عبيد المنازل في اليمن

القضية الحقوقية لليمنيين في مواجهة استعباد “بني هاشم” أصعب وأعقد من صراع العالم كله ضد العبودية التقليدية، وأصعب من النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وأعقد حتى من الصراع العربي الاسرائيلي. لكنه في بعض جوانبه يشبه صراع التحرر في أمريكا حين كانت انتفاضات عبيد المزارع تقابل بالرفض من عبيد المنازل لأنهم أحسن حالا. عبيد المنازل في اليمن ليسوا أفضل حالا، فدماؤهم مسكوبة وحقوقهم منهوبة، لكنهم مستعبدين من الداخل، من داخل نفوسهم، فهم يعتقدون أن هذه العبودية لبني هاشم هي الدين الذي سينجيهم من جحيم الآخرة، ولذلك فلا بأس إن هم صبروا على اصطلائهم بجحيم الدنيا ولو علي أيدي أسيادهم وأوليائهم مادام قرار توليتهم عليهم صادر -بحسب أوهامهم- من لدن حكيم عليم. وهؤلاء المستعبدين بالدين ليسوا في ضفة واحدة من المعركة، ليسوا جميعا في صف الحوثي حتى يمكن القول بتميز الخبيث من الطيب، لأن العبودية هذه لها درجات، وقشور مثل الظلمات بعضها فوق بعض، فمن يتخلص من عبودية عبدالملك الحوثي يمكن أن يجد في قشرته التالية عبودية لعبد العظيم الحوثي، ومن تخلص من الاثنين ربما وجد نفسه مدينا لعبودية سيد آخر في الحزب أو القرية أو النقابة أو المسجد، ومن تخلص من عبودية السادة الأحياء وجد جبهته محنية للسادة الميتين يتلذذ بذكرهم في الأناشيد ويختم بمدحهم القصائد ويبدأ بهم خطبة الجمعة وينهي صلاته بالصلاة عليهم. وحتى إن بلغ ظلم الأحياء منهم مبلغا لا يمكن احتماله وبالغوا في مدح أسلافهم وتحقير أسلافه، لجأ إلى أصحاب العمائم من المخدرين (بفتح الدال وكسرها) فقالوا له: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فإن طلب منهم الحل، قالوا له نحبهم بدون مغالاة، أما المحبة فهي واجبة، وإذن -يقول المسكين في نفسه- فمالفرق إن بذلنا منها بدلا من المُدِّ صاعا، ومادام القليل منها فيه مرضاة لله فإن الكثير منها لرضاه أجلب وإليه أحب. وهكذا، وجد شعب كامل نفسه مستعبدا بطبقات من العبودية، إن قاومها البعض خذله الآخرون، وإن قاتل لينال حريته وجد من دونها أسوارا من الرجال هم أهله وعشيرته، فإن تمكن من تحقيق بعض أهدافه وأزاحهم من السلطة قالوا له إنما كان المجرم فلان وفلان وقد أهلكهم الله فلا تأخذ البريء بالمجرم، فإن أراد تعليم الناس وتوعيتهم قالوا له لا تجرح مشاعر الناس ولا تخلق فتنة طائفية وقد ذهبت ولم يعد لها وجود، لكن الأبرياء يظلون مؤمنين بخرافاتهم، يربون أولادهم على خرافة الاصطفاء، ويحتقرون المجتمع ويستحلون حقوقه، فهم يرونها بعضا من حقوقهم، وبفضل تفوقهم السابق في التعليم والوظيفة العامة، يحصلون مرة أخرى على الامتيازات لا باعتبارهم سادة ولكن لأنهم مؤهلين، فيتوارثون الوظيفة ويستحوذون عليها ولا يكاد يخترق حجابهم الغليظ رجل من عامة المجتمع حتى يفسدوه بالمال الحرام، ثم يلقون به غياهب الفساد ثم الإهمال، ويحصل أولادهم على المنح الدراسية فيدرسون في أرقى الجامعات ويتسلحون بأحدث العلوم، وتظل رؤوسهم متسخة بأقدم وأقذر الخرافات، فيعودون مرة أخرى متفوقين على غيرهم من الناس، مسيطرين على الوظيفة العامة، حتى أن كل المسئولين الذين قد تظن أنهم من طبقات المجتمع الأخرى وقبائل اليمنيين الأصيلة لا يكاد أحدهم يرى إلا بعيون بني هاشم ولا يكتب إلا بأقلامهم، فإن لم يكونوا حكاما بطريقة مباشرة فهم الوسطاء بين الشعب وحكامه، وهكذا تظل أفكار العبودية رائجة في العالم السفلي من المجتمع، في عاداته وتقاليده، في أعياده وأعراسه ووفياته وولاداته ومعاملاته الحكومية وبيعه وشرائه، وظل “البريء” الذي أنجاه عمى الناس وطيبتهم مقدسا متواضعا حانيا رأسه قانتا عابدا فاعلا للخير حتى تحين له فرصة جديدة للعودة إلى استعباد الناس، فيجدهم مستعدين، ظهورهم محنية وجباههم في الأرض حبا وحياء وخجلا راضين بظلمهم مستمتعين بجلدهم وتعذيبهم.

أحدث منشورات

عرض الكل

د. فاطمة رضا.. لا سادة ولا عبيد

لا ساده ولا عبيد ، لا تابع ولا متبوع ، إنتهى زمن العبودية ، ولا أعتقد أن هناك فرق بيني وبين الملكة إليزابيث فلا التاج يمنحها أفضلية عني ولا المال ولا الشهرة ، وأستطيع مقاضاتها أمام المحكمة حتى على أتف

فائزة الوصابي.. عندما تصرخ الأقلام العربية ..

كثيرٌ من الأقلام الصارخة في وجه الظلم جف حِبرُها واختفت معالم أثرها وباتت واهية ضعيفة في محتواها؛ محللون، نقاد، مؤرخون، صحفيون يحللون المشاهد المبكية في أوطانهم بتحليل يتدنى لمستوى الخيانة لأوطانهم ؛

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com