ويتهمه بالتأمر على قتله، فبعث للحج معه القاضي حسين الحلالي. الذي كان قد عرف أن أيام الوزير تصرمت وأن مستقبله مع ولي العهد أضمن. وكان كما يصفه القاضي الإرياني من النفعيين الذين يعملون للمصالح الخاصة ،ومن هنا أودى بصديقه الشهيد الخادم غالب ومن معه من الاحرار وفيهم الشهيد الموشكي وستقهم الى ساحة الاعدام في أعقاب ثورة ثمانية وأربعين ،مع أنه كان يوهمهم أنه معهم وكان موكلاً اليه أدارة شؤون الحديدة. ولذلك لازم الحلالي الأمير الوزير يدخل بدخوله ويخرج بخروجه، ولكن الوزير تمكن من اللقاء بالملك عبد العزيز ،وتعهد له الملك بان يكون نصيرا ً له بعد وفاة الإمام وأن يعملا معا على أبعاد ولي العهد عن الملك.

ويضيف القاضي الإرياني في منى : ذهبنا لزيارة الأمير علي الوزير وكان معنا السيد أحمد عشيش من رداع ،وقد سمع الحديث الذي كان يدور في الجلسة وكله نقد بل وسب لولي العهد فخرج مغضباً ،فوجدناه يحرر برقية للإمام يحي وأخر لولي العهد أحمد يشرح فيها ما دار في الجلسة ،ويقول هؤلاء الذين أحسن اليهم الإمام فجاءوا يسبونه ويسبون ابنه. يقول القاضي الإرياني : ولما كان الرجل قد جاء معنا للزيارة فقد شعرنا بالمسؤولية عمايفعله ،فأخذنا نهدى من غضبه ونقوله أن المجالس بالامانات،وهم لم يتملموا أمامك إلا لثقتهم بك. (ومن ائتمنك فلاتخونه ولوكنت خائن الي غير ذلك من الكلان الذي يؤثر في أمثاله من العامه ،فمزق البرقية واستعاذبالله من الشيطان الرجيم. ويضيف القاضي الإرياني ،وجاء الزبيري الذي كان مقيماً ضمن حاشية الأمير فعرف الحقيقة وأكبر منا عملنا على أحباط الوشاية واطمأن الينا،وصعدنا معه الى جبل منى ،وهناك تناولنا أطراف الحديث ،وجرنا الي المقارنة بين أوضاعنا في اليمن وأوضاع السعودية التي اذا قورنت باليمن من الناحية الاقتصادية جاءت في الدرجة الخامسة أو السادسة بعد اليمن وكان ذلك قبل ان يكتشف النفط في السعودية.

8

زيارة الإمام يحي الى دمت

في جماد سنة 1361ھ الموفق يونيو 1943م وصل الإمام يحي الى دمت للاستشفاء بمائة الحار الفوار،وكانت هذه الرحلة هي الثانية التي يخرج فيها الإمام من صنعاء منذ دخلها عام 1918م.

بعد الأولى التي خرج فيها من صنعاء الى كوكبان سنة 1928م فراراً من الطائرات البريطانية بعد ان هددت بريطانيا بضرب العاصمة صنعاء.

وكان _رحمه الله_ كما يقول القاضي الإرياني حلساً من أحلاس بيته وحسبك أنه مات قبل أن يعرف البحر ، ولم يقوم طوال فترة حكمة المديد بجولة في البلاد التي يحكمها ليتفقد شؤون المواطنيين ويتعرف على مشاكلهم ،ويحاول حلها استشعاراً بمسوؤلية الراعي عن رعيته.

أثناء أقامته بدمت في الدار التى بنيت له خصيصاً ،هرع جميع مسؤلي المناطق الجنوبية لزيارته،كما هرع جميع المواطنون ليقدموا شكاواهم بأمير اللواء نجله سيف الاسلام الحسن. وبما يقاسونه من مظالم ، وساء الإمام ان يسمع ماسمعه عن ابنه الحسن. وصرح في إحدى جلساته للسيد عبدالله الوزير في المقيل انه لم يكن ينتظر أن يسمع ما سمعه من الشكوى بالولد الحسن. وقد تمنى أنه لم يصل الي المنطقة وقد تفاءل من سمعه يتوجع ويأسف وانتظر الجميع أن يغير أمير اللواء أو على الأقل يامر بالغاء المظالم التي يعاني منها المواطنون. ولكن الذي حصل ان الحسن استطاع ان يقنع والده إنا الردود التي يحررها الكتاب على شكوي المتظلمين هي الذي أغرتهم بالتظلم لأنهم يأمرون بإزالت المظالم وإسقاط ما يتظلم منه الناس.

وصدق الإمام يحي وأمر الكتاب ان يقتصروا في الردود على الشكوي وعلى الإحالة المجردة فخرجت الردود في اليوم كالتالي : (الى الولد سيف الاسلام الحسن بتاريخه) وضج الناس وترقبوا خروج الإمام للدورة واصطفوا في شبه مظاهرة رافعين شكاواهم التى عليها الردود وصاح أحد الشاكين منادياً للإمام ورامياً بالشكوى في وجهه وبلهجته الشعرية الدارجة (مُو الى الولد الحسن بتاريخه )إي مامعنى هذا الجواب ومضى يقول لقد عرفنا أن الإمام هو الظالم لنا وليس الولد الحسن بتاريخه وضحك الناس وتمعر وجه الإمام وأمر بحبس الشاكي.

9

بداية العمل السياسي المنظم في إب وامرأة وادي الحار

يقول القاضي الإرياني أصبحت أكثر اندفاعاً للعمل السياسي بعد وفاة الوالد سنة 1362ھ الموافق ديسمبر 1943م. فأنشأنا بداية عام 1363ھ 1944م جمعية سياسية في إب أسمينهاجمعية الاصلاح واخترنا القاضي محمد الأكوع رئيسا للجمعية وتضم الشاعر محمد أحمد صبرة والقاضي عبد الكريم العنسي والاستاذ عبده محمد باسلامة الذي كانت تعقد جلساتها في بيته،والقاضي أحمد المعلمي وغيرهم من مثقفي ورجالات إب وعلى رأسهم الشيخ الفليسوف حسن بن محمد الدعيس.

ومرت الأيام ورتبنا الاتصال بالأخوين الزبيري والنعمان في عدن. وبدأ نشاط الجمعية بنشر المنشورات ،ويضم من نثق بهم من المشائخ والتجار والمثقفين وبداء العمل يسير سيراً حسناً.

فلم تمر بضعة أشهر حتى تجاوزت ببعض الأعضاء طيبتهم فضموا الى الجمعية من لا يمكن الثقة به. فكانوا همزة وصل بين الجمعية وسيف الاسلام الحسن(حاكم إب) يبلغوه بكل التحركات والنوايا وحتى مخابئ ووثائق الجمعية وأوراقها وأسماء أعضائها. فيأمر الحسن بالقبص على من كان موجودا من الاعضاء ، ويأمر بتفتيش بيت رئيس الجمعية ،فيعثروا على نظام الجمعية وعددمن المنشورات .

في منتصف ذي القعدة 1363ھ أوائل نوفمبر يقول القاضي الإرياني:كنت في اريان وجاءتنا الاخبار بأسماء من سجنوا وكانوا معظم الاعضاء. ووصل النقيب الأعوار ومعه ثلاثين جندياً الى اريان فقررت أن أتحرك الى صنعاء قاصداً الإمام يحي الذي قد يكون غضبه أخف من غضب ابنه الذي اشعلت غضبه أحد القصائد المنشورة والتي كانت تتناوله شخصياً

وتحركنا قاصدين ذمار وقدمشينا على أقدامنا حتى وصلنا وادي الحار (منطقة تقع بين ذمار ويريم)حيث بتنا هناك في بيت أحد أهلها الكرماء الذي أكرمنا وزاد في الحفاوة بنا ولم يكن يعرفنا من نحن. ولما سألنا زعمنا له أننا من بيت العيزري من ذمار، ولكن زوجته التي كانت تعتاد أن تقضي بعض أيام الشتاء في حمام” حِوار” الطبيعي(منطقة قريب اريان مسقط رأس القاضي الإرياني) اشتبهت بنا. وكانت إخبار الانفاذ بالنقيب الاعوار والجنود قد سبقتنا الي المحل.فحدست بفكرتها الصافية أنا فارون من الجنود،فتركت زوجها حتى خرج الى القرية وجاءتنا تقول : والله إنك القاضي عبدالرحمن الإرياني ،فقال لها المرافقون :ولماذا سيأتي القاضي الإرياني هذه القرية وليست على الطريق.

فقالت : “لاتخافوا والله لاأغمص عليه بعيوني أني داريه أنه هارب من العسكر الذي جاءوا من عند أحمد”. يقول الإرياني : فتجاهل الرفاق أمر الجنود ونفوا لها ذلك ولكن بعد ساعات وصل المرافق ومعه بغلة الذي كان قد بعثناه من حوار لإيصالها فتأكدة تلك المرأة من الأمر، فزادت وزوجها من احترامنا والحفاوة بنا ،فذبحوا كبشاً لعشائنا.

وجاء زوجها يؤكد لنا أن أهل القرية لن يعرفوا غير إنا من ذمار ،وتبرع فزعم إنا مرسلون من عامل ذمار للكشف على الثمرة بصورة سريه.ممادعا أهل القرية الى أن ياتوا للسمر لدينا وليؤكد كل واحد منهم بأن غلة أرضه هذا السنة ليست على مايرام.

ويضيف القاضي الإرياني ، اعتزمنا أن نقوم مبكرين وأن لا نتظر طعام “الصبوح”الفطور،ولكن تلك المرأة الصالحة كانت أكثر تبكيراً فلم نستيقظ لأداء صلاة الفجر حتى كان الطعام حاضراً ،فتناولناه بسرعة ،وتوجهنا الى ذمار ودخلنا منها الى معبر وفيها بتنا وهناك ألقي القبض علينا.وأعادونا الئ إب حيث أودعونا في سجن خاص في نوبه تقع على الباب الكبير للمدينة تسمى”الزلومة”.

10

شراء راديو بإذن من الآمام يحي وبقلمه

يقول القاضي الإرياني في مذكراته: عيني ولي العهد أحمد عضواً في هيئة تدقيق الأحكام ،وكان قد أنشأها كفرع للاستئناف في صنعاء وكانت تصدر القرارات تحت توقيعه ،وكان أعضاء الهيئة أحمد زبارة القاضي الارياني والقاضي عبدالله اليدومي والسيد محمد الذاري والسيد زيد الموشكي ،وكنا كثيراً ما ننقض الاحكام بما عليها من قرارات الاستئناف بصنعاء ،فأثاروا غضب الإمام فأبرق الي ابنه بقوله من عين الارياني استئناف على الاستئناف. وهكذا لم يذكر غير الإرياني مع أننا الخمسة كنا نشترك في العمل وتصدر القرارات بتوقيع ولي العهد .

ويضيف القاضي الإرياني : بقيت مترددا بين تعز وإريان وهناك في تعز ،كنا قد بدأنا نطّلع على طلائع الحياة الحديثة ونتطلّع اليها. وكان السيد حسين الويسي يتردد على عدن ويعود بالكثير من الكتب والصحف . ويؤكد الارياني ،قد لا يصدق القارئ أننا لأول مرة نستمع الى الراديو، لذلك تاقت نسفي لشراء جهاز ولكن كيف لي بذلك وقد كان شراء الراديو ممنوع تحت حجة إنه يذيع أغاني يحرم استماعها ،

لذلك بعثت رساله رجاء الى الإمام يحي أطلب فيه السماح بشراء راديوا للاستماع الى الاخبار وما يذاع من برامج ثقافية وعلمية ،وجاء الحواب بقلم الإمام يحي نفسه على ظاهر رسالتي يأذن بشراء الراديو يقول(ومثلكم ممن لا يلهو بسماع الملاهي)، ليؤكد بذلك أن منع اقتناء أجهزة الراديو على المواطنين إنما باعثه خوف الفتنة عليهم بمايذاع من الإغاني المحرمة،ولما آمن علي الفتنة أذن بالشراء.

ويعلق القاضي الإرياني ،أسجل هذه الحادثة لأعطي صورة للمطلع عن العزلة التي كانت مضروبة على اليمن في عهد الإمام يحي الى حد أن المواطن يحتاج من أجل أن يقتني جهاز راديوا الى إذن خاص من الإمام وبقلمه.

11

مقدمات ثورة الدستور ودور الإخون المسلمين فيها

كان للاستاذ الزبيري والمسمري ومحي الدين العنسي معرفة بالشيخ حسن البناء رئيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر ، وكانوا يشرحوان له الأوضاع في اليمن وماتعانيه من جهل وفقر ومرض وعزلة ، فوجدوا منه إذناً صاغية ووعدهم بالمساعدة والعون .

وقال: إن هذا القطر المبارك اليمن له تاريخ مجيد في الاستجابة للاسلام ونصرته ونشره في أنحاء العالم ، وأني لأرجوا أن يعيد التاريخ نفسه فيكون هذا البلد منطلقاً لتجديد الإسلام وإعادة سيادته وتحرير أقطاره من الاستعمار.

ولعلنا ننجح في إنشاء حكومة إسلامية يجد الإخوان المسلمين فيها مناخهم الصالح لبذر بذور الدين الصحيح.ووعدهم بإرسال من يعتمده ليدرس الأوضاع ويعمل بالتعاون مع الاحرار ورجالات اليمن .

وجاء السيد الفضيل الورتلاني الجزائري أحد أحرار ومناضلي الجزائر الذي شردتهم فرنسا فاستقر بالقاهرة واتصل بالإمام حسن البناء وتأثر به . وكان هو عند أثيراً فانتدبه الي اليمن.

وحسب القاضي الإرياني كان الاحرار يعزمون تجاوز الإمامة الى انشاء مجلس سيادة أو أمامة،ولكن الثائر الجزائري الورتلاني ،وكان على جانب من العلم والعقل والحصافة وحسن التقدير للأمور.

رإى أن دائرة الثورة ضيقة الحلقات فهي لاتتجاوز مثقفي الشباب والمتنورين من رجالات اليمن،أما الجماهير اليمنية فهي على ماتعنيه من مظالم ومتاعب وماتقاسيه من جهل وفقر ومرض لا تفكر بالثورة ولاتنتظرها.ومعنى ذلك أن الثورة تفتقد القواعد الشعبية ولايعلم إلا الله ردود الفعل ستواجهها بعد قيامها.

فأقتنع المتحمسين من الشباب بان تجاوز الظروف والواقع دون رأي عام ووعي شعبي وقواعد شعبية سيكون نصيبه الفشل ، وان الطريق الصحيح للثورة هو التخلص من الإمام المستبد المنغلق المتحجر العقلية ،ونصب إمام تتوفر فيه قابلية التطور والخروج من العزلة المضروبة على اليمن. ولابد أن تكون له شعبية ووجاهة لدى القبائل التي يتوقف على ولائها مصير الثورة. ثم لابد أن يكون على جانب من العلم وأن يتحلى بالشروط المعتبرة في المذهب الزيدي.

وقدوجدوا هذه المواصفات متوفرة بالسيد عبدالله بن أحمد الوزير ،ولكن كيف يتم إقناعه بأن يتحمل هذه المسؤلية ؟وقد أخذوا يفتلون له بالذروة والغارب حسب وصف القاضي الإرياني واستعانوا بالفضيل والورتلاني الجزائري والعلامة الشهيد حسين الكبسي حتى اقتنع. وبعد الاقتناع بدأ العمل لوضع خطة للخلاص من الإمام يحي ومن ابنه أحمد بضربة واحدة.

وقد كلف لتنفيذ العملية في صنعاء الشيخ علي ناصر القردعي والشيخ محمد قائد الحسيني ورفاقهما. وكلف في تعز العقيد حمود الجائفي والنقيب حسين الشائف والشيخ محمد حسن أبو رأس والمقدم محمد بن حسن غالب.

في ربيع الأول سنة 1367ھ الموافق يناير 1948م ارتكب الاخوة في عدن تلك الغلطة التي وقى الله شرها ، وكانت حرية بأن تطبح برؤوس أو تملأ السجون بخيرة رجال اليمن .

فقد كان الاحرار في عدن ينتظرون قيام الثورة وكانوا قد اتفقوا مع من في صنعاء على اشعارهم ببرقية من التاجر الشهيد الخادم الوجيه الى وكيله في عدن بصيغة متفق عليها ولم تأتي هذه البرقية. وإنما جاء ت برقية من وكيل بريطانيا التجاري في الحديدة عن تواطئ بينه وبين أمير الحديدة القاضي حسين الحلالي بتكليف من ولي العهد أحمد . لتقول أن الإمام يحي مات ميته مشبوهة وبموحبها أرسل ولي عدن مندوباُ الى الأمير ابراهيم يعزيه بوفاة أبيه. وقبل أن يتثبت الاحرار وينتظروا وصول البرقية المتفق عليها ، فتسرعوا بنشر الميثق المقدس ،وفيه أسماء كل العاملين في الحقل الوطني ودعاة الاصلاح ،وفيه تشكيل الحكومة ومجلس الشورى وإعلان السيد عبدالله بن أحمد الوزير إماماً دستورياً جديداً. وقالوا ان هذا التغيير قد جاء نتيجة لوفاة الإمام يحي ،وتوقع الجميع أن تقوم الحكومة باجراءات أقلها اعتقال من جاءت أسماءهم في الميثاق.وبدأ الإعداد لذلك فاعتزم ولي العهد أحمد الانتقال الى صنعاء وإخد يعد العدة لذلك.. وحاول السيد عبدالله الوزير أن يبرئ نفسه وينفي علمه ،فأصدر بياناً يتهجم فيه على من في عدن ويتهمهم بأنهم ارادوا بنشر الميثاق اغراء الإمام يحي برجال دولته المخلصين، وتظاهر الإمام يحي بالاقتناع،وبقي الجميع يعيشون حالة من القلق بانتظار وصول السيف أحمد من تعز.

12

القردعي يأجل الثورة أسبوع للحصول على فتوى… والامام الوزير يقتحم قصر غمدان رغم التحصينات…. وجمال جميل يقضي على مقاومة أولاد الامام يحي

ثورة الدستور

كان نشر نشر الميثاق في عدن قد دفع الذين بأيديهم أزمة أمور تنفيذ الثورة بدافع الخوف الى سرعة التنفيذ حين رأوا أنفسهم في سباق مع الإمام يحي والإشاعات تشيع كل يوم وصول ولي العهد الى صنعاء.

وحدد يوم الأربعاء غرة ربيع الأول سنة 1367ھ للتنفيذ ، ولكن القردعي تردد في جواز قتل الإمام يحي وطلب فتوى من العلماء تبرر القتل يلقى به ربه ،فأعطاه عبدالله الوزير الوثيقة بالمبرات وأجلت العملية الى يوم الثلاثاء من الاسبوع التالي.

وأشرق صباح الثلاثاء 7ربيع الاول سنة 1367ھ الموافق 17 فبراير سنة 1948م ،وكانت قد أعدت العدة ووزعت المهام والمسؤوليات بين رجال الثورة..

وخرج الإمام يحي صباح الثلاثاء ومعه القاضي عبدالله العمري وقد اتجها الي زيارة بعض المزارع التي تخص الإمام في المنطقة الجنوبية لصنعاء سواد حزيز. وخرج القردعي ورجاله الى سواد حزيز على بعد عشرة كيلوا مترات وفي مضيق هناك وقفوا يترقبوا عودة الإمام ، بعد أن وضعوا على الطريق أحجاراً تضطر سيارة الإمام الي الوقوف عندها. وما إن وقفت السيارة أمام الحواجز حتى أصلوها وابلاً من الرصاص ، فصرع الإمام مع العمري وكل من في السيارة. وعاد القردعي ومن معه الى صنعاء بعد أن تأكد من نقتل الإمام .

وذهبوا تواً الي عبدالله بن علي الوزير ،الذي كان له دور في تجميعهم ولم يبلغوا الإمام عبدالله بن أحمد الوزير ، فوصل نباء مقتل الإمام الي سيف الاسلام الحسين قبل أن يصل الي جمال جميل وعبدالله الوزير . فاسرع الي دائرة البرق وأرسل برقية الي ولي العهد أحمد يُعلمه بما حدث.

وكان هذا ماينتظره …وربمايريده!!! ولهذا ظل يسوف فيما كان قد وعد به من الوصول الى صنعاء برغم إلحاح أبيه في طلبه. ولقد وصل الخبر اليه في تعز قبل أن يصل الى جمال جميل وعبدالله الوزير في صنعاء ،فدبر نفسه وغادر تعز في غفلة من الموكلين به من الاحرار ، وقدوصلهم نباء تحركاته ،ولكنه لم يكن قد بلغهم نباء ماحدث في صنعاء، فقدروا أن تحركه استجابة لطلب أبيه الإمام وبذلك أفلت من الفخ الذي نصب له . وفي صنعاء غادر الحسين بعدما تم له مايريد من إبلاغ أخيه أحمد الى قصر دار السعادة ودار الشكر ليطمن النساءوالاطفال وجمع أخوانه وأمر بإغلاق صنعاء ولم ينتبه الى احتلال قصر غمدان والثكنان العسكرية ،بل اكتفى بتحصين دار الشكر ودار السعادة.

وبلغ السيد عبدالله الوزير الخبر بعد مرور أكثر من أربع ساعات من بلوغه الى الحسن ،فأسرع ومعه ابن عمه محمد بن علي الوزير وحارسه الخاص عزيز يعني إلي قصر غمدان واستولى عليه.

وكان القصر محصناً وفيه قوة كبيرة من رجال الأهنوم المخلصين الولاء للإمام يحي ولديهم من الاسلحة والمدافع ما كان يمكنهم من وأد الثورة في يومها الأول . وكانوا أرادوا منع الوزير من الدخول ولكنه وقف موقفاً بطولياً فجذب اليه رئيسهم وهزه هزات استسلم بعدها ومن معه وفتحوا أبواب القصر للإمام الجديد عبدالله الوزير ومن معه وجاء أعوان أعوان الحسين متأخرين يريدون الاستلاء على غمدان فأعيدوا على أعقابهم وبعد استيلاء الإمام الوزير على قصر غمدان تفرغ الرئيس جمال جميل لتصفية الحساب مع سيف الاسلام الحسين فاجتمع مع الضباط العمري والسلال والشراعي والمروني وعنبه وحزام المسوري،فكلف حسن العمري باحتلال الأذاعة واتجه جمال ومعه السلال وغيرهم الى دار السعادة ،فضرب عليهما وعلى من فيهم من أولاد الإمام يحي نطاقاً محكماً. وبدلاً من أن يضرب الحسين الحاضرين له من وراء أسوار القصر،خرج بنفسه الى باب القصر واسندعى جمال جميل بحجة التفاهم معه وكان ينوي الكيد له بالقبض عليه وقتله ،ولكن الرجل العسكري أجاب عليه أنه لا مجال للتفاهم وأن عليه أن يتجه الي المجلس المنعقد بقر غمدان برئاسة الوزير الذي بويع إماماً وهناك في وسعه أن يقول كل مايريد أن يقول . فغضب الحسين غضباً أفقده صواب الحكمة التي كانت تقتضي منه بأن يعود الي القصر ويغلق الابواب ثم من وراء الاسوار يأمر بضرب النار ،ولكنه أمر بذلك وهو خارج القصر. فسبقه الرئيس جمال جميل بقوله “اقداح” فأطلقت الرصاص من عدة جوانب فصرع الحسين والمحسن وقدرت لأخيهما يحي النجاة فأرتمى معهما متظاهراً بانه قد أصيب ثم تسلل بين صيحات الهرج والمرج قاصداً قصر غمدان فقبض عليه وسيق الى السجن وهكذا انتهت المقاومة في صنعاء الي حين.

وقد استقرت الاحوال بعد ذلك الاحوال بصنعاء وبُويع الإمام عبدالله الوزير إماماً دستورياً وتلقب بالداعي ثم بالهادي ،وكانت البيعة في صنعاء محل اجماع ،بل جاءت البرقية من سيف الاسلام الحسن من محل أقامته في قفلة عذر مبايعة للوزير ومخاطبة له بلقب أمير المؤمنين.

13

الامام أحمد يتوعد إمام ثورة الدستور بأنصار الله …والامام الوزير يصف الاحرار بالملحدين ويتوعد باراحت اليمن منهم

سقوط ثورة الدستور

لم تطل الفرحة في صنعاء بما ترأى من الاستقرار والاجماع ، فقد جاءت برقية من تعز تقول أن ولي العهد أحمد قد أفلت من قبضة مراقبيه وأنه توجه نحو الحديدة. وجاءت برقية من أمير ريمة يحي بن محمد العباس يهاجم الوزير ويسأله عن مصير الإمام ، وكيف كان موته ويعلن مقاومته وعصيانه. وقد كان ذلك باعثاً على عقد اجتماع رأسه الإمام الوزير نفسه لدراسة مايجب اتخذه ،وجاء الرأي من الإمام الوزير نفسه. فقد قرر أن ينهض هو شخصياً على رأس جيش مدعم بالمدفعية لمطاردة ولى العهد أحمد في تهامة حتى يضطر الي الاستسلام أو الفرار الي السعودية. وقوبل القرار من المجتمعين بالموافقة والتقدير الكبير وأعدت القو اللازمة لذلك ولوتمت الخطوة لأمكن أن تتغير مجرى الاحداث .

ولكن الوزير عاد فتراخى وأخلد الى الاطمئنان الذي اعطاه الاستقرار في صنعاء وبعض المناطق والسيل من البرقيات التي جاءته مهنئة ومبايعة ومعترفة من الداخل والخارج.

وقد جاء عدد من قادة الاحرار في الخارج وجاء عدد من الاشياع والمحسوبين واغرقوا الإمام الوزير بمطالبهم المتنوعة بين طالب عمل وطالب إصلاح ، وكانت مطالب بعضهم مقرونة بشيئ من الإلزام بدالة لم تكن مستحسنة في تلك الظروف التي كان مصير الثورة فيها في مهب الريح. مماحمل الإمام الوزير علي أن يقول قولته التي رواها عنه رئيس حرسه عزيز يعني للاحرار في سجن نافع، قال إنه جرى اختلاف بين الوزير والمطاع وأصر الإمام على رأيه واحتد المطاع مذكراً الوزير بان هناك ميثاقاً مقدس يجب أن يحترمه الحميع ولن نسمح بعودة الفردية والاستبداد الى سابق عهدها. وتدخل عزيز يعني ولّطف الموقف وخرج المطاع محنقاً ،وأخذ رئيس الحرس لمحاولة إقناع الإمام برأي المطاع لانه يتفق مع نصوص الميثاق المقدس، فرد الوزير محتداً : ماشي ياعزيز إنهم يريدون أن يجعلوني لعبة في أيديهم دع الأمور تستقر وسترى أنه سيكون لي ولهؤلاء الملحدين يوم أصفيهم فيه وأريح اليمن من أفكارهم الملحدة ويعلق القاضي الإرياني بأن الوزير كان يضمر بالاحرار شراً كما كانوا أيضاً يرون في مبايعته إماماً دستورياً خطوة الى مايريدون .

يوم الثلاثاء يوم مقتل الإمام يحي ، بعث ولي العهد أحمد برقية الى الإمام الوزير يحثه فيها على حفظ الأمن وضبط الأمور في صنعاء وأنه في طريقه اليه . ولكن برقية من الإمام الوزير جائته تقول من أمير المؤمنين الداعي عبدالله الوزير الى الاخ سيف الاسلام أحمد حفطه الله نعزيكم بوفاة والدكم الإمام يحي رحمة وعلى أثر وفاته أجمع ذوو الحل والعقد على اختيارنا للإمامة وتكليفنا بالقيام بها فلم يسعنا نظراً للموقف إلا الاجابة مكلفين غير مختارين ،فليكن منكم الدخول فيما دخل فيه الناس ولكم لدينا المكانه والاحترام والسلام.

وجاءت البرقية الى أحمد وهو في قلعة باجل فاعلان نفسه إمام وتكنى بالمؤيد بالله الناصر ،وأجاب على الوزير بالتالي: من أمير المؤمنين المؤيد بالله الناصر أحمد بن أمير المؤمنين يحي بن أمير المؤمنين المنصور بالله بن رسوالله. الى الناكث الغادر الذليل الحقير عبد الله الوزير لقد ركبت مركباً عن طريق الغدر والخيانة ،وأنك ستسقط في الهاوية في القريب العاجل ذليلاً حقيراً، وأني زاخف اليك بأنصار الله الذي سترى نفسك تحت ضرباتهم مغفراً فريداً ولايحيق المكر السيئ إلا بأهله. في نهار الجمعة 10ربيع الاول سنة 1367ھ20فبراير 1948م وصل أحمد الى حجة وبعث. بقواته وأرسل رسائل الى المشائخ وأعيان القبائل معزياً بالإمام وناعياً الاسلام ومحفزاً للأخذ بالثأر.

وبعث رسالة الى الملك عبدالعزيز معلماً بالحادث ومنذراً بأن الحركة لايقتصر خطرها على اليمن فحسب بل سوف تمتد الى مملكته.

وطلب منه أن يتناسئ مابينهم من خلاف وأنه سيكون له ابناً مطيعاً إذا قبل إن يكون له أباً عطوفاً. وطلب منه النحدة وأرسل الرسالة بواسطة الامير السديري أمير جيزان فبعثها هذا برقياً وجاء الجواب بالأمر الى أمير جيزان بنحدة أحمد بما يطلب منه ومايتوفر لديه.ووعده بأنه منجده ومؤازره الى أخر نفس وأخر ريال وما عليه إلا أن يخوض المعركة في استبسال. وأنهالت القبائل الى حجة تعلن مناصرتها لأحمد وعزمها على الأخذ بثأر الإمام يحي. هذا والإمام الوزير ومعه الأحرارفي صنعاء يشتغلون باستقبال الوافدين من الخارج ،معتمدين على ماأبداه الشعب ببرقياته ورسائله من تأييد وولاء.

مستندين ما للإمام الوزير من مركز ديني في نفوس القبائل بينما كان ولي العهد أحمد يفتقد هذا المركز ،ولكنه كان يملك الرهبة على حد تعبير الشاعر ابراهيم الحضراني رهيباً جريئاً على سفك الدماء ،فصدق فيه وفيهم قول الحضراني : فعش في نفوسهم رهبة. لكيما تكون لهم سيدا وقددضم أحمد الى هذه الرهبة البراعة في استغلال مقتل أبيه وإثارة العاطفة الدينية في نفوس القبائل الشمالية فثارت ضد الوزير وثورته ،حتى أولئك القبائل الذين وصلوا الى صنعاء وبايعوا الوزير وأعطوه المواثيق ،وأعطاهم السلاح والمال كانوا في طليعة المهاجمين لصنعاء. ولقد أهمل الوزير ورجال حكومته الاستعداد للحرب حتى جاءت الأنباء بتحركات أحمد في حجة وعلي بن حمود في الطويلة وكوكبان وأنشغل الاحرار في صنعاء بعقد الجلسات والقاء الخطب ،وكان هناك مجموعة من الإخوان المسلمين الذين لا يعرفون شياء عن اليمن وفيهم الخطيب عبدالحكيم عابدين الذين ظنوا أن خطبة يلقيها أحدهم في الجماهير كفيلة بالنصر للثورة.

وقد تقرر بعد أن بدأ طوق الحصار يطبق على صنعاء أن يلجأوا الى الجامعة العربية لتساعدهم بصد الهجوم. أو على الاقل بإنقاذهم من الوقوع في قبضة أحمد ، فجاء وفد من الجامعة العربية على باخرة الى جدة واستقدمه عبدالعزيز ال سعود الى الرياض للتشاور ،وجاءت برقية من أحمد الى الملك السعودي ، يرجوه فيها إحباط سفر وفد الجامعة لمدة ثلاثة أيام وهو كفيل بأن ينقض فيها على صنعاء وينهي الثورة والثوار.

فحقق عبد العزيز رجاء أحمد فأخد يماطل الوفد حتى اضطرت حكومة الثورة الى إيفاد وفد من الفضيل الورتلاني والزبيري وعبدالله بن علي الوزير الى الرياض ، وقد جهدوا جهدهم في أن يقنعوا الملك عبدالعزيز بافساح المجال لوفد الجامعة ليواصل سيره الى اليمن ولكنه ظل يسوف ويماطل . وذكره السيد عبدالله علي الوزير بمابينه وبين أبيه وابن عمه عبدالله بن أحمد الوزير من العهود والمواثيق على نصرتهم ضد أحمد ،وقال له اذا كان وقد بدا لكم مايدفعكم الى التخلي على نصرتهم ضد أحمد فعليكم أن تقفوا موقف الحياد غير مناصرين لأحمد ، فرد بلغته النجدية “ما اتفقنا على قتل الشيبه”.

وتضايقت حلقات الحصار على صنعاء ومن فيها ،ولكن الإمام الوزير ومن معه كانوا يعتقدوان أن في وسعهم الصمود في قصر غمداً أياماً ولم يكن يخطر ببالهم أن قصر غمدان ومن فيه هم أول من يسلم ويستسلم.

فقد استطاع أولاد الإمام يحي المسجونين في القصر بدون رقابة عليهم ولا حيلولة بينهم وبين التحرك والمراسلة والتأمر واستمالة كل من في القصر من الجنود ما عدا محسن هارون الحارثي الذي رفض الانصياع للترغيب والترهيب وأبى الخيانة والغدر ،وقد استشهد فيمن استشهدوا في حجة نتيجة وفائه.

في الساعة الثانية من غروب الجمعة 3جماد الاول 1367ھ 13مارس1948م وجهت المدافع الى قصر غمدان الذي ينزله الإمام الوزير وأخذ الجنود يطلقون النار الى نوافذ القصر وينادون الإمام الوزير للاستسلام،فاستسلم ومن معه بدون قيد ولا شرط، فساقهم عددمن الجنود الذين لايؤبه لهم ولايهتم لهم الى سيف الإسلام يحي بن الإمام يحي السجين في القصر فأمر بهم فزجوا في السجن وحّملوا القيواد وأشعلت النيران من القصر إشعاراً بالنصر. فتحاوبت معها كل الآسر الصنعانية الموالية للإمام أحمد فاشتعلت النيران وخرج القاسم بن الإمام الى الاذاعة ليعلن فشل الثورة.

14

رحلة السجن وابن بعدان الذي نسي الإرياني اسمه ولم ينس لقبه وموقفه

وجاءت ليلة السبت 3جماد الأول سنة 1367ھ -13مارس 1948م تلك الليلة المشؤمة التي سقطت فيها صنعاء وقبض على الإمام عبدالله الوزير ومن معه من الأحرار وأعلن ذلك سيف الاسلام القاسم بن يحي من أذاعة صنعاء، أمراً الجيش والمواطنين بالقبض على من سماهم الدستوريين المجرمين قتلة الإمام يحي.

ويشرح القاضي عبدالرحمن الإرياني ذلك الحال قائلاً سمعت الأذاعة أنا والاخ أحمد المعلمي وسقط في أيدينا ،ولقدكان في وسعنا أن نفر تلك الساعة من سمعنا للخبر لان الراديو الذي أستمعنا اليه هو الوحيد في مدينة إب ولكنا رأينا إن الفرار خيانة واذا سقطت صنعاء فقد يكون في وسعنا إن نصمد في إب وتعز ولو الى حين. وكان الإمام أحمد قد أرسل رسلة الى إب لقبضوا على كل من فيهاوكان القاضي الإرياني على رأس المطلوبين.

وبعد أن وصل الإمام الوزير ومن معه من علية القوم والاحرار الى حجة وأودعوا السجن ، غادر الإمام أحمد حجة ..وتجاوزها الى القاعدة ومن هناك طلب وصول من في إب من الاحرار الى مدينة القاعدة. ويصف الإرياني رحلتهم من إب الذي تخللها الكثير من المشاهد والدروس والعبر.. قائلاً:

خرجنا من إب بعد الظهر ونحن ثلاثة وثلاثون شخصاً هم كل من رأوا ايصالهم الي الإمام ، خرجنا من إب متجهين الي مدينة القاعدة والناس على جانبي الطريق يدعون لنا بحسن المخرج والنساء يبكين ويندبن بأصوات مرتفعة بينما الخارجون من صنعاء وعلى رأسهم الإمام الوزير وكثيرون من رجالات اليمن قد خرجوا بين لعنات المواطنين ورميهم بالتراب والقاذورات ،وبهذا يمكنك أن تقارن بين مشاعر هنا وهناك ، وأين تكمن الروح الحضارية والانسانية ورقة الأفئدة والايمان اليماني حسب القاضي الإرياني.

يقول : واصلنا سيرنا مشياً على الاقدام ،والاغلال تثقل كواهلنا حتى وصلنا السياني الساعة التاسعة مساء ولم يجدوا لنا منزل ينزلونا فيه فساقونا الى جامع البلدة ، وقد أخذ منا التعب كل مأخذ فأرتمينا على الحصير كأننا على فراش وثير ،

ويسجل القاضي موقف أنساني لأحد أبناء إب يقول : لن أنسى وأنا في شبه غيبوبة من شدة التعب لم أشعر إلا وشخص يغمز رجلي وركبتي ليخفف مما أجده دون أن اطلب منه ذلك أو حتى يستأذن مني وأنتبهت وأردت أن أمنعه ولكنه أصر على أن يؤدي هذه المهمة التي كنت أحوج ما أكون اليها . سألته عن اسمه فقال فلان خشافة من بعدان، ويؤسفني أن لايكون اسمه حاضراً في ذهني لأسجله ،وقد شكرته بعد ذلك وأردت أن أعطيه قلماً كان معي فرفض وقلت له أنهم سيؤخده مني فخذه أنت فاصر على الرفض.

وفي الصباح جاء الناس لأداء صلاة الصبح وفوجئوا بناء هناك وكانت معالم الحزن والتأثر بادية على وجوههم .أما الحاج عبده ،وهو مقهوي ينزل المسافرون في بيته ،فقد أنفجر باكياً بصوت مسموع حين رآنا في تلك الحالة والأغلال على أعناقنا تربط بعضنا ببعض ، فزجره أحدى الجنود. وقمنا للصلاة وكان المشكل الذي لاحل له هوعند ذهابنا الى دورة المياه فقد تعذر علينا قضاء الحاجة الإبصورة جماعية،وكنا قد التقينا في محل الوضوء بأناس من حجور ،وهم من غلاة المتشيعين المتعصبين ،جاءوا كجيش لتصفية من بقي في العدين متمرداً فلما رأونا والاغلال علئ أعناقنا عرفوا أنّا من “الدستوريين “وهذا هو الاسم الذي إطلق على الوزير ومن عمل معه.

وما رأونا حتى هبوا يريدون الاعتداء علينا فمنعنم الجنود الذي معنا فأوسعونا سباً وشتماً لأنا قتلنا (أمام)أي الإمام. وبعد أن أخذ الجنود قسطهم من الراحة والطعام ولم يأتونا بطعام الصبوح ،كما أننا لم نتناول طعام العشاء ولم يفكروا أننا مثلهم بشر نحتاج الى طعام .

ساقونا مشياً على الاقدام نحوالقاعدة حيث الإمام أحمد الذي كان يقيم في دائرة البرق ،وقد صفونا أمام ذلك الدار والأغلال في أعناقنا ، وأطل الإمام من النافذة وجاء القاضي أحمد الحضراني ليأخذ لنا صورة،وتركونا في الشمس حولي ساعتين وقد جفت حلوقنا من العطش بعد المشي الطويل والتعرض للشمس الحارة وطلبنا الماء فمنع منا وأستغثنا فلم نُغث، سمع طفل من أطفال إب الذي جاء مع الركب فذهب وجاء بكوز فيه ماء وفي غفلة من الجنود مدبه الي فشربة ولم يدعني الجندي استكمال حاجتي من الماء ومديده ليأخذه مني ولكني تمسكت به وأردت إعطاءه لمن بجانبي من الاخوة.

ولكن الجندي الجلف رام أخذه بشدة فرميت به الى الارض والإمام ينظر من النافذة فتعطف وأذن بأن نُعطى شيئاً من الماء وأن نحمل علئ سيارة شحن.وصعدنا الى السيارة بمشقة ورموا بنا في السيارة وكانت كقطعة من النار لتعرضها للشمس طويلاً،ومعنا عدد من الجنود الذي كانوا يهزجون علئ طول الطريق قائلين (لعنة الله على الدستور وأصحابه ،وعلئ زمرة الداعي واحزابه).

ومررنا من تعز ولم نرى من الناس إلاوجماً إو مشفقاً حتى وصلنا باب دار الضيافة وهناك استلمنا النقيب علي بن علي الجائفي أحد رئيسي الحرس الملكي. وقد أمر منذ وصولنا بتكبيلنا بالقيود ضماً الى الاغلال التي علينا .فقلنا له أن هذا غير معقول ولامعهود أن يبقى السجناء وهم داخل السجن مقيدون وعليم الاغلال ،فقال إنه يعرف ذلك ولكنه يحتاج الى أمر من الإمام ولما الححت عليه قال مؤنباً : نعم ياقاضي عبد الرحمن صدقتم الدستوريين والاحزاب ونسيتم حاشد وبكيل وهم الذين يقيمون الدول ويسقطونها في اليمن فقلنا للنقيب لبس الآن وقت العتاب ولكنه وقت المروءة والشهامة والشهامة وشيمتك لا ترضى بأن نحمل القيود في أرجلنا والسرات في أعناقنا فخجل الرجل وأعتذر بأن الامر ليس في يده ولكنه سيبرق للآمام وقد أسرع وأبرق للإمام فجاء الرد مساء بالامر بفك الاغلال وبقاء القيود، وبعد أن استرحنا من الأغلال وهدأ بالنا بعض الشيئ ، جاء الإمام أحمد من القاعدة وجاءتنا أخبار إعدام الوزير وبعض بني الوزير والشهيد زيد الموشكي فأزعجنا ذلك أيما أزعاج . وقلنا إن الذي يقدم على قتل هؤلاء لا يتورع عن قتلنا جميعاً. ولم يطل بنا الانتظار فقد جاء ليلة الجمعة وفيها ايقضنا الرسم أنا والاخ المعلمي من النوم وأمرنا بأن نحرر مالنا من وصية فقد أمر الإمام بإعدامنا بعد صلاة الجمعة.

وقد أسرعنا الى كتابة الوصية وكلنا مستسلم وراض بقدره وغير متهيب ولا حزين ، لكنزالإخوة الذين كانوا منعا قد أفزعهم الأمر ولم يذوقوا طعم النوم ،وفي اليوم التالي جاء الرسم يقول اذا كنت تريدون الاغتسال فقد جهزنا لكم الماء لتستعدوا للإعدام وقمنا فاغتسلنا وتوضأنا وصلينا ركعتين وانتظرنا النداء بأسمائنا ، وكانت العادة أن الاعدامات تتم بعد الخروج من صلاة الجمعة.

ولكنه مضى الوقت المحدد ولم ينادي أحد بأسمائنا فقلنا في أنفسنا لعل الإمام قد أثاب الى رشده وأستشعر حرمة دم المسلم ،ولكن الرسم إنذرنا أن الأمر تأجل الي الجمعة المقبلة،لقد أرادوا أن نعيش التوقع والقلق ،وفي الجمعة التالية طلبوا منا الاستعداد واستعدينا.

ومرت الأيام وأهل علينا شعبان وهو الشهر الرابع الذي يهل علينا ونحن في السجن بتعز وجاء الجائفي بالسفر لنأخذ أهبتا له ،وقبل المغرب جاءونا بالسرات ،فرجوناهم أن يفكوا عنا القيود اذا ليس من المعقول أن نقوى على السفر ونحن مكبلون بالقيود بأرجلنا ومغلولون بالأغلال بأعناقنا فرف

15

الانتقال الى سجون الموت في حجة…. الجائفي يحاول الانتحار والإرياني يتمنى أن تهوي بهم السيارة من رأس الجبل

ومرت الأيام وأهل علينا شعبان وهو الشهر الرابع الذي يهل علينا ونحن في السجن بتعز وجاء الجائفي بالسفر لنأخذ أهبتنا له ،وقبل المغرب جاءونا بالسرات ،فرجوناهم أن يفكوا عنا القيود اذا ليس من المعقول أن نقوى على السفر ونحن مكبلون بالقيود بأرجلنا ومغلولون بالأغلال بأعناقنا فرفضوا.

يقول القاضي الإرياني غادرنا تعز ، وكان معنا أحمد حسين المروني والمقدم محمد حسن غالب وكذلك المقدم حمود الجائفي إلا أنه لا يتكلم وقد أراد أن يعبر عن يأسه بطريقة أخرى وذلك عند وصولنا الحديدة طلب من أحد عارفيه من الجنود موساً لسيتن به على حد قوله ،ولكن أحد الاخوة كان قد سمعه يبدي عزيمته على الانتحار .

وجاءوا الى لابلاغي الخبر وقمت إليه أنا وزملائي فقلت له ماذا بلغنا عنك ، فقال لاشيئ مادمنا نسير الي الموت فلنخلص إذا من هذا الإذلال والتعب اللذان نقاسيهما من السفر ومن هؤلاء الجنود..فقلت له ياأخي إن الانتحار يعبر عن أقصى درجات الجبن .

لماذا تنتحر فتخسر الدنياوالاخرة وتكون قاتلاً دعهم يقتلوك لتكون شهيداً من شهداء الوطن،واذا خسرت الدنيا فقد ربحت الآخرة. ومازلت به أُذكره وأنصحه ولم أدعه حتى أستحلفته بالله أن لا يفعل وقد كان يذكر لي ذلك بعد أن نجا من الإعدام وخرج من السجن وتقلبت به المناصب حتى جاءت الثورة فرأت له حقه وعمل في عدة مناصب سفيراً في القاهرة ورئيساً للوزراء .

يقول الإرياني :واصلنا السير من الحديدة الى حجة ،وصعدت بنا السيارة على جهد كبير في طريق شقت في تلك الجبال الشامخة التي لا يتصور المرء أن من الممكن أن تسير عليها سيارة ،وكم كنت أتمنى مما قاسيناه من التعب أن تهوي بنا السيارة من إحدى الشوامخ لنستريح ممانحن فيه، ووصلنا حجة وأستقبلنا أهلها بالسب والشتم وكان سجن حجةالرهيب ،نافع ،أرحم بنا مماقاسيناه من حمل الأغلال والقيود والطريق المتعبة. وكان الحنود يوسعوننا تأنيباً وسخرية وسباً .ودخلنا نافع وأستقبلنا الحاشدي مدير السجن وناصر على جرامة أحد الرسم المشهود لهم بالقسوة والغلظة . وقال الحاشدي :وأنت معاهم يا إرياني الله المستعان ،ثم وجه خطابه الى ناصر جرامة قائلاً ابدأ به تخير له السك الكبير. وجاء بالسك وهو عبارة عن حلقتين توضعان في الرجلين بينهما عمود موصول يتعذر معه الجمع بين الرجلين ويصعب معه المشي جداً.

وقد حملوني الى الزنزانه التي أعدت لي حملاً لعدم قدتي على المشي ،وكان قد سبقنا الي هذا المكان وزير المالية في حكومة الثورة الشيخ الخادم غالب الوجيه الذي كان من كبار التجار الذين أسهموا بأموالهم في مساعدة حركة الاحرار في عدن ،وقد استقبلنا أحسن استقبال خفف الكثير من متاعبنا ووزع علينا ماكان لديه من الفراش ،بعد ان كنا ننام على التراب ،وأطعمنا وأسقانا وأمدنا بدفعة ممايتمتع به من صبر وتحمل ورضي وتسليم.

16

صدمة الوصول الى سجون حجة ….وبدأ مسلسل الاعدامات …ونهب بيوت الأُسرة في إريان.

كان وصولنا صدمة عنيفة لكل من في سجن نافع والقاهرة ،لأنهم كانوا قد سمعوا عن إطلاقنا في تعز ،فقد كانوا يعيشوا على الأمل الذي أثبت لهم وصولنا أنه أمل خائب وتفاؤل متسرع.وقد وصف الشاعر ابراهيم الحضراني اليأس الذي قضى على الأمل بقصيدة مطلعها: الآن آن لمقلتي أن تدمعا. ولقلبي المحزون أن يتصدعا وحين رأي ناصر جرامة وهو يدق السك على أقدام القاضي الإرياني أشار الي ذلك بقوله: ويجر رجلاً لويقاس نعالها. بجبين سيده لكانت أرفعا

ويضيف القاضي الإرياني لم ننعم بمرافقة الشهيد الخادم غالب الوجيه كثيراً فقد جاء أمر بنقله سجن القاهرة ،وأعتبرنا ذلك رفقاً به وعطفاً عليه . ولكنه لم يمض يومان حتى صعقنا لخبر يقول أنه قد أنزل مع الأمير علي بن عبدالله الوزير الى ساحة الإعدام لإعدامهما. ولم نصدق ولكنا سمعنا صوت الموسيقى وهي تنشد السلام الملكي وكانت لا تفعل ذلك إلا في أعقاب الإعدام.

وجاء المقاطيع وهم أهل الجرائم من قتلة ولصوص وغيرهم وكانوا مسجونين معنا في مكان واحد ،ولكنه مسموح لهم بالخروج ليأتوا بالماء من الزعبلي ، ليؤكدوا لنا الخبر ،ويقولوا أنهم رأوا باعينهم إعدام الخادم غالب الوحيه والأمير على الوزير. وقد أعدمهم واحد من هؤلاء المقاطيع المجرمين ويدعى علي عياش. وجاء علي عياش وقلنا له كيف أعدمتهم يا علي وهم الذين قاموا بما قاموا من أجلك ومن أجل أمثالك ، فقال سامحوني يا أسيادي لقد أعطوني عشرين ريالات على كل رأس ،وأنا محتاج كما تعلمون. وأنا مستعد أن أعدم كل من يطلبون مني إعدامه إذا أعطوني عشرة ريالات على كل رأس.

يقول الإرياني وصدمنا صدمت كبيرة للحادث وعرفنا أن الشوط بطيئ وأن الجميع مرشح للإعدام،ذلك أن الإمام أحمد بعد أن اطمأن أن أعداءه قد أصبحوا في قبضته ،بدأ مجزرة الإعدمات بإعدام الإمام عبدالله الوزير والسيد زيد الموشكي في القاهرة بحجة، تم توالت الإعدامات في أوقات متفرقة في ساحة الإعدام بحجة فأعدام الامير علي الوزير ومحمد بن محمد الوزير ومحمد بن علي الوزير والنقباء محمد حسن أبوراس وعبدالله بن حسن أبو راس وحسين بن صالح الشايف والشيخ محسن هارون وعزيز يعني والخادم غالب الوجيه والاستاذ صالح المسمري والسيد أحمد المطاع والسيد حسين الكبسي والاستاذ محي الدين العنسي الذي أنشد وهو يواجه الموت في ساحة الإعدام: كم تغربت في سبيل بلادي. وتعرضت للحمام مرارا وأنا اليوم في سبيل بلادي. أبذل الروح راضيا مختارا كما أُعدم الاستاذ أحمد حسن الحورش وأحمد البراق والشيخ عبدالوهاب نعمان وأحمد ناصر القردعي .كما أُعدم في صنعاء وتعز علي سنهوب وعلي ومحسن هارون ومحمد ريحان ومحمد قائد الحسيني وحسين الحسيني وعلي العتمي وجمال جميل ومحمد سري شايع والعنجبة .

يقول الارياني ، ولم يطل بنا الانتظار فقد جاءت ليلة الجمعة وفيها ايقضنا الرسم أنا والاخ المعلمي وأمرونا بأن نحرر مالنا من وصية فقد أمر الإمام بإعدامنا بعد صلاة الجمعة ،وأسرعنا الي كتابة الوصية وكلنا مستسلم وراضي بقدره وغير متهيب ولا حزين ، ولكن الاخوة الذي كانوا معنا قد أفزعهم الامر ولم يذوقوا طعم النوم ،وفي اليوم التالي جاء الرسم يقول اذا كنتم تريدون الاغتسال فقد جهزنا لكم الماء لتستعدوا للاعدام ،وقمنا فاغتسلنا وتوضأنا وصلينا وانتظرنا النداء بأسمائنا ولكنه مضي الوقت ولم ينادي أحد ،فقلنا لعل الامام ثاب الى رشده ،واستشعر حرمة الدم المسلم،ولكن الرسم أنذرونا ان الامر تأجل الي الاسبوع القادم .

وفي الجمعة التالية طلبوا الاستعداد واستعدينا ،وفي دورة المياه تمكنت من تحرير سالة الي إخوتي أوصيهم بأولادي خيراً وأوسيهم بأني لست الوحيد في هذا السبيل بل سبقني قوافل الشهداء ابتداءً بالامام الحسين ،وقلت أنا على ثقة ان الله سينزلنا منازل الشهداء ويعد للامام أحمد دركات القتلة، وقد استطعنا ان نسرب تلك الرسالة التي وصلت الي أخوي عبدالله ومحمد فأزعجتهما أيما ازعاج وقاموا بالسفر الى تعز لمراجعة الامام أحمد واسترحامه ،وقد قابلاه واستأذنا بزيارتي فأذن لهما.

وجاء الاخ عبدالله والولد محمد يحي علي الارياني ،وقد هالني منظرهما،ولا سيما الاخ عبدالله ،فكان الهم قد رسم على وجهه أخاديد لا عهد لي بها ، وقد أخبرني فيما أخبرني أن جيش بقيادة الشيخ العُمَري قد وصل الي إريان ونهب كل ما وقعت يده عليه في حصن ريمان وفي بيوت هجرة إريان وقبض على الاعيان وساقهم الي يريم حيث أطلق سراحم عاملها أبو طالب.

وكانت أيدي الناهبين قد أمتدت الى المكتبة التي خلفها الوالد وفيهامن الكتب القيمة مالايوجد في غيرها ،جاء رئيس الرسم يقول كفاية يا قاضي ، فافترقتا وكانت الاخبا قد ملأت قلبي هماًوحزناً فأخبار الاعدامات والنهب وماتبعه من أضرار نالت أسرتي وغيرهم من أهل المحل بسببي قد أثقلني حزنا ولكن ليس أمامنا إلا التسليم.

ولذلك يقول القاضي الإرياني ،مرت الأعوام الأولى على الاحرار في السجن وكلهم ينتظر أن يدعوا للإعدام ويمثل حال كل واحد منهم قول الشابي: يمشي على صدري الزمان. ويزحف الكون الكبير ومرت بنا الأيام وجاء يوم سابع من ربيع سنة1368ھ 5نوفمبر 1949م ويصادف الذكرى الأولى لمقتل الإمام يحي فأحيوها بالدرس في كل الجوامع وبإعدام عددمن الاحرار في صنعاء وتعز وحجة،وكان يوماً مشىئوماً الينا نحن السجناء

وفي سابع ربيع ثاني 1396ھ ،أي الذكرى الثانية لمقتل الإمام يحي اكتفوا بالدروس في المساجد ،ولم يقربوا قرابين الدم بل جاء بعد أيام منها الإذن بخروج الاستاذ النعمان واستدعاه الإمام أحمد الى تعز ليحضر الاحتفال الذي كانوا يسمونه عيد النصر ،وقد حضر نعمان وألقى خطبة رنانه يمجد فيها الامام ويشكره على عفوه عنه ،وطلب العفو عن باقي المساجين.

يضيف القاضي الارياني ،كان الاستاذ نعمان يظن ،وكنا نظن معه ،أنه لن يعود الى حجة ،ولكن بعد ثلاثة أيام فوجئنا به يصل الينا فقد عاد ليعيش في حجة نهاراً ويعيش في السجن ليلاً ، واستغربنا تقلبات الإمام بين الرضى والسخط والعفو والانتقام ،وقررنا أن لا أحد يطمئن ويأمن نزواته حتى ولو كان قد أطلق سراحه.

وأنه كما قال عنه أحمد المروني على سبيل النكتة لو تعثر في مكانه لقال أعدموا أحدهم في حجة..

17

الوشاية ومنع الخروج للدورة ..والنشاط الادبي والسياسي في السجن

بعد سنه شكونا الى الإمام مانقاسيه من الروماتيز لطول المكوث وعدم الحركة ورجوناه السماح لنا بالقيام بالدورة يومياً مع الحرس ونعود محبسنا قبل الظهر وجاء الجواب في فبراير عام 1951م بالموافقة على خروج الارياني والمعلمي والاغبري والاكوع ومجموعة من أبناء الوزير الذي لم يتم اعدامهم ،يقول القاضي الارياني ،وشعرنا بإنفراجة ولم يعد السجن ثقيل كما كان .

ومرت بنا الايام ونحن نخرج الصباح ونعود قبل الظهر،وفي ذات صباح وكنا خارجين قال الحراس (يسك)وهي كلمة تركية مماخلفته تركيا في اليمن من تعليمات الجيش ومعناها ممنوع.وقلنا لماذا ،فقالوا لقد جاءمن الامام الى النائب الأمر بالمنع وأطلعونا على النص. جميع الموقوفين في القاهرة والمنصورة الذين أذنا لهم بالدورة يكون منع الجميع … وقد أبرقنا بمايلي الي الإمام: مولانا أمير المؤمنين أيدكم الله في الوقت الذي كنا ننتظر فيه رحمتكم بالاطلاق فؤجئنا بالمنع من الدورة التي لم نحرص عليها إلا لأنها دليل رضاكم ،وليقيننا بعدم السبب منا فقد كانت دهشتنا عظيمة الى مانتصوره من شدة الصدمة على عائلاتنا المرتقبة إنعامكم بالاطلاق فان يكون قد افترى مفترب بإيغار صدوركم على المنيبين فبحق الله ورسولة أن تأمروا نائبكم بطلبنا معه ليظهر لكم كذبه وسوء قصده في تغيير قلبكم الرحيم …

ويعلق القاضي الارياني نسجل هذا النموذج للمواجعات الخانعة وفيها التزلف والخضوع،يخالف من ننطوي عليه ،و التي كنا نبعثها .

ذلك أن الامام لم يذكر سبباً في البرقية ولكن لا أن ثمة سبب ،وقد تكون وشاية من أحد المنافقين في حجة .ولم نكن نتصور أبد أن الوشاية من أحدنا وممن يضمنا واياه دار واحدة ومحبس واحد ومصير واحد ،حتى جاءنا في ليلة من الليالي الاستاذ النعمان ليقول لنا إن سبب المنع رسالة من أحد المساجين معنا وقصيدة من أخر تجاوز الله عنهما كما يعلق الارياني.

والرسالة تقول أن الارياني وأصحابه يدعون الي القحطانية ويكفرون بالامامة ويعادون ويحتقرون السادة، ويريدونها جمهورية الى غير ذلك ويرد الاياني بالقول ،نحن في الحقيقة لم نكن نحتقر السادة ،وكل ما كنا ندعو اليه هو التآخي والتسوية وعدم الاستعلاء ،وكنا نشجب العنصرية ،وكان قد كبر عليهم أن يقول أحدنا لأحدهم يا أخ فلان دون أن يناديه بياسيدي فلان،،أما القصيدة الثاني فكانت تحريض وإثارة لعصبية الإمام أحمد واستعداء له علينا ،وبعد أعرفنا ماذهب اليه الدس والافتراء والتحريض من زملاء لنا وشركاء في القضية ،وقد استمرت الوشايات والتحريض،وفزعنا لاستمرارها وحسبنا الوشاية قد نجحت حينما خطب الامام أحمد في عيد النصر وقال في خطبته (إن أناساً يحلمون بحمار عزير ويلهجون بالجمهورية وهيهات ….هيهات ومانرى إلا أن رؤوسً قد أينعت وحان قطافها.

ويضيف القاضي الارياني، وكنت قدرأيت أن أبعث للإمام رسالة أكذب فيها الوشاية ،وأشرح خطورة فتح المجال للكلام على العنصرية التي نرفضها ،فكانت خطبة الامام من الدوافع الي تعجيل الارسال ،ذلك ان الدساسين قد أصابوا هدفهم من رفع ما رفعوه ،وقد أرادوابه التقرب الي الإمام من نحية والاضرار والتنكيل بنا من ناحية أخرى.

يقول فبعثت رسالة مطولة فيها الكثير من التزلف ،يخالف كثير ماننطوى عليه ،وإنما جاء بعدخطبة الامام وفهمنا يعنينا تأثراً بالوشاية لمن اراد قراءت الرسالة مذكرات الرئيس الارياني ، الجزء الاول صفحة 175 ،176، 177 ،178، 179.

أما كيف عرف الاستاذ النعمان أمر الرسالة ،فذلك ان النعمان كان أستاذاً للسيد أحمد ابن عبدالملك المتوكل نائب حجة، فأسر الي الاستاذ بأمر الرسالة . النشاط الادبي والساسي في السجن كان سجن حجة يضم بين جدرانه الكثير من علماء اليمن وأدبائها ومثقفيها،لذلك ما إن تراخت قبضة الإمام عن من فيه حتى تحول الي مرتع للنشاط الادبي والفكري ، فقد أنتج القاضي الشماحي والاستاذان أحمد المعلمي ومحمد الفسيل كتيبات في التاريخ،وصدرت مجلة أسبوعية كانت تسمى (الندوة) لا يتناقلها إلا السجناء .

وفيها القصائد والمقالات ،وصدرت عدة أشهر حتى جاء أمر تفتيش من الامام ،فوارينا كل شيىئ كما ينقل القاضي الإرياني في مذكراته. ويضيف بعد ذلك قمنا بالتعليق على ديوان عمارة بالاشتراك مع أحمد المعلمي ، وفكرنا في إخراج ديوان الآنسي الحميني وأهديناه الى الإمام ، وغيرنا ترتيب القصائد في الديوان لنجعل القصيدة الإلهية ياحي ياقيوم. ياعالم بماتخفي الصدور ياموجد المعدوم. ياذا الإنتقام ممن يجور أول القصائد لتكون أول ما تقع عليه عين الإمام فلعله يعتبر ويخشى العقوبة والانتقام من الله تعالى .

النشاط السياسي يقول القاضي الإرياني :برغم القيود المفروضة علينا في السجن فان ذلك لم يمنع اتصالنا بروافد الحركة الوطنية بعدن ،مثل الشيخ عبدالله الحكيمي صاحب جريدة السلام ،بالاستاذ عبدالله عبد الوهاب نعمان صاحب صحيفة الفضول ،وكنا نهرب بعض ما نكتب سراً الى عدن .

أما داخل السجن فقد أثيرت الكثير من القضايا السياسية ودارت نقاشات عديدة حول مايحب أن نعمل ،يقول القاضي الإرياني :وقد تجاوزنا النقاش الشفهي الى ادارة نقاشات مكتوبة يعرض كل واحد رأيه ويعرض ذلك على الاخرين لإبداء آرائهم ،وقد احتفظ الاستاذ النعمان ببعض من ذلك ونشره بعد ثورة سبتمبر تحت عنوان(من وراء الأسوار).

18

الخروج من السجن وبيعة البدر

أثيرت داخل السجن الكثير من القضايا السياسية ودارت نقاشات عديدة حول مايحب أن يعمله الاحرار، وقد خلصت الآراء الي وجوب العمل علي خطين متوازيين : أولهما التوعية والتثقيف للشعب ولإكبر عددممكن من مشائخ القبائل وقد بدأ ذلك بتثقيف الرهائن وبعض الجنود في السجن ،وقد كان بينهم الشيخ حميد الاحمر والشيخ أحمد حسين جغمان . وثانيهما: محاولة نفخ روح الطموح في سيف الاسلام محمد البدر الي ولاية العهد وهذا مايحاربه أعمامه وأبناء عمه الحسن ، وقد طمع البدر بكسب الأحرار ،فأخذ يعمل لدى والده ليخفف من غضبه عليهم ويوقف رهق سيفه ،فأوقف الإعدامات،وسمح الإمام لابنه البدر بالاتصال ببعض المعتقلين يعدهم ويمنيهم، وأستدعى البدر اليه في الحديدة أحمد الشامي وابراهيم الحضراني .

واطلق أحمد الشامي قصيدته الرائعة يمدح بها الامام وينوه بمواهب البدر وأهليته لتحمل المسؤولية ،وتأثر الإمام لقصيدة الشامي وعزم على العمل لإعلان ولاية العهد لإبنه البدر وكان أن أختار القاضي الإرياني لوضع صيغة ولاية العهد والدعوة الى مبايعة البدر ،فأمر باطلاق الإرياني بححة الخروج للمعالجة .

يقول القاضي الإرياني : كان اطلاقي في شعبان 1373ھ ابريل 1954م، ولم أتاخر في حجة خوفاً من أن يبدر للإمام فكرة تأخير الإطلاق ،كما فعل مع أحد معتقلي حجة الذي أطلقه فتأخر يوماً في حجة فأمر بإعادته الي السجن وقد ظل فيه سنتين حتى توفى بالسجن.ومن أجل ذلك توجهت فوراً الي الحديدة التي أمر الامام بارسالي الي ابنه المقيم فيها واستقبالني ابراهيم الحضراني ،وبدأ يحدثني عما استجد في موضوع ولاية العهد ويلمح لي بأن النية تتجه الى تكليفي بالقيام بوضع صيغة البيعة مدعومة بالأدلة المبررة للخروج على المذهب الزيدي الذي لا يري ذلك.

يقول الإرياني فقلت للحضراني ولكن أنا خارج الآن من السجن ولم أر أولادي وبلدي ،فقال الحضراني ،ولكن السنا اتفقنا على أنه لا سبيل للعمل الوطني الا من خلال البدر ومن خلال بذر الخلاف بين أفراد الأسرة الحاكمة .فقلت ولكن علينا أن لا نرتجل ونعرف من معنا ومن علينا ومدى تحمس الإمام للموضوع ،فقال ولكن البدر مستعجل وهومتكفل بموافقة أبيه وأنت في طليعة من زينها له وسيقول ماقال ماقال عمر بن أبي ربيعة لإبن أبي عتيق ، ولم ينشد ما قال أبن ربيعة بل أتبع كلامه بضحكة مجلجلة وفهمت أنه يشير الي قول ابن ابي ربيعة: لاتلمني وأنت زينتهالي. أنت مثل الشيطان للإنسان فقلت له لن أكون ذلك الشيطان ومع ذلك دعنا نفكر الى الغد .

يقول الارياني وفي اليوم التالي جاءني السيد أحمد الشامي مرحباً ومهنئاً ،وطرق نفس الموضوع وكان ردي عليه علي نحو مارديت به علي الاستاذ الحضراني ،وقد قمت بما قمت به من أبداء التردد والممانعة للاستعجال لغرضين إثنين : الأول ، التأكد من السلامة في المستقبل .والثاني ، أردت أن لا أصدق بالاندفاع على ما يقوله المعارضون من أن الغرض هو إثارة الفتنة بين أفراد الأسرة المالكة وتفريق صفوفهم . ومرت يوما وثلاثه ولم يستقبلني البدر ،فعرفت أن الشامي والحضراني قد أخبره عن ترددي فاراد أن لايظهر التلهف على موافقتي وظل الشامي والحضراني يعملان على إقناعي ،قلت ان الذي يهمني هو أن أعرف رأي الإمام وهل سيحمينا من ضرر أخوته أم سيقف الى جانبهم اذا جد الجد ،فقالوا أما هذا فمكفول ومضمون ،فقلت دعونا نتأكد من البدر نفسه.ودعيت لمقابلة البدر وجلسنا جلسة مطولة تعهد فيها البدر عن الإمام بحمايتنا، وقال لي هل تتصور أنه من الممكن أن أقوم أنا بالعمل دون موافقة الإمام ،فقلت لا أتصور ذلك ولكن هناك فرق بين الموافقة المدفوعة بعاطفة الابوة والموافقة عن إقتناع واستعداد لمواجهة ردود الفعل ،فقال هي المرافقة عن اقتناع ولكنه لن يتظاهر بالرضي حتى لا يؤخذ عليه مخالفة المذهب .

ويضيف الارياني ، بعد أن حلف لنا البدر على ان يكون بجانبنا يحول بيننا وبين أذى عمه الحسن ومن معه، أسريتُ لأحمد الشامي قائلاً له هذا لنا فما للشعب ، فدفع الشامي البدر الى أن يبادرني بالعهد المغلط على المصحف الشريف بأن يكون مع دعاة الإصلاح في كل ما يرونه لإصلاح البلاد وتطويرها وعدت بعدها الى دار الضيافة لإعداد الصيغة وهي ملحقة كصورة من مذكرات الإرياني.

يقول الارياني وفي اليوم التالي عدت الى البدر وعقدت جلسة ضمت الشامي والحضراني وتمت الموافقة على النص ونقلت عدة نسخ منها لأتولى أنا أخذ توقيعات العلماء عليها في زبيد وتعز وإب وليتولى آخرون القيام بذلك في سائر أنحاء تهامة وحجة وصنعاء ان أمكن وغادرت الحديدة الى زبيد ونزلنا في دار الحكومة ،واستدعيت علماء زبيد ولم نجد أي عناء في أخذ توقيعاتهم لانهم فهموا من تلميحي في الكلمة التي ألقيتها أن الامام وراء هذا العمل.وغادرنا الى تعز ،وفي اليوم التالي جاءني الإخوان الوشلي وعقبات والكبسي ومحمد يحي مطهر وغيرهم من العلماء ،وفتحنا عليهم الموضوع وتردد أكثرهم خوفاً أن لا يكون الإمام موفقاً ،وأن يقوم بالعمل جماعة من سجناء حجة يدعو في نظرهم الي الاشتباه والرعب وتركتهم يذهبوا ، وفي اليوم التالي زرت النائب حمود الوشلي رئيس الديون الملكي وقلت له هل تتصور أنني الذي خرج لتوه من السجن وهو لم ير أولاده وأقاربه

يمكن أن يقوم بمثل هذا دون أن يكون الإمام موافقاً بل وأمراً به،ومازلت به حتى وقع وما رأى الآخرون توقيع الوشلي حتى استشعروا أن ذلك من الإمام ، ووقع الجميع،

ويختتم الإرياني وبينما أنا أتاهب للسفر الى إب لأخذ تواقيع علمائها قبل سفري الى إريان لزيارة الأهل ، إذا برسالة شديدة اللهجة تأتي من الحسن الي الإمام يقول فيها: أن الذين اشتركوا في قتل الإمام الشهيد وتآمروا عليه قد عادوا الآن ليعملوا على تمزيق الاسرة وإثارة الفتنة فنحن نطالبكم نحن وجميع الأسرة رجال ونساء وأطفال بإيقافهم عند حدهم وإعادة الإرياني والشامي الى السجن بحجة.

بعدها يقول الإرياني جاءتني رسالة من الإمام أحمد يقول فيها: إوقفوا كل عمل في موضوع ولاية العهد التي تم التوقيع عليها،وألزموا الولد أحمد الشامي بذلك فالامر خطير وأرسلوا الينا الصيغة التي تم التوقيع عليه. وبعثت بإحدى النسختين الي الامام والاخرى الي ولي العهد البدر ورديت على الامام أقول : إنا لم نعمل إلا بناءً على أن عملنا على أمركم ومحل رضاكم وبتكليف منكم ولما رأينا في الأمر من مصلحة تجنب اليمن الفتنة التي تنتظره بعد غيابكم.

يقول الارياني وقد توقفنا عن جمع التواقيع على البيعة ،إلا أن ماتم كان قد عمل على إثارة موضوع ولاية العهد فبقي أمراً متداولاً.

19

انقلاب المقدم الثلايا

كان الإمام قد نفى أخاه الحسن الي أمريكا فعينه مندوباً لليمن في الأمم المتحدة ،واستدعى الى تعز سيف الاسلام عبدالله وعينه وزيراً للخارجية ،ولكن عبدالله كان قد عاد من الخارج بعد غربة طويلة،مقتنعاً بضرورة تغير أسلوب الحكم وعمل شيئ لاستهلاك نقمة الشعب ..وكانت ولاية العهد قد عملت عملها في بذر بذور الخلاف بل الحقد والنقمة والتربص ،فلم يرق له أن يلهيه أخيه بمنصب لاجود له ،وأخذ يعمل مع بعض الشباب وبعض ضبط الجيش وعلى رأسهم الثلاياء الذي أجزل له الوعود والعهود بالاصلاح واخراج اليمن من العزلة والفقر والقفز بها الي حياة القرن العشرين . وأنساق المقدم الثلايابقلبه الطيب وإيمانه المخلص وراء تلك العهود مدفوعاً برغبته الجامحة في أن يعمل شيئاً في سبيل الشعب دون أن تراق الدماءوتدمر البلاد.

يقول القاضي الإرياني وأبديت للشهيد الثلايا تحفظي في نجاح العملية والإمام أحمد علي رأس الدولة، ثم إن عبد الله لايقل مكر عن أخيه أحمد ،وله ارتباطات خارجية قد تساعده على التخلص منا جميعاً . ولحظت إستياءه لترددي فقد قال إذا مع من نتعاون إذا كنتم أنتم تضعون أمامنا المخاوف ،إن الحالة أصبحت لا تطاق وهي جديرة بالتضحية.

حادثة الحوبان ولكن الأقدار هيأت حادثة الحوبان ففجرت الموقف ،فبعد خروج بعض أفراد الجيش للاحتطاب ،ثار بينهم وبين الاهالي شجار لإنهم قطعوا شجرة تخص الأهالي أفضى الشجار الي مقتل أحد الجنود ،فخرج الجيش بدون وعي الى الحوبان فقتل ونهب وهدم البيوت وعاد الى العرضي ،فعرفوا أنهم تجاوزوا حدودهم وأن الإمام سوف ينتقم منهم ، وأخذوا يفكرون بالفرار .

وجاءهم الثلايا والحاج مجاهد السريحي وقالوا لهم إن الذي أهانكم وسبب لأن ترتكبوا هذه الأعمال ضد إخوانكم المواطنين المساكين هو الإمام الذي أضطركم الي أن تخرجوا للاحتطاب. أن الجيوش في العالم لها قدرها واحترامها وهي حامية الأوطان فهم يأكلون أجود الطعام ولهم مطعمهم وملبسهم وشربهم ،وكان يجب أن تكون هجمتكم على قصر الإمام لا على أكواخ الرعية.

ونحن الآن كضباط مستعدون لأن ندخل مع الإمام في معركة من أجلكم ،وبدلاً من أن تفروا الى خارج الحدود وتتشردوا تعالوا نحاصر القصر ونرغم الإمام على التنازل لأخيه عبدالله الذي وعد بتوفير مرتباتكم وحمايتكم ومعامتكم كماتعامل الجيوش في العالم،وأقتنع الجنود وتحمسوا،

يقول القاضي الارياني .في يوم 7شعبان 1374ھ 31مارس 1955م فوجئنا في الصباح الباكر بأحد المرتبين بصالة لينهي إلينا بأن الجيش قد ضرب حصاراً على القصر المقام ،واحتل المباني الحكومية ،وفتح مخازن الذخيرة والسلاح ووزع سلاح على من لا سلاح له ،واستولى على السيارات والمطار وقطع أسلاك البرق والتلفون.،وأحتل محطة اللاسلكي. ولم يكد يذهب الجندي حتى جاءنا جنديان على سيارة يقولان أنهما ملزمان بآيصالنا الى القيادة العسكرية ، وذهبت مع الحنود الي مقر القيادة حيث وجدت المقدم الثلايا يصدر أومره لإيصال بقية رجال الدولة . وجاء الامير عبدالله وبقية العلماء وقال القاضي محمد الشامي أمير لواء البيضاء لماذا دعوتمونا، فقال الثلايا إنكم قدعرفتم ما وقع بالحوبان على الجيش ومنهم ،وقال أنه فوجئ بوصول الجيش اليه يطلبون منه قيادتهم الى حركة ترغم الإمام على التنازل لأخيه عبدالله لانه إي الإمام عجز عن القيام بالامانة التي في عنقه للأمة.

وأنهم سيقتلون كل من خالف أو قاوم ذلك، وقال أحد الحاضرين ،إذا كنتم قد قررتم هذا فلماذا دعوتمونا،فقال لأنكم العلماء ورجال الحل والعقد وعليكم مبايعة الامام الجديد. وأستقر الرأي بعد هذا على إرسال جماعة الى الإمام ليعرض عليه الأمر ،ويطلب منه اطفاء الفتنة بالتنازل ،وعاد الموفدون الى الإمام بمحرريقول فيه :أما إنابة الاخ عبدالله عنا في القيام بالاعمال فماهو إلا من باب نقل مافي اليمين الي الشمال ،ولكنها على هذه الصورة غير ممكنه فليس اليكم هذا بل هو الي العلماء الذين هم ورثة الانبياء.،أماأنتم فالازم أولاً الانتصاف منكم للرعية الذين أحرقتم بيوتهم،وأنتهبتم أموالهم،وروعتم أطفالهم. وسمع الحاضرون الجواب فرأوه حلاً مناسب ،ولكن الجيش فطنوا الي مافيه من الوعيد لهم فعلت أصواتهم وصاح بهم الجاح مرشد السريحي منذراً (ما معاكم الا السيف عبدالله إمام وإلا قحطنا رؤوسكم والله مايخرج واحد منكم إلا مبايعاً أو مقتولاً.

وإزاء هذا رأى المجتمعون أن يبعثوا الي الامام وفد أخر ليشرحوا له الامر ويطلبوا منه تفادي الوقوع في الفتنة.

ولما وصلوا اليه طلبوا الى الإمام أن يتنازل لإخماد الفتنة وحقنا للدماء ،أخذ الورقة وكتب عليها :حيث طلب الجيش بتعز بتأثير العوامل الخارجية والاصابع الاستعمارية أن نتنازل للأخ عبدالله من من الاعمال فقد تنازلنا له عنها وشرطنا عليه العمل بشريعة الله والعرض علينا فيما دق وجل . ولما سمع من كان حاضراً من الجيش لفظة التنازل صفقوا وأجاب إخوانهم في الخارج بإطلاق النار استبشاراً وإعلاناً للانتصار.

وتلا ذلك مد سيف الاسلام عبدالله يده للمبايعة فبايعه الحاضرون ،وأنتقل الي المكان الخاص بالامام في عرضي الجيش ،وأخذ يبعث البعوث الى المناطق لأخذ البيعة ،من صنعاء والحديدة وحجة وإب وذمار .

يتبع………

20

الامام عبدالله يحاول الاستعانة ببريطانيا.. والارياني يحاول الفرار

سقوط انقلاب الثلايا

في صباح 7 شعبان. 1374ھ1ابريل1955م. جاء أحد الجنود ببرقية مستعجلة طالعها الإمام فأربد وجهه،ولاحظنا عليه الانفعال والتأثر ،ورمى الينا البرقية وفيها مايلي :من محمد بن أمير المؤمنين الي سيف الاسلام عبدالله لقد ساءنا وساء عموم الناس ما بلغ من البغي والعدوان اللذين أسفرت عنهما المؤمرات التي دبرتموها ضد صاحب الجلالة فنحذركم من العدوان على جلالته وننذكم بسؤ عاقبة هذا البغي الصارخ وليعلم البغاةوالمتآمرون أنهم سوف يلقون جزاهم في القريب العاجل.

يقول القاضي الإرياني أعدنا البرقية الي الإمام عبدالله ،فوجه خطابه الي قائلاً :أطلعتم علي البرقية ،فقلت نعم . فقال ماعندكم فقلت هذا شيئ منتظر ،فاربد وجهه وقال لالا ..لم يكن منتظر ولكنا أسأنا الى أنفسنا حين تركنا الخائنين وتركنا الاستاذ النعمان يذهب مع الذاهبين.فقلت لوأنه بقي النعمان لما تغير من الأمر شيئ ،ثم دعا المقدم الثلايا ورمي اليه بالبرقية فقرأها وأعادها ولم يطرى عليه أي تغيبر أو انفعال ولم يزد على ان قال (مابش خوف). ونهض وتحدثنا مع الاخوان عن رباطة جأشه وخور الإمام عبدالله.

كان لوصول برقية ولي العهد أثره في اضطرب التفكير ،وفيه قرر الإمام الجديد الاتصال بالملك سعود ،وأبرق اليه يقول أن الامام أحمد قد تنازل عن العرش إجابة لطلب الجيش وأنه اضطر الى قبول هذا العرش حرصاً على سلامة البلاد وتفادياً من الفتنه وطلب التعاون معه. فجاء جواب الملك سعود يشعره أنه قد تلقى الحقائق من الامير البدر ويحذره من أن يمس الامام أحمد بأذى وبعد الاطلاع على جواب سعود قرر الامام عبدالله إرسال وفد من العلماء ليشرح القضية ويحاول الاقناع الى السعودية ومصر ،ولكنه عاد فنقض هذه القرارات وصرف النظر عنها.

يوم السبت 9شعبان سنة 74ھ 2ابريل 1955م كانت طلائع الفشل قد أطلت بقرونها ويقول القاضي الارياني كان بودي لو يبعثني الإمام الجديد في ضمن وفد الي أي منطقة لننجو من عواقب الفشل ولكنه كان يرفض دائما قبول ترشيحي ،فتأخرت في البيت حتى جاء جنديان يحملان أمراً من الثلايا بوصولي الي العرضي فاسرعت الي هناك حيث وجدت الامام الجديد مع ثلة من العلماء على أهبة الدخول الي الامام أحمد ،ووصلنا اليه وهو يتوسط غابة من السلاح السيف أمامه والخنجر في وسطه والمسدس الى جانبه والرشاش بين يديه وقد انتظرنا من العلماء أن يقولوا كلمتهم ولكنهم لم يقولوا أكثر من استعراض الموقف وتخوفهم من الفتنة وأحالوا الي الامام أحمد تفاديها ،فقال لقد فعلت كل ما يمكن أفعله لتفادي الفتنة وليس بعد الان إلا الموت الاحمر دفاعاً عن النفس والحرم فحلف الامام الجديد الايمان المخرجة أنه لا شأن له بالحادث ولاطمع له بالعرش وإنما الحرص على حياة الإمام والخوف من الفتنه ،وطلب التنازل الصريح وتحرير أومر الى البدر ورؤسا القبائل بالتوقف عن مهاجمة صنعاء ، فقال له أحمد دع الامر لي وسوف أدبره وأطفي الفتنة دون دماء وأفرق العشائر وأعيد البدر وأفعل كل ماتريدون .

ولكن عبدالله أصر على طلب التنازل الصريح ومنع القبائل عن مهاجمة صنعاء وكثر الاخذ والرد بين الحاضرين ،يقول الارياني فأسر الي أمير اللواء محمد الحوثي برأي فطرحته كحل فقلت أنه طالما أن سيف الاسلام عبدالله أنه لاغرض له غير إطفاء الفتنتة ويقسم على ذلك فلنتعاون على ذلك فيحرر الامام أحمد رسائل الى البدر والقبائل والجيش يلزم الجميع بالهدوء والانقياد لسيف الاسلام عبدالله على أن يقوم هذه الفترة بالاعمال كنائب عن أحمد ،ثم يكون توزيع الجيش الثائر في المراكز والمجيئ بغيرهم وبعد ذلك يعود عبدالله الى عمله في الخارجية وقد وافق الإمامان القديم والجديد وعلى ذلك أخذ أحمد يحرر المحررات الي الجيش والقبائل والي البدر وأرضى به الامام الجديد ولكنه أشترط أن يفك الحصار عنه ،ولكن عبدالله عارض ذلك بشدة بحجة أنه يخشى عليه من الجنود ،وقد رمقه الامام أحمد بنظرة معبرة ،والتفت الي الارياني فقال أتذكرون صدر البيت من قول المتنبي أنا الغريق فما خوفي من البلل فقال الارياني نعم يقول: الموت أهون لي مما أكابده. أنا الغريق فما خوفي من البلل. فعلق الامام الجديد بقوله ليس الان وقت الادب والشعر وعلق العلامة الذاري لقد حال الجريض دون القريض، والجريض هو الريق والمثل يعني جفاف الريق من الخوف حال دون قول الشعر.

وجاء يوم الاثنين ليضع الفصل الاخير ،يقول الاياني وكانت فكرة الفرار قد أستبدت بي من بطش الامام أحمد بعد أن أصبح فشل الثورة مؤكد وبينما أنا أفكر في طريقة الهرب اذا بي أسمع أصوات سيارات عديدة وأسرعت الي النافذة لأجد من يقول أن عليها عائلات الإمام ولم نلبث أن سمعنا طلقات رصاص وجاء من يقول لنا أن السيارات التي عادت عليها عبدالله العبد واسماعيل الاكوع الذي عهد اليه الجيش حراسة الامام فخانه وتحول مع الامام وسهل خروج العائلة وأن الجيش قد قتلهم واستولي على السيارات وأعلن الامام أحمد الانقلاب عللى الانقلاب و كتب الي أخيه : أرى خلل الرماد وميض نار. وأخشى أن يكون له ضرام

واستمرت الحرب على أشدها ، وأمر المقدم الثلايا بضرب القصر بالمدافع فضربت ولكن على مقر القيادة في العرضي. وأمر الإمام وقبل أن يحرز النصر بالتنصير (أي إشعال النار على سطوح المنازل إشعاراً بانتصاره) . وانطلت الحلية على الناس واشعلوا النيران ،فهبطت معنويات الجيش وأخذ بعضهم يركنون الى الفرار وبعضهم ينضم الى أحمد،وثبت المقدم الثلايا ومعه الحاج مرشد السريحي وقووا من عزائم الجيش التي كانت قد وهنت، واستمرات الحرب طيلة ليلة الثلاثاء ويومها. وحينما أشتد الضرب على عبدالله ومن معه ،طرح على العلماء فكرة الاستعانة ببريطانيا بطلب طائرات لضرب القصر وتهديد القبائل المجتمعة مع البدر في عمران .وأراد أن ينتزع منهم الموافقة ،فقالوا له ولكن كيف سيقابل الشعب استعانتكم بالاجنبي واستدعائكم له ليتدخل في شؤن البلاد ،فقال يمكن أن نعلن أنا استأجرنا ذلك ،فقالوا له ولكن من يصدق أن هناك طائرات حربية للإيجار ،فصرف النظر.

في منتصف ليلة الاربعاء فر المقدم الثلايا والحاج مرشد السريحي، وكان الجند فد فروا جماعات لماعانوه من القصف المدفعي .وقد نجا السريحي بنفسه الى عدن وأما طيب القلب الثلايا فقد انتهى به المطاف الي قرية اللوازم فقبض عليه المواطنون ، وأما الامام عبدالله ومن معه فقد بعثوا الي الامام أحمد يعلنون استسلامهم فأمر بحبسهم وربطهم بعمائمهم .

21

إعدام الثلايا وقادة الانقلاب

يقول القاضي الارياني كنت في صالة ،في منصف ليلة الاربعاء واذا بالجنود ومعهم الامير الحسن بن الحسن جاءوا للقبض علي وإيداعي السجن وفي الصباح يوم الاربعاء 13 شعبان 1374ھ 6ابريل 1955م فوجئنا بوصول المقدم الثلايا مكتوفاً .وقد فك عنه الجند الوثاق وأبدلوه ثلاث قيود دخل بها فاسودت الدنيا في عيني ،وكنت آمل له النجاة . يقول الارياني :ولما رآني الثلايا قال(وأنتم هنا وماذنبكم فنخن الذين أكرهناكم وغيركم من العلماء علي العمل ويعلق الارياني ،أقول هذا براءة للذمة.فاكبرت هذه المثالية منه وازدادت أسفاً عليه . كان ثابت الجأش وضيئ الوجه باسماً .كان قد حدد مصيره ،ولا أزال أذكره وقد جاء أحد عبيد الامام يوبخه فنهض ينازله وهو بقيوده ويقوله اسكت يا كلب ،مع سيدك سيف ونحن في إنتظاره ولكن لا أريد أسمع توبيخاً من كلب مثلك ،وانصرف العبد ولم ينبس بكلمة واحدة .

وبعد ساعة جاء المقدم الآنسي رئيس الشعبة العسكرية ومعه ثلات من الحرس الملكي يستدعون المقدم الثلايا الي الامام ،وعرفنا أنه يساق الي الاعدام ،وبعد نصف ساعة جاء الجنود ليأخذونا ،وحملونا علي سيارتين وقلنا في أنفسنا إنه السيف ولا شيئ غيره ،وفي طريقنا الي الميدان رأينا رأس عبد الرحمن باكر مصلوباً فأزداديأسنا من الحياة ،واستسلمنا لقدرنا بكامل الرضى والاطمئنان .

وساقونا الى الميدان حيث أوقفونا صفاً ليأخذ كل واحد دوره في الاعدام بعد المقدم الثلايا،وخطب الإمام في الجيش قبل الاعدام معدداً انعاماته علي المقدم الثلايا وكيف أنه غرر بالجيش وأثار فتنة في البلاد ،ثم قال لهم أترون هذا حقيقاً بالحكم عليه بالاعدام ،فقالوا جميعاً نعم..نعم..فأمر باعدامه وانتظرنا أن يدعى أحدنا للاعدام بعده إلا أن الامام مرق من الميدان مسرعاً ،وكأنه خاف ردود الفعل بينما نحن ننظر مصيرنا في الميدان إذا بجيش أجش تظرب أمامه الطبول قد جاء من حجة وعلى رأسه الشيخ علي بن محسن باشا والقاضي الاكوع وكانا من المسجونين في حجة ،وقد اغتنم النعمان وأحمد الشامي الحادث فدفعا البدر الى إطلاق جميع من بقي في سجون حجة وفيهم السلال والجائفي وغيرهما والتفت الي الاخ نعمان محمد نعمان وقلت له أرأيت : كذا قضت الايام مابين أهلها. مصائب قوم عند قوم فوائد لقد أطلق إخوننا ولكننا عدنا الي السجن وربما الي الموت.

يقول ،أمر الامام بإعادتنا الى حبس صالة وعادالينا شيئ من الامل .وكان القاضي يحي السياغي أكثرنا تفاؤلاً فقد طلب من بيته أن يأتوه ببعض ما يحتاج من الادوات فقلت له لا تسرف في التفاءل ولاتطلب شيئ فإنه سيكون من نصيب الجنود ،فقال ولما التشاؤم وقد أعادنا من الميدان ،فقلت لقد تعودنا من 48 أنه يوزع الإعدامات ليستمر الرعب والارهاب وهكذا كان فقد اعدم يوم الخميس 14 شعبان القاضي يحي السياغي حاكم تعز الثاني ،والضابطان محسن الصعر ومحمد ناصر الجدري ،وفي يوم الجمعة أعدم الضابط علي حمود السمة والشيخ على حسن المطري والشيخ عبد الرحمن الغولي ويوم الاحد أٌعدم السيد محمد بن حسين عبد القادر وحسين الجناتي ويوم الاثنين أُ عدم القاضي حمود السياغي والضابط أحمد الدفعي ، ويوم الاربعاء أُعدم في حجة الاميران سيف الاسلام عبدالله وسيف الاسلام العباس وفي صنعاء اُعدم القاضي عبدالله الشامي ،وفي يوم الاحد 24 شعبان أُعدم الضابط قايد معصار وبإعدامه انتهت الاعدامات وقد أرتوى السيف وأرتوى الطاغية.

يقول القاضي الارياني كنا ننتظر كل يوم أن نساق الاعدام ولاسيما أنا كنا قدسمعنا أن الامام يقول سنضحي يوم الجمعة بكبشين أقرنين أملحين ولما سُئل عمن يعني بهذين الكبشين قال الارياني والوشلي.ثم عاودنا شيئ من الاطمئنان حينما بلغنا أنه قد أطلق سراح الوشلي وان العلامة الذاري رحمه الله قد رمى نفسه بين أقدام الامام يشفع لي ،ولكن التشاؤم كان يعاودنا في كثير من الاحيان، وبعد أحد عشر يوم اذا بنا نفاجأ بالامام يصل صالة ومعه البدر والنعمان وأحمد الشامي ،وفي منصف الليل فوجئنا بالاستاذ النعمان قد جاء ليوقطنا وهو يحمل أمراً باطلاقي وإطلاق عمه نعمان محمد نعمان . وفكت عنا القيود في تلك الساعة وخرجت من السجن وذهبت في تلك الساعة الى البيت حيث أيقضت الاولاد من نومهم ،وقد وجدت الاولاد والعائلة في حالة يرثى لها فقد كانت الاشاعات ترشحني للاعدام يومياً ،فهم يعيشون مع الترقب والخوف وقلق الانتظار وأنا في نظرهم لا حي فيرجى ولاميت فينعى ،فكانت فرحة اللقاء بعد اليأس عظيمة.

وفي اليوم التالي نزلت الى العرضي وفي طريقنا التقينا بامرأتين عائدتين من العرضي وهما تنتحبان بحرقة زائدة وسألنا عن سبب بكائهما فقيل لنا أن الامام أعدم الضابط قائد معصار وهوابن إحداهما وزوج الاخرى .وتأثرت لهما تأثر بالغ وانقبضت نفسي وعدت الى تشاؤمي وكدت أعود من حيث أتيت ولكن رأيت مواصلة المسيرة حيث التقيت ببعض الاخوان وفهمت منهم أن قائد معصار هو أخر ضحية.

أحدث منشورات

عرض الكل

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com