عبدالله سلام الحكيمي: الرواية الكاملة لاغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي

ملاحظة: هذه الذكريات نشرها الاستاذ محمد الغباري على هئية سؤال وجواب في صحيفة البيان ابتداء من العدد 183 ( 6 مايو 2003 ) ولم تنشر كاملة لطولها وهنا ننشرها بتفاصيلها كما وردت في ( الاصل ) عبدالله سلام الحكيمي سؤال: ماذا دار في حواركم مع الرئيس الحمدي .. ما كانت شروطه وشروطكم ؟ الحواراو بالاصح العلاقة التي نشأت بين الناصريين والرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي رحمة الله عليه ، بدأ وتواصل واستمر لفترة زمنية تمتد الى ما يقارب العامين ، واتخذت صورا واساليب واشكالا عديدة منها ما هو مباشر وغير مباشر ، وعملي ونظري ، موارب وواضح ، وكلها على تنوعها كان لها هد ف واحد يتمثل بفتح قنوات اتصال وخلق فهم وتفاهم مشترك يفضي الى تأسيس علاقة ما مع حركة 13من يونيو 1974م التصحيحية من خلال قائدها ورمزها المتميز ابراهيم الحمدي .. ولعله من المهم هنا ان اوضح العوامل او الدوافع التي دفعتنا او اقنعتنا بالعمل من اجل اقامة مثل تلك العلاقة ، او على نحو ما يقوله القانونيون “حيثيات ذلك التوجه”، فقد كانت لدينا في التنظيم معلومات وتقويمات واهتمام بمتابعة وتحليل شخصية الحمدي وتوجهاته وافكاره وبالتالي المشروع الذي يحمله ويسعى الى تطبيقه على ارض الواقع ، واهم ما استخلصناه من كل هذه المعلومات والمتابعات والتقويما ت انذاك حول شخصية الحمدي وتوجهاته واهدافه تتمثل ،باختصارشديد ، بالآتي : 1- ان الحمدي كان يمثل بشخصه نموذجا نوعيا متميزا تتوفر لديه مواصفات وشروط ومقومات القيادة المقتدرة ، من بين تركيبة ومكونات الصف القيادي الاول في مؤسسة الحكم السا بقة لحركته التصحيحية في 13يونيو 1974م ، وكان واضحا ومعلوما على نطاق واسع تمتعه بدرجة كبيرة وملحوظة من الهمة والطموح والذكاء وانه صاحب مشروع وطني عام يعمل على تحقيقه موظفا همته وطموحه وذكائه، ولم يكن همه واهتمامه محصورا على النطاق الذاتي الشخصي الضيق .. 2- ان الحمدي استنادا الى التحريات والمعلومات المتجمعة لدى التنظيم انذاك وبرغم كونه عسكريا كان قارئا نهما ومواظبا حيث كا نت لديه في مكتبه في قوات الاحتياطي العام وغيرها مكتبة مصغرة تحوى مجموعة من الكتب وكان ينكب على قراءتها يوميا وبشكل منتظم وبدون انقطاع ، وكان شخصية مثقفة واعية مستوعبة ، على خلاف الغالبية الساحقة من ضباط وقادة الجيش والامن .. 3- كما كان حريصا على اجراء اتصالات ولقاءات حوارية مع اعداد مختارة من المثقفين والسياسيين البارزين ،، على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية والحزبية منذ فترة طويلة سابقة لقيامه بحركته التصحيحية .. 4- كانت له صلات وعلاقات وثيقة وحميمة ومنذ وقت مبكر ، بقيادات بارزة ومهمة من قيادات “حركة القوميين العرب” انذاك و” الحزب الثوري الديمقراطي ” الذي قام على انقاضها وورثها اواخر الستينيات ، اضافة الى صلات وعلاقات بالاحزاب السياسية ذات التوجه اليساري والتي شكلت فيما بعد اطارا سياسيا واحدا يضمها جميعا تحت اسم ” حزب الوحدة الشعبية ” التي اصبح بعد ذلك جزءا من ” الحزب الاشتراكي اليمني ” وفرعا له في الشطر الشمالي من الوطن علما ان جميع الاحزاب كا نت انذاك تعمل في ظل السرية المطلقة وكان استنتاجنا الذي استخلصناه حول شخصية الحمدي الفكرية والسياسية ، انه مما لاشك فيه بان صلاته وعلاقاته الوثيقة والحميمة والقديمة العهد بتلك الاحزاب وخاصة منها ” حركة القوميين العرب ” ، ساهمت الى حد بعيد في صياغة وتشكيل توجهه وفكره السياسي والاجتماعي ،وبالذات ما يتعلق بالتوجه القومي العربي وبلورة وتعميق احساسه وايمانه بقضية العدالة الاجتماعية .. وغير ذلك من القضايا والمفاهيم التغييرية المعاصرة.. لهذه الاسباب والاعتبارات الرئيسية ، وغيرها ، كا نت قناعتنا راسخة باهمية وضرورة وحيوية اقامة علاقات تفاهم وتعاون مشترك بيننا وبين الرئيس ابراهيم الحمدي كقائد لحركة 13يونيو التصحيحية وقائد للبلاد .. وبعد قيام حركة الحمدي التصحيحية في 13يونيو عام 1974م ازدادت تلك العلاقة ترسخا وساد في اوساط غالبية قياداتنا وكوادرنا التنظيمية شعورعام واحد حول اهمية وضرورة قيام او اقامة مثل تلك العلاقة ، غير انه ، وتوخيا للدقة والامانة ،لابد من توضيح هام بان ذلك الشعور العام الذي ساد لدى الغالبية الساحقة من قياداتنا وكوادرنا انذاك كان شعورا عاما وتلقائيا وفرديا ولم يتبلور بعد كراى او رؤية اوقرار صادرعن التنظيم اي لم يكن توجها حزبيا رسميا .. ولهذا فقد مرت عملية تاسيس العلاقة بين الناصريين والحمدي بثلاث مراحل اومحطات رئيسية لكل واحدة منها اسلوبها ووسائلها وصورتها ، وتتحدد تلك المراحل او المحطا ت بالاتي : المحطة الاولى : تمثلت بالوقوف الى جانب حركة يونيو وقائدها ورمزها ابراهيم الحمدي بالتأييد والمساندة والتأصيل للحركة اعلاميا وسياسيا ، مع التركيزعلى نحو اكبرعلى الجا نب الاعلامي ونهض بمسئوليا ت واعباء ومهام هذه المرحلة او المحطة عدد محدود من القيادات والكوادرالذين كانت لهم كتابات صحفية انذاك ، وفي مقدمتهم الاستاذ الكبير الفاضلِ/عمر الوصابي والمثقف البارزوالنموذج الرفيع الاستاذ الراحل/مطهر حسان رحمة الله تغشاه ، ومعهما الفقير الى ربه وعفوه كاتب هذه السطور ومعنا عدد محدود جدا من الكتاب الشباب .. والحقيقة ان هذا الدورالاعلامي المساند والمؤيد لحركة 13يونيو وقائدها ، قام به من ذكرتهم انفا ومنذ وقت مبكراثر قيام الحركة مباشرة بمبادرات فردية ولم يكن تنفيذا لتوجه حزبي رسمي بل كان بدافع من ذلك الشعورالعام الذي اشرت اليه قبل قليل .. ولعل مما تجدر الاشارة اليه في هذا السياق ان تلك الكتابات الصحفية المتواصلة كا نت تتسم بطابع جديد ومتميز ، مختلف الى حد كبير في مضمونه واسلوبه ، عن الكتابات والمقالات الصحفية التقليدية المواكبه والمؤيدة للحركة والتي يغلب عليها طابع السطحية والروتينية ، حيث تميزت كتاباتنا بقدر كبير وعميق من الرؤية والمضامين الملتزمة والمعبرة عن خط ونهج سياسي متكامل ، يسعى الى ابراز وبلورة رؤية سياسية شاملة لمطلب التغيير والبناء الوطني المتكامل امام حركة 13يونيو ، وهو ما استدعى وشد انظار سائرالاحزاب والقوى السياسية القائمة في الوقع شمالا وجنوبا بل وحتى قيادة حركة يونيو نفسها وولد احساسا وشكوكا بأن ما تطرحه تلك الكتابات من مضامين واسلوب انما يعبر عن رؤية والتزام حزبي سياسي تجاه سلطة حاكمة تمثله وتعبر عنه على خلاف ما تمثله سائر الكتابات والمقالات الصحفية الاخرى وحتى قيادة الحركة كانت هي الاخرى مدهوشة ومستغربة تتساءل عن هؤلاء الذين يتولون التغطية الاعلامية السياسية المتميزة والمقتدرة ويقفون الى جانبها من هم؟ ماهي توجهاتهم وانتماؤهم ؟ ماذا يريدون ماهي دوافعهم واهدافهم ؟ وغير ذلك من التساؤلات حيث لم تكن هناك -انئذ- اية اتصالات اوعلاقات او حتى معرفة بين هؤلأ الكتاب كاشخاص او من يمثلونهم سياسيا وبين قيادة الحركة بشكل عام او بعض اشخاصها بشكل خاص .. والى جانب هذا الدور والنشاط الصحفي الاعلامي السياسي فقد كان هناك ايضا نشاطات وفعاليات نقوم بها على الصعيد الجماهيري السياسي لتعبئة وحشد التأييد والمساندة الشعبية لحركة 13يونيو ، مثل تنظيم فعاليات ومهرجانات طلابية وقبلية وشعبية في بعض المدن وتبني مواقف مؤيدة ومساندة للحركة وهكذا . المحطة الثانية : وتمثلت بالاقدام على خطوة اكثر تقدما ، تهدف الى تحقيق اقتراب اكثر مع قيادة الحركة وفتح قنوات اتصال وتفاهم مباشرة ،ليس بين قيادة الحركة والتنظيم الناصري مباشرة وانما بينها وبين مجموعة من الاشخاص المتحمسين لحركة يونيو ونهجها ومن بينهم اولئك الذين تولوا مهام واعباء المحطة الاولى على المستوى الاعلامي والسياسي الجماهيري العام .. وبالفعل تم فتح اول قناه غيررسمية للاتصال والحوار مع قيادة الحركة وذلك من خلال الاخ الرئد/عبدالله عبدالعالم عضو مجلس القيادة وقائد قوات المظلات – انذاك – والذي كان منتميا للتنظيم الناصري منذ بداية الستينات ولفترة قصيرة من الزمن انتهت بعدها اية علاقة تنظيمية تربطه بالتنظيم .. وقد تولى الاخ الشهيد/عبدالسلام محمد مقبل ومعه الاخ/حسين محمد عبدالعزيز الخامري مهمة البدء بهذه المحطة والمرحلة الثانية بفتح قناة اتصال مباشر بالحركة عبر الاخ/عبدالله عبدالعالم ثم توسعت الدائرة لتشمل الى جانبهما كل من الاخ/عمر الوصابي ومطهر حسان وسالم السقاف وكاتب هذه السطور.. وبما ان الاخ/عبدالله عبدالعالم كان ناصريا قديما ،، فقد اتخد حوارنا معه بصفتنا مجموعة من الشباب الوطني المتأثر بالتجربة الناصرية ونحن نمثل جزءا من تيار شعبي عام في اليمن معجب بالناصرية ومتأثر بها وشديد الارتباط بها عاطفيا ، لكنه تيار عام غير مؤطر او منظم في تنظيم حزبي منظم وقائم ، واضفنا على سبيل التوضيح انه كانت لنا محاولات في السابق لاقامة وتأسيس اطار او تنظيم حزبي ناصري في اليمن الا ان تلك المحاولات فشلت وانتهت .. وكنا في هذه المرحلة حريصين كل الحرص على عدم ترك اية شكوك او استنتاجات او مؤشرات تنبئ عن حقيقة انتمائنا او تمثيلنا لاى شكل او اطار حزبي ناصري تنظيمي قائم بالفعل ، ولعل اكثر ما ساعدنا على النجاح في تأكيد هذه الحقيقة ان كل الاحزاب والقوى السياسية القائمة في الساحة انذاك بالاضافة الى الاجهزة الامنية الرسمية كانت شبه متفقه – انذاك – على رؤية وتقييم واحد تجاه الناصريين على انهم بمثابة تيار عام غير منظم حزبيا ويمثلون تيار عاما واسعا غير مؤطر ضمن اطار حزبي محدد .. وكل ما كنا نريده ونسعى الى تحقيقه في ظل هذه المحطة او المرحلة الثانية يتحدد في هدف واحد فقط وهو السعي لنكتشف ونتبين على وجه الدقة والتحديد ما اذا كانت حركة 13يونيو التصحيحية قامت مستندة او معتمدة على تنظيم حزبي او اطار سرى منظم ام لا ؟ واذا كانت مستندة ومعتمدة على تنظيم سرى فهل هو تنظيم عسكري صرف ام عسكري ومدني في نفس الوقت ؟ واذا ما كان موجودا سواء اقتصر على الجانب العسكري فقط ام على المستويين العسكري والمدني معا فما هي ايديولوجيته وبرنامجه وتوجهه الفكري والسياسي ؟ اي ان مهمة هذه المحطة او المرحلة كانت تقتصر على المهمة الاستكشافية لا اكثر.. ولهذا فقد تمحور حوارنا مع الاخ /عبدالله عبدالعالم في سلسلة من اللقاءات والحوارات على قضية جوهرية وهي الشرح والتوضيح وخلق القناعة بان الكثير من التجارب السياسية الانسانية المعاصرة تؤكد على حقيقة ان اى حركة تغييرية جادة وشاملة تملك مشروعا وطنيا للتغيير والبناء الجديد الافضل اما انها قامت بالاستناد والاعتماد على قوة سياسية منظمة او حزب منظم سلفا او انها وجدت نفسها في امس الحاجة الى اقامة وتأسيس مثل ذلك التنظيم ذلك ان بعض الحركات التغييرية في العالم فشلت اوتعثرت اوسقطت لافتقادها الى اطار حزبي منظم تعتمد عليه في ضمان بقائها واستمرارها ، وان حركة 13يونيو من اجل ايجاد اقصى الضمانات لحمايتها وبقائها واستمرارها ونجاحها في تنفيذ مشروعها التاريخيى الوطني التحديثي هي في امس الحاجة والضرورة القصوى لاقامة قوة سياسية في اطار حزبي منظم يكون اداتها في التغيير وحلقة الوصل بينها وبين جماهيرها ووسيلتها الفعالة لحشد وتعبئة قوى الشعب وطاقاته وامكانياته بشكل منظم و توظيفها بشكل منظم ودقيق لتحقيق اهداف وغايات المشروع الوطني النهضوي للحركة ، واكدنا في نهاية حوارنا على اننا في حالة ما اذا كانت الحركة تملك اداتها او اطارها التنظيمي الخاص بها فاننا على استعداد لتوظيف وضم جهودنا وطاقاتنا اليه ، واذا لم يوجد مثل ذلك الاطارالمنظم فنحن على استعداد للتعاون مع الحركة والاعداد والتهيئة لاقامته وتأسيسه .. ومما تجدر الاشارة اليه ان حوارنا في هذه المرحلة وان كان قد اقتصر في مجمله على الاخ عبدالله عبدالعالم الا انه كان يقوم مباشرة باطلاع الرئيس ابرهيم الحمدي اولا باول على مضامين ومجريات ذلك الحوار ويتلقى منه التوجيهات الضرورية .. وفي نهاية المطاف بلغنا بان الحركة لاتملك مثل ذلك التنظيم الذي نشيراليه وان كان هناك شبه تنظيم يقتصرعلى قادة وحدات عسكرية وكبارالضباط ولا يوجد هناك عناصرمدنية اوتنظيم سياسي مدني .. وعليه توصلنا الى اتفاق بالشروع في التمهيد والاعداد لتأسيس عمل تنظيمي سياسي وبدءانا بالفعل في اعداد مشروع البرنامج السياسي والنظام الاساسي .. وهنا كانت هذه المحطة او المرحلة الثانية من الحوار او العلاقة قد حققت هدفها المرسوم وخلال هذه المحطة او المرحلة شهد خطابنا المؤيد والمساند سياسيا للحركة مستوى ملحوظا من التصعيد والتوسيع على مختلف الاصعدة ، وشاركت فيه لاول مرة رابطة طلاب اليمن – شمالا وجنوبا- في مصر والتي كانت خاضعة لسيطرة الناصريين عبر المهرجانات الطلابية والمناسبات الوطنية والقومية والفعاليات الثقافية واصدار البيانات السياسية المتضمنة لموقف تأييدي مساند للحركة وقائدها ، وكانت هذه الرابطة تعتبر – انذاك – المنبر السياسي الابرز والاكثرقوة و تأثيرا والمعبرعن الناصريين اضافة الى عدد من الروابط الطلابية اليمنية الخاضعة لسيطرة الناصريين فى بعض الد ول العربية والاجنبية بالاضافة الى حركة الناصريين الجماهيرية في اوساط فئات المجتمع ومنظماتها النقابية والاندية والاتحادات الطلابية والعمالية والقبائل والمغتربين والتعاونيات الاهلية للتطوير ولجان التصحيح المالي والاداري وغيرها .. المحطة الثالثة : وهي المحطة اوالمرحلة الثا لثة والاخيرة التي توجت المحطات اوالمراحل السابقة ووصلت بالحوارالى ذروته ونهايته الايجابية ، كما سنتبين ذلك لاحقا .. هذه المحطة اوالمرحلة دفعت بالحواروطبيعته واسلوبه وغايته خطوة نوعية كبيرة وحاسمة الى الامام وهي خطوة لم تعتمد في اسلوبها مثلما كانت عليه المحطتان اوالمرحلتان السابقتان على التقرب والاقتراب غير المباشر والموارب والمموه ، بل اعتمد على اسلوب مباشروواضح ومكشوف .. وقد لعب الدورالاكبر فيها وقادها الشهيد عيسى محمد سيف شخصيا بعد عودته من القاهرة الى ارض الوطن حيث سبقت معرفة شخصية وحوار سياسي علني بين الرئيس الشهيد /ابراهيم الحمدي خلال السنة الثانية من عمرحركة 13يونيوفي احتفا ل ومهرجان خطابي كبيراقامته في القاهرة رابطة الطلاب اليمنيين – شمالا وجنوبا – في مصر بمناسبة عيد الثورة اليمنية 26سبتمبر ، وصادف وجود الرئيس الحمدي هناك في زيارة رسمية لمصرحيث قررالحضوروالمشاركة في ذلك الاحتفال ، والواقع ان الشهيد الحمدي اعجب اعجابا كبيرا بشخصية الشهيد عيسى وسعة ثقافته وقدرته الحوارية والسياسية واعطاه رقم تليفونه الخاص في مكتبه بالقياده العامة بصنعاء طالبا منه فورعودته الى صنعاء الاتصال به واللقاء معه .. وكان الشهيد عيسى على علم ومتابعة بمجريات ونتائج حوارات المحطتين او المرحلتين السابقتين ومباركا لها وهو في القاهرة ، وكان يعلم او يعرف الاخ عبدالله عبدالعالم معرفة تنظيمية مباشرة فهو من تولى اوشارك في عملية استقطابه وضمه الى التنظيم الناصري با لغ السرية انذاك في اوائل الستينيات ، في حين لم نكن نحن الذين تولينا مهمة ادارة الحوارات خلال المحطتين السابقتين على معرفة شخصيةاو تنظيمية مباشرة بالاخ/عبدالله عبدالعالم .. وهكذا وعلى اثرعودة الشهيد عيسى محمد سيف الى صنعاء التقى بالاخ عبدالله عبدالعالم وطرح له حقيقة الامربشكل واضح ومباشر ، ثم التقى بالرئيس الحمدي بمكتبه بالقيادة العامة للقوات المسلحة لقاء مطولا استمر حوالي ثلاث ساعات دار الحديث خلالها حول جملة من القضايا السياسية والفكرية والاوضاع الوطنية والقومية والعالمية وهموم ومشاكل ومعوقات التغييروالعمل الوطني وشروطه وضماناته وغيرذلك من القضايا وفيه اوضح الشهيد عيسى للرئيس الحمدي لاول مرة وبشكل مباشر وصريح عن وجود تنظيم ناصري في اليمن يعمل منذ اوائل الستينات مقدما صورة عامة عن طبيعة نطاق حركته وفكره وتوجهاته وغير ذلك من الجوانب الرئيسية العامة، ومؤكدا ان الهدف الاساسي من وراء هذا التنظيم هو تغييرالواقع السلبي السيئ المعاش وبناء المستقبل الواعد المشرق على ارضنا اليمن ووطننا العربي الكبير وانه ليس مهما لدينا ان تتحقق تلك الاهداف والتطلعا ت من خلالنا وحدنا وانما نهتم بتحقيقها على الواقع بصرف النظر عن الجهة او القوة السياسية التي تحققها ومن واجبنا الوقوف والتأييد لكل جهد واتجاه نحوها ، ومن هذا المنطلق فنحن نعتبر حركة 13يونيو صاحبة مشروع لايختلف عن اهدافنا ومساعينا وحركتنا ونشعر بان كلينا يقف في خندق واحد وينتظم في مسيرة واحدة ولهذا وقفنا معها وايدناها بكل ما نستطيع منذ بدايتها ، ونحن نشعر بأهمية وضرورة ان تتوحد جهودنا وتتضافر قوانا في اطار وعمل واحد لتحقيق اهدافنا وغايا تنا المشتركة والواحدة ، كاشفا له خلفية و حقيقة ما قمنا به خلال المحطتين اوالمرحلتين السابقتين من حوارات والاهداف التي توخينا تحقيقها من ورائها .. وبعد هذا اللقاء توالت سلسلة من اللقاءات والحوارات الجادة والمعمقة والشاملة في اطار من الشعور العالي بالمسئولية والايجا بية بين الرئيس الحمدي ومعه الاخ عبدالله عبدالعالم من جهة وبين الشهيد عيسى محمد سيف ومعه عدد محدود من قيادة التنظيم الناصري في اطارمن التكتم والسرية كانت تعقد احيانا في منزل الاخ عبدالله عبدالعالم واحيانا قليلة في منزل الرئيس الحمدي ولما كانت هذه اللقاءات والحوارات حاسمة ومصيرية وبالغة الاهمية في مسارها ونتائجها فانه من الضروري والمفيد ان نعطي صورة عامة لاجوائها والقضايا الجوهرية التي تناولتها والنتائج التي تمخضت عنها تحقيقا لمعرفة وادراك اكثر دقة وشمولا .. وفي هذا الصدد فانه بامكاني القول ان تلك اللقاءات والحوارات مرت بمرحلتين اسا سيتين هما : المرحلة الاولى : وكانت ذات طبيعة ومسار يغلب عليه الطا بع الاستطلاعي الاستكشافي وخاصة من جانب الرئيس الحمدي الذي كان شديد الحرص على تكوين اعمق وادق واوسع معرفة وادراك لماهية هذا التنظيم وتركيبه واهدافه وشعاراته وحركته وفكره وتوجهه .. المرحلة الثانية : حيث اصبح طابعها الغالب اتفاقي تأ سيسي بنائي يتمحورحول كيفية ووسائل بناء وتطوير الاداة التنظيمية الجديدة وطبيعة واساليب عملها وحركتها وبرنامجها وخططها واهدافها وغاياتها .. ففي المرحلة الاولى كانت امام الرئيس الحمدي صورة وافية وواضحة للتنظيم من حيث اسمه وطبيعته وتركيبه وفكره وتوجهاته واهدافه الخ.. واهم جوانب تلك الصورة تتمثل بالاتي : * ان التنظيم الناصري في اليمن كان جزءا من تنظيم قومي واحد انشئ قبل سنوات قليلة ماضية تحت اسم ” الطليعة العربية ” وان تنظيم اليمن هو فرع للطليعة العربية في اليمن وان التنظيم القومي ذاك له قيادة قومية واحدة وقيادة فرعيه في اليمن هي قيادة فرعية.. * ان ذلك التنظيم القومي وفروعه في الساحات العربيه كا ن ملتزما فكريا وسياسيا بالفكرالذي صاغه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وتجربتة السيا سية في الحكم على مستوى القطر المصري؛ وخاصة الوثائق الفكرية الثلاث- فلسفة الثورة- والميثاق الوطني- وبيان او برنامج 30مارس- والشعارات الكبرى الملتزم بها تتحدد بالحريه والاشتراكيه والوحده. * تبين للرئيس الحمدي عدم انتماء بعض الوجوه اوالشخصيات السياسية المخضرمة الكبيرة الي التنظيم وان الصفة الغالبة على تركيبه طلابية شبا بية وكان هذا مبعث ارتياح لدى الرئيس الحمدي. وبالمقابل وضع امام الناصريين صوره اكثر تحديدا ووضوحا حول حركة 13يونيو وكيف قامت وما هي طبيعتها واهدافها، وهى صورة اكدت الاستنتاج الذي وصل اليه الناصريون حولها وخاصة عدم انتمائها الي اداة تنظيمية او اطار سياسي منظم عسكري او مدني، وتبين لهم ان الأمرلا يعدوكونه مجرد علاقات اوارتباطات تنظيمية فردية بسيطة تربط بعض القادة العسكريين ببعضهم في اطار شخصي بالغالب. بعد هذا الوضوح المتبادل دارت نقاشات وحوارات واسعه وخصبة ومعمقة تتسم بشعور رفيع بالحرص والمسئولية حول قضيتين رئيسيتين وهما : الاولى : تتعلق بمسألة التنظيم القومي وحقيقة كون التنظيم في اليمن جزءا او فرعا تابعا له ولقيادته القومية وما يتفرع عن ذلك من اشكالية معقدة فيما يخص علاقته وتعامله مع دولة قطرية. الثانية : وتدور حول الشعارات الاستراتيجية للتنظيم حرية-اشتراكية-وحده، حيث تركزت النقاشات والحوارات حول شعار”الاشتراكية”.. وحول هاتين القضيتين الرئيسيتين طرح الرئيس الحمدي اراء تتسم بقدر كبير من العمق و المسئولية والواقعية مشيرا فيما يتعلق بالقضية الاولى بأن الوطن العربي يعيش في ظل واقع تسود وتتحكم فيه حقائق التجزئة والدول القطرية بكل ما يترتب على حقيقة الدوله القطرية من اعتبارات ونتائج سياسية وقانونية ودستورية وسيادة المسئولية مما يتصادم ويتنافرمع واقع وجود تنظيم قومي واحد ساحته ومجا ل حركته الوطن العربي على امتداده، وفي ظل رغبتنا وسعينا الى ايجاد اطار سياسي تنظيمي واحد يوحد وينظم جهودنا وطاقاتنا على الصعيد الوطني القطري فسوف تنشأ اشكالات وتعقيدات حقيقية وعميقة تتعلق بحدود مسئولية التنظيم ونطاق حركته التنظيمية ومرجعيتة القيادية وكيفية التعامل معها فى ظل تنظيم قومي حركته وقيادته تتعدى النطاق الوطني مؤكداعلى حقيقة الايمان المشترك بيننا حول الوحدة العربية والمنطلقات القومية. وفيما يتعلق بالقضية الثانية الخاصة بشعار “الاشتراكية” اوضح انه شخصيا يفهم ويدرك ما تعنيه الاشتراكية وهو مقتنع بأهدافها وغاياتها الانسانية في العدل والمساواه ، لكن المشكلة ان “الاشتراكية” كمفهوم وبسبب التطبيقات السيئة والمشوهة والمنحرفة لها في كثيرمن بلدان العالم الثالث فأنها قد ابتذ لت وافرغت من محتواها الحقيقي واصبحت تعطي شعورا وانطباعا سلبيا ومنفرا عند الكثيرين، ونحن في اليمن عامة، وفي اوساط الجيش والامن خاصة ، اذا طرحنا واستخدمنا شعار”الاشتراكيه” فسوف نواجه بنفورواسع بل والى مواجهات وعداوات لسنا بحاجة لها ولهذا فهويقترح استبدال الاشتراكية بشعار”العدالة الاجتماعية” وراح يسهب في شرح وتأصيل شعار “العدالة الاجتماعية” من ناحية اللغة والمصطلح بأنه اكثرعمقا وشمولآ وتحديدا من شعار “الاشتراكية” اذا كان قصدنا هوالهدف والغايه من الشعار ومضمونه وليس لفظه.. وبعد حوارات ونقاشات جادة وعميقة وواسعة بين الطرفين تم الاتفاق بينهما كاملآعلى : 1- فك الارتباط والعلاقة التنظيمية بين التنظيم الناصري في اليمن “او فرع الطليعة في اليمن” بالتنظيم القومي وتغييراسمه وتحويله الى تنظيم وطني الحركة مع بقاء منطلقاته الفكرية قومية الابعاد والغايات ، بمعنى اخرصارالتنظيم في اليمن في تركيبته ومجال حركتة ومسئوليه وقيادته يمنيا صرفا واتفق على ان تطلق عليه تسمية “الطلائع الوحدوية اليمنية”.. 2- استبدال شعارالاشتراكيه بشعارالعدالة الاجتماعية بحيث تصبح الشعارات الاستراتيجيه للتنظيم بصورته الجديدة حريه-عداله اجتماعية-وحده . المرحلة الثانيه : والتي اتسمت بالطابع البنائي التأسيسي الايجابي في الحوار ونتائجه ، وقد تركزت الحوارات والمناقشات في هذه المرحلة على كيفية بناء وتوسيع قاعدة التنظيم الجديد في حركته ومجالاتها ،وخاصة اساليب ووسائل العمل السياسي التنظيمي داخل وحدات الجيش والامن وفي اطار هذه المرحلة التي اتخذ ت طابع العمل الميداني الحركي اتفق على خطوتين اساسيتين هما : الخطوة الاولى : تشكيل لجنة مشتركة تكونت من ثمانية اعضاء اربعة يمثلون قيادات التنظيم المدني واربعة يمثلون القيادات العسكريه؛ والثمانية هم تحديدا : 1- عيسى محمد سيف الامين العام للتنظيم 2- سالم محمد السقاف الامين العام المساعد 3- عبد السلام محمد مقبل عضو القيادة التنفيذية المسئول السياسي 4- محمد احمد العفيف عضو القيادة التنفيذية المسئول الامني 5- المقدم/احمد حسين الغشمي عضومجلس القيادة نائب القائد العام رئيس هيئة الاركان العامه 6- المقدم/عبد الله عبدالعالم عضو مجلس القيادة قائد قوات المظلات 7- المقدم/عبدالله محمد الحمدي قائد قوات العمالقه 8 – الرائد/علي قناف زهره قائد اللواء السابع مدرع واوكلت الى هذه اللجنة مهمة وضع برنامج وخطة العمل والتحرك التنظيمي داخل وحدات القوات المسلحه والامن وخاصة قادة الوحدات والالوية العسكرية والامنية والاشراف ومتابعة خطوات العمل ودراسة اية معوقات وصعوبات ووضع الحلول لتجاوزها. الخطوة الثانية : اختيارمجموعة من كوادر التنظيم المدنية من بين اكثر الكوادر وعيا وخبرة وقدرة وتعيينهم مسئولي التوعية السياسية داخل الوحدات والالوية بحيث اصبح هناك مسئولا سياسيا مدنيا لدى كل وحدة اولواء عسكري . كما اذكربانه نوقشت مع الرئيس الشهيد الحمدي وداخل اللجنة المشاراليها ظاهرة انتشار تعاطي المشروبات الروحية بين ضباط وافراد الجيش والامن واسبابها ومخاطرها وابعادها ووصفت معالم خطة عمل لمعالجتها والقضاء عليها اوعلى الاقل الحد من انتشارها الى اقصى حد ممكن.. وهكذا يتضح امامنا من خلال السياق العام انفا ان المسألة لم تكن محصورة في شروط هذا الطرف او ذاك ، ولاكانت محصورة في نطاق انضمام اوالتحاق الشهيد الحمدي وزملائه بالتنظيم الناصري، بل كانت عملية بحث ودراسة مختلف الجوانب الفكرية والسياسية والتنظيمية المتعلقة بتأسيس وبناء اواعادة بناء تنظيم سياسي جديد مختلف الى حد كبيرعن التنظيم الناصري السري الذي كان قائما انذاك حيث كان من المفترض ان يكون هذا التنظيم في تأسيسه من حيث النطاق الجغرافي لحركتة وطبيعتها الوطنية ومنطلقاته الفكرية والسياسية الوطنية والقومية معا كان مفترضا ان يكون هوالاخرسري الوجود والحركة . سؤال : يطرح ان مجئ الحمدي الى السلطة كان برضى سعودي.. ما دقة هذا الطرح، خصوصا والمعلومات تشير الى انه التقى بالملحق العسكري السعودي قبل ساعات من استقالة الشيخ/عبدالله الاحمر وحل مجلس الشورى؟ في الحقيقة ان هذه القضية ذات طابع مهم جدا وحساس ، ولهذا فأنه يتوجب علينا معالجتها والنظراليها في اطاروبمنظورمرحلتها التاريخية زمانا وظروفا موضوعية وواقع خاص انذاك وليس بمنظورواوضاع وظروف وحقائق مرحلتنا الراهنة ، وذلك حرص على وضعها في سياقها التاريخي الصحيح والدقيق..وبادئ ذي بدء ، لابد من الاشارة بالتوضيح الى جملة من الحقائق اهمها وابرزها : 1- ان الاوضاع العامة في البلاد ، كانت قد وصلت ، في مجالاتها الاقتصادية والادارية والاجتماعية ، انذاك الي مستوى كبيرمن التردي والتدهوروالانفلات عكس نفسه سلبا على قطاعات واسعة من الرأي عاشت حالة محسوسة وملموسة من التململ وعدم الرضى والسخط العام 2- ان النظام السياسي القائم انذاك كان يعيش حالة مستحكمة من التأزم العميق نتيجة تصاعد واستفحال الخلافات والصراعات بين الاطراف والقوى الناقدة المكونة لتركيبة النظام ، وهو وضع نتج عنه اصابة دورونفوذ وسلطة الدولة بالشلل والعجزعن اداء مهامها والقيام بمسئوليتها ولم تجد كل محاولات اخراج النظام من ازمته العميقة نفعا.. 3- وبسبب تردي وتدهورالاوضاع العامة في البلاد وازمة الحكم المستعصية ، فقد ساد الشعب شعورواحساس عميقين وواسعي النطاق بضرورة التغيير الجذري ، وكل من عاصروعايش اجواء تلك المرحلة يدرك بأن قطاعات واسعة من الرأي العام المحلي كان يتوقع حدوث التغيير بين لحظة واخرى.. 4- وكانت علاقات اليمن بالسعودية قد بلغت اوج ازدهارها وتوسعها وتعمقها ، منذ اعادتها بعد “المصالحة الوطنية” التي تمت مع القوى الملكية واعتراف السعودية اثرها بالنظام الجمهوري في اواسط عام 1970م ، وبحكم حجم تلك العلاقات وتناميها وشمولها لكافة المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والامنية ، اصبحت المملكة العربية السعودية صاحبة التأ ثيروالنفوذ الاول والاكبروالاقوى في اليمن ، ومما لاشك فيه ان السعودية قدمت لليمن ، خلال تلك الفترة والفترة التالية لها مساعدات مالية واقتصادية وتعليمية وصحية وعسكرية وامنية مهمة وكبيرة ، غير ان تللك العلاقات الحميمة والخاصة خيمت عليها بعض الغيوم وسحب الاختلافات وسؤ التفاهم بين قيادتي البلدين خلال السنوات القليلة الاولى من عقد السبعينيات 72-74 والمعروف ان سبب ذلك يعودالى اختلاف وجهتي نظرالقيادتين بشأ ن مشكلة الحدودالمعلقة بينهما .. وكانت السعودية تتولى بشكل اخص مهمة تدريب وتسليح وبناء الجيش اليمني ، بل وتمويل ميزانيتة المالية السنوية ، ولهذا الغرض كانت هناك بعثة عسكرية رفيعة المستوى وكبيرة العدد خصص مقرا لعملها جزء من مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة ، كما كانت هناك بعثا ت عسكرية من الضباط اليمنيين في مختلف افرع وتخصصات القوات المسلحة للدراسة في الكليات العسكرية السعودية ، وهذه العلاقات الواسعة والبالغة الاهمية والحساسية في المجال العسكري والامني كانت تحت مسئولية وادارة الملحق العسكري السعودي ، ونتيجة لها اصبح محط اهتمام الدوائر العسكرية والسياسية والشعبية على حد سواء وذلك ما اكسبه نفوذا وتأ ثيرا واسعا اهله للخوض في العديد من الشئون الداخلية والواقع ان ذلك يعود في الغا لب الاعم الى رغبة وطلب وتشجيع القيادات اليمنية نفسها .. وفي ظل هذه الحقيقة وكشأن العلاقات التي تنشأ بين مختلف دول العالم والتي تهدف كل الد ول من خلالها الى تحقيق مصالحها الحيوية لدى الدول الاخرى والعمل باستمرارعلى حما يتها والدفاع عنها وتطويرها وتعزيزها على نحو مستمر ومتواصل ، وخاصة تجاه الدول المجاورة لها جغرافيا ، فأنها عادة ما تكون معنية ومهتمه مباشرة بمتابعة ورصد وتحليل وجمع المعلومات حول كل ما يتعلق بتطورات ومجريات الاوضاع الداخلية وطبيعتها واحتمالاتها المستقبلية ، والتدخل بمختلف السبل والوسائل للتأ ثيرعليها ضمانا او للحيلولة ما امكن دون تطورها في مسارات سلبية اوضارة بمصالحها الحيوية ، وكلما كانت علاقات دوله باخرى قوية ومزدهرة وشاملة كلما زاد ذلك الاهتمام والمتابعة والعمل بشتى الوسائل والسبل لأبقاء واستمرارعلاقات صداقتها بالدول الاخرى وضمان عدم تحولها الى الضد اما بطريقة غيرمباشرة كأن تستخدم المصالح الاقتصادية والمنافع المتبادلة بمفهومها الواسع كوسيلة تأ ثيروضغط سياسي اوباللجؤ الى اغلاق الحدود والغاء الامتيازات والتسهيلات او بطريقة مباشرة با للجؤ الى التدخل المباشرواستخدام القوة المسلحة “اي الحرب” وهذه لا تتم الا في حالات استثنائية نادرة كخيار اخير ، ولهذا تجد نماذج عديدة للعلاقات بين دولتين تكون بينهما علاقات استراتيجية حميمة وخاصة اذا كانت متجاورة حيث تتسم بقدر كبير من التأ ثير والتداخل الواسع بين ماهو داخلي يدخل في نطاق السيادة الوطنية ، وما هو خارجي في وسائل واشكال التدخل والتأ ثيروالضغط الذي تمارسه دولة في مجريات الاوضاع الداخلية للدولة الصديقة والتحكم في قرارها السياسي الداخلي .. وفي هذا الاطار ، وبهذا المنظار ، وبالنظر الى طبيعة وحجم ومتانة واهمية العلاقات الاستراتيجية التي كانت قائمة بين اليمن والسعودية انذاك ، فقد كان متوقعا وطبيعيا ، بل ضروريا ، ان تكون السعودية اكثراهتماما واشد سعيا لمراقبة ومتابعة مجريات الاوضاع الداخلية في اليمن ومساراتها ومؤشرات احتمالاتها المستقبلية ، وبالتالي ان تعمل بكل السبل والوسائل الى ضمان عدم تحولها من دائرة الصداقة الى دائرة العداء ، للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية الحيوية .. وعلى الجانب الاخر فقد كان العقيد/ابراهيم الحمدي بخصائص وصفات شخصيته القيادية السياسية والعسكرية المرموقة التي تولاها في تركيبة الدولة ، وادواره ومواقفه المتميزة الايجابية الهامة في معالجة اوبالاصح تقديم مبادرات لمعالجة الاختلالات والانفلات والفساد السائد داخل الحكم ، يمثل الشخصية الوطنية الاكثر بروزا وتألقا ، وكانت الاوساط السياسية والرأى العام المحلي وكذلك الدوائر الخارجية تجمع الرأى بأنه يمثل قائد المستقبل لليمن .. يقول الفقيد الكبير العميد يحي محمد المتوكل ، في مقابلة شاملة اجرتها معه صحيفة “الخليج” الاماراتيه في 10/12/2000م ” كان الحمدي عندما جاءت حركة 13يونيو1974م الشخص الاكثر تواجدا داخل القوات المسلحة خاصة بعد ان اعيد تعيينه نائبا للقائد العام للقوات المسلحة ، كما كان الاكثر قبولا داخل اوساط القيادات السياسية والقبلية “.. وكان من خلال موقعه كنائب للقائد العام للقوات المسلحة ، قبل ان يصبح رئيسا ، على علاقة مباشرة بالعلاقات الخاصة مع السعودية ، من خلال مسئوليتة في ادارة وتنظيم تلك العلاقات وخصوصا في المجال العسكري الذي احتل مكان كبيرا فيها ، وبالاضافة الى قيامه بزيارات رسمية على راس وفود عسكرية الى السعودية ، فقد كان من الطبيعي بل من الضروري ان تكون له صلات وعلاقات قوية مع السعودية ، شأنه في ذلك شأن الكثيرمن القيادات السياسية والعسكرية والقبلية في اليمن ، غير ان مجيئه الى السلطة في 13يونيو1974م لم يكن خياراسعوديا او وفقا لارادة سعودية ، بل جاء كخيار وطني ووفق ارادة داخلية اساسا .. فلقد كان الحمدي يحمل في ذهنه مشروعا وطنيا تحد يثيا ونهضويا واضحا منذ وقت مبكر وقبل اعادة علاقات السعودية با ليمن ، كما كان يملك تصورا واضحا ومتكاملا للتغييرووسائله نظريا وعمليا يعمل على تنفيذه ، ولهذا فعندما قدم رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبد الرحمن الارياني ، يرحمه الله ، استقالة المجلس الجمهوري الى مجلس الشورى وقبول الاخيرلها واستقالة رئيس مجلس الشورى الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر وتكليف الجيش بتحمل مسئوليته في الحيلولة دون انهيار سياسي كامل في البلاد ، كان ابراهيم الحمدي مستعدا تماما لتحمل تلك المسئولية ، حيث تبين انه كان يعد العدة لتنظيم وتنفيذ عملية التغييرمنذ وقت سابق بكثير ، وجاء تسارع الاحداث واستقالة السلطات التنفيذية والتشريعية للدولة بمثابة المسرع والمسوغ للقيام با لتغييرالذي ظل يعد له من قبل .. ومن المؤكد ان مجئ الحمدي للسلطة استند الى قناعة واجماع بين كافة القوى والفعاليات ذات التأثير والنفوذ سياسية وعسكرية وقبلية ، ولاقت مباركة وتأ ييدا شعبيا واسعا ، كما لاقت ترحيبا وارتياحا ومباركة سعودية فورية ، بالنظر الى قلق وتخوف السعودية من تردي الاوضاع وانهيارسلطات الدولة في اليمن وخروجه عن نطاق السيطرة والتحكم ، وما قد يشكله من خطورة وتهديد لمصالحها الاستراتيجية وامنها القومي عموما .. سؤال : عينت رئيسا لتحرير صحيفة 13يونيو الناطقة بلسان الجيش الذي يقود الدولة .. هل كان ذلك ضمن اتفاق ام تقييم شخصي ؟ بعد قيام حركة 13يونيو1974م بفترة كانت هناك افكار واراء وتصورات حول ضرورة اصدار صحيفة اسبوعية تعبر سياسيا عن حركة يونيو ،وكان هناك تنافسا اوتسابقا بين وزارة الاعلام وادارة الشئون العامة والتوجيه المعنوي للقوات المسلحة والتي كان مديرها الاخ الصديق الرائد/علي حسن الشاطر انذاك ، الذي قام با لتشاوروالتعاون مع الاستاذ الكبير الفقيد/محمد الزرقه رحمة الله عليه الذي كان انذاك رئيسا لتحرير صحيفة “الثورة” باعداد تصور حول اصدارصحيفة اسبوعية تحمل اسم” 13يونيو ” ورفعه الى الرئيس ابراهيم الحمدي ، وفي هذا التصور تم اقتراح ثلاثة اسماء مرشحة لرئاسة تلك الصحيفة المزمع تأسيسها ، وكان المرشح الاول هو الاستاذ الاد يب الشاعرالكبير عبدالله البردوني رحمة الله عليه ، فيما كان المرشح الثاني هو الاستاذ الفقيد محمد الزرقه ، وكنت انا المرشح الثا لث .. وبحسب ما عرفته من الاخ العميد علي حسن الشاطران الرئيس الحمدي بعد اطلاعه على التصوررأى ان المرشح الاول برغم مكانته الرفيعة الا ان ظروفه الخاصة لا تسمح له بتولي رئاسة تحرير صحيفة ، كما ان المرشح الثاني يشغل بالفعل رئيس تحرير صحيفة ” الثورة ” اليومية وليس بمستحسن ان يتولى رئاسة تحرير صحيفتين في ان واحد معا ، واستقررايه على المرشح الثا لث الذي هو انا ، حينها لم يكن الرئيس الحمدي رحمة الله عليه قد تعرف الي او عرفني شخصيا مطلقا ، اي انني لم يسبق ان التقيت به ، ولكن ربما انه كان يتابع المقالات التي اكتبها عن حركة 13يونيو وقائدها منذ المرحلة الاولى لقيامها ، واذكر اول مرة التقي به وجها لوجه بعد اصدار صحيفة” 13 يونيو” بفترة لابأس بها ، حيث كنت ذلك اليوم ضيفا على غداء الاخ العزيزالعميد علي الشاطر في منزله ، وبعد تناولنا طعام الغداء خرجنا من منزله- الاخ علي الشاطر وانا- في حدود الساعة الثالثة والنصف عصرا متوجهين الى الادارة ، وكنا الاثنان ومعنا سائق السيارة ، فخرجنا الى شارع فرعي صغير يفضي الى شارع مجاهد حاليا وصادف مرور الرئيس الشهيد الحمدي في سيارة ” حبه وربع ” ليس معه اية حراسة مسلحة وكان معه في السيارة سائقها فقط لاغير ، فلمحنا وتوقف ونزلنا نحن الاثنان من السيارة متجهين اليه ، فسلم عليه الاخ علي الشاطر وحياه بالتحية العسكرية ، وتبعتة في مصافحة الرئيس الحمدي ، ويبدو ان الاخ الصديق العزيزعلي الشاطر شعر اولمح ان المصافحة كانت عادية وان الحمدي لم يبدي اي اهتمام بي فأدرك ، ربما ، ان الرئيس لم يعرفني ، فسأل الرئيس ” هل تعرف هذا يا افندم ” فنظر الى واجاب بالنفي ، فعرفه بي باعتباري رئيسا لتحرير صحيفة ” 13يونيو ” فنظر الي وتبسم ابتسامته الهادئة المعبرة المعتادة عليه وقال : ” الاذن تعشق قبل العين احيانا ” ، وكان هذا الموقف اول تعارف شخصي وجها لوجه بيننا .. وعليه فأن اختياري لرئاسة تحرير الصحيفة لم يكن مبنيا على اتفاق مطلقا اذ لم تكن هناك حتى تلك اللحظة اية اتصالات اولقاءات مباشرة – كناصريين- بالرئيس الحمدي .. ولا شك ان اختياري يعود الفضل فيه الى الصديق العزيزعلي حسن الشاطريقينا .. سؤال : فصائل اليسار تقول ان الحمدي كان على اتصال بكل الاحزاب وليس الناصريين فقط ؟ اجل ، بالتأكيد كان الرئيس الحمدي مهتما الى ابعد حد وحريصا على ايجاد قنوات اتصال وحوارات بينه وبين الكثيرمن الاحزاب القائمة في الساحة ، وكانت انذاك تمارس نشاطها وحركتها في اطارمن السرية المطلقة حيث كانت الاحزاب محظورة دستوريا ، وكان اشد حرصا على ابقاء تلك القنوات مفتوحة ونشطة باستمرار، والواقع ان تلك القنوات والاتصالات والحوارات قائمة بالفعل منذ فترة طويلة قبل ان يصبح الحمدي رئيسا ، وكانت علاقاته تلك بالاحزاب وحواراته معها سابقة بكثيرعلى علاقته وحواراته بالناصريين ، وهذا ما سمعناه وفهمناه من الرئيس الحمدي شخصيا ومباشرة اثناء لقاءاتنا به لاحقا ، حيث اوضح لنا بأن صلاته وعلاقاته بقيادات حركة القوميين العرب وبالحزب الديمقراطي اليمني الثوري الذي قام على انقاض اوبديلا لحركة القوميين العرب في الفترة مابين 67- 1968م تعتبرالاقدم والاوثق حيث كان يحضر ويشارك في اجتماعات ومناقشات قيادة الحركة والحزب بعدها وانه لاتزال تربطه علاقات شخصية حميمة بالعديد من تلك القيادات لكنه اوضح لنا مؤكدا بأنه لم يكن منتميا اوملتزما حزبيا لحركة القوميين العرب او الحزب اليمني الديمقراطي الثوري بعدها على الاطلاق ، بيد ان عمق علاقاته وحميميتها كانت تبدو وكأنه واحدا منهم ، واضاف ان اخيه المقدم عبدالله محمد الحمدي- رحمه الله- كان منتميا وملتزما حزبيا في حركة القوميين العرب والحزب الديمقراطي الثوري بعدها ولبعض الوقت .. وبحسب ما سمعناه منه شخصيا فقد كانت له اتصالات وعلاقات وحوارات مع العديد من الاحزاب ومنها حزب الطليعة الشعبية وحزب العمل اليمني وحزب اتحاد الشعب الديمقراطي والمقاومين الثوريين وهي الااحزاب الاربعة التي شكلت فيما بعد مع الحزب الديمقراطي الثوري ما عرف بأسم ” حزب الوحدة الشعبية اليمني ” او ما عرف اختصار ب”حوشي” والذي كان بمثابة الفرع والامتداد التنظيمي للحزب الاشتراكي اليمني في الشمال . كما كانت له علاقات وصلات وحوارات مع حزب البعث العربي الاشتراكي- فرع اليمن- ، بل وايضا مع الاخوان المسلمين .. ولعل ما تجدرالاشارة اليه في هذا الصدد ، انه وبرغم ان اتصالاته وعلاقاته وحواراته مع الناصريين لم تبدأ كتنظيم اوكيان حزبي الا في مرحلة زمنية متأخره اي بعد ان اصبح الحمدي رئيسا ، تقريبا عند اواخر العام 1975م ، الا انه كان على اتصال حواري متقطع قبل ان يصبح رئيسا بسنوات قليلة ببعض الشخصيات المعروفة باتجاهها الناصري مثل الاخوة العقيد عبدالله العليبي والعقيد حسن الرميم والاخ/يحي عايض ، كما اقام علاقة وثيقة وحوارا سياسيا فيما بعد بالاستاذ/عبده نعمان عطاء الذي كان ابان فترة حكم القاضي عبدالرحمن الارياني- رحمه الله- عضوا منتخبا في مجلس الشورى ، والذي يعتبر المؤسس الاول والباني لاشكال الوجود والنشاط الناصري المنظم والحزبي في اليمن منذ اوائل الستينات ، اذ كان الحمدي يكن احتراما واعجابا كبيرا بمواقف الاستاذ عبده نعمان عطاء المبدئية والثابته والقوية من خلال مجلس الشورى ، الا ان تلك العلاقات اقتصرت على الجانب الشخصي والقضايا السيا سية العامة ، حيث كان الناصريون انذاك شديدي الحرص الى حد مبالغ فيه كثيرا بعدم الايحاء او الاشارة الى وجودهم الحزبي المنظم بحكم سرية العمل الحزبي ، ولم تأخذ تلك العلاقة والحواربعدها وحقيقتها الواضحة والعميقة الا في اواخر العام 1975م ، وفي هذا الوقت كانت هناك معلومات تجمعت لد ينا بوجود لقاءات وحوارات شبه منتظمة بين الرئيس الحمدي والاحزاب اليسارية الخمسة التي سبق الاشارة اليها والتي توحدت فيما بعد ضمن اطار “حزب الوحدة الشعبية” “حوشي” وكانت استنتاجا تنا بأ ن مثل تلك اللقاءات والحوارات تشير الى ان علاقة سياسية ما في طريقها للتبلور ، وعزز هذا الاستنتاج ان الرئيس الحمدي في بعض لقاءاتنا به كان يشير اشارات عامة الى مثل تلك اللقاءات والحوارات دون تفاصيل ، وكان يعبر عن احترام وتقدير لبعض قيادات تلك الاحزاب مثل الاستاذ/عبد الحميد حنيبر والاستاذ/احمد الحربي والاستاذ/احمد منصورابواصبع والعقيد سلطان امين القرشي ، وبدا انه شديد الاعجاب بشخصيات معينه لم تكن معروفة انذاك بما فيه الكفاية وكان احيانا ما يستفسر عنهم ويطلب معلومات عنهم وخاصة الاستاذ/محمد الشيباني الذي كان احد قيادات الحزب الديمقراطي وهناك شخصيات اخرى غيران من ذكرتهم انفا هم من اتذكرهم الان .. والحقيقة اننا ساهمنا – انذاك – وبشكل غير مباشر ، في افشال ووقف تلك اللقاءات والحوارات بين الرئيس الحمدي والاحزاب اليسارية الخمسة ، حيث وقع في ايدينا تعميما حزبيا سياسيا صادرعن حزب الطليعة الشعبية ، ذا طبيعة ” سرية للغاية ” وخاص ” للقيادات فقط ” وفيه تحديدا وتوضيحا لطبيعة الحوارواهدافه واسا ليبه مع الرئيس الحمدي وتشخيصا للوضع السياسي ، وكان ذلك التعميم السري في مجمله يشخص حركة 13 يونيو 1974م وقيادتها على انها حركة البرجوازية الصغيرة ، وانها حركة مرتبطة وعميلة لل”الرجعية السعودية” وتخدم مصالح ” القوى الامبريالية الراسمالية العالمية ” ، وان اللقاءات والحوارات التي تدور بين الاحزاب اليسارية ، ومنها الطليعة الشعبية ، هي حوارات ” تكتيكية ” تهدف الى المراوغة وكسب الوقت وتحقيق مصالح واهداف تلك الاحزاب ، وانها ليست ذات طبيعة ” استراتيجية ” هذا ما اتذكره مما ورد في ذلك التعميم ليس كما ورد بالنص ولكن بالمعنى والمضمون ، المهم اننا قمنا بابلاغ الرئيس الحمدي وسلمناه ذلك التعميم ، وعلمنا فيما بعد ، ان الرئيس الحمدي اتخذ رد فعل وموقفا حادا وحاسما واوقف ذلك الحوار واللقاءات بشكل كلي ونهائي ، وتبين لنا ، فيما بعد ، ان سبب هذا الموقف الحاد والحاسم والعنيف يعود الى شعور الحمدي بصدمة عنيفة حيث لم يكن يتوقع ان تكون رؤية وتقييم وموقف تلك الاحزاب على ذلك النحو ” التكتيكي ” المخادع ، وهذا ما يؤكد على نحو قاطع ان الرئيس الحمدي كان صادقا في علاقته وحواره معها وكان حريصا الى اقصى حد بالوصول الى صيغة سياسية لعلاقة وتنسيق وتعاون سياسي معها ، بهدف بناء قاعدة عريضة لجبهة وطنية او وحدة وطنية حقيقية .. اذ لو لم يكن هدفه ورؤيته على ذلك النحو لكان اتخذ موقفا مراوغا ومخادعا الى ان تتوفر امكانية توجيه ضربة قاصمة لها .. ولكنه اكتفى بانهاء العلاقة والحوار، ويبدو ان ذلك قد ساهم وعززالتوجه لدى الرئيس الحمدي بتصعيد الحوار مع الناصريين وتسريع الخطى في اتجاه خلق قناعة واحدة وصيغة عمل سياسي مشترك وموحد ، وهو ما تحقق بالفعل بعد فترة قصيرة لاحقة من الزمن .. سؤال : قبل اغتيا ل الحمدي كان الحديث عن اتفاق مع الرئيس سالم ربيع علي على الوحدة .. ماهي تفاصيل هذا الا تفاق ؟ وماذا اعديتم ليلة السفر الى الضالع للقاء الرئيسين ؟ واين كان موقفه من الصراع بين جناحي عبدالفتاح وسالمين في الجنوب ؟ من المؤكد ان العلاقة الحميمة الخاصة بين الرئيسين الحمدي وسالمين قد بدأت تتأسس وتتعمق وتتوسع منذ ما بعد قيام حركة 13يونيو1974م بفترة قصيرة ، وخاصة بعد بروز شخصية الحمدي كزعيم وطني استطاع ان يحقق شعبية هائلة في فترة وجيزة وبدأت بالظهور مؤشرات ودلائل توجهاته وافكارة الوطنية الشعبية الايجا بية ، وهي ما تم التحقق منها على نحو اوضح خلال اللقاءات التي جمعت الرئيسين في قعطبة اوالضا لع وغيرها ، على اثرها قام الرئيس سالم ربيع علي بزيارة خاصة وودية ومعة عائلته الى صنعاء خلال شهررمضان واستمرت كامل رمضان او معظمه ، وهي زيارة تميزت عن طبيعة زيارات سابقة مماثلة واختلفت عنها اختلافا كليا اذ خلت من الحراسات المسلحة الضخمة والاجراءات الامنية الرهيبة، ولا اصطحب معه المواد الغذائية ومياه الشرب وكل الاحتياجات الشخصية الاخرى كما كان يتم اثناء زيارات مماثلة سابقة ، بل كانت بسيطة وخالية من كل تلك المظاهروالاجراءات الاستثنائية التي كانت تؤكد على انعدام الثقة والمشاعرالعدائية المتبادلة بين الشطرين او القيادتين ، وحل هو وعائلته ضيوفا على الرئيس الحمدي في دارالضيافة بالقصر الجمهوري .. ومما لاشك فيه ان هذه الزيارة الطويلة اتسمت بارقى طابع اخوي عائلي حميمي بسيط ، كانت تاريخية وحاسمة في ارساء اعمق واوثق عرى العلاقة بين الرئيسين ، وخلالها يبدو ان الرئيسين قد توصلا الى اتفاق كامل حول ما يمكن ان نسميه بالمشروع الوطني النهضوي الشامل المتعلق بحاضر ومستقبل ودور اليمن القومي والانساني .. بما في ذلك الاتفاق الكامل على اعادة الوحدة اليمنية سريعا وطبيعة وشكل وتركيب دولتها ووسائل واساليب تحقيقها ، وكيفية مواجهة المعوقات والعقبا ت التي قد تعترض طريق تحقيقها وغيرذلك من التفاصيل .. واستدل على ذلك من خلال جملة من الحقائق والمؤشرات والدلالات ومن اهمها وابرزها الاتي : 1- كان الرئيس الحمدي يطرح على قيادة التنظيم وكان احد اعضائها شرحا مسهبا عن طبيعة زيارة الرئيس سالم ربيع علي الخاصة والطويلة وابعادها ودلالاتها البعيدة وما دار بينهما من حوارات واحاد يث ودية وشاملة شملت كل دقائق وتفاصيل الحياة الشخصية والعامة بالتركيز اكثرعلى الجوانب الشخصية والتي تطرقت الى الخصائص والصفات والمميزات التي يجب ان تتميز بها شخصيات ومكونات الزعماء والقادة التاريخيين وخاصة في الجوانب الانسانية والاجتماعية من حيث كونهم قد سخروا اونذروا كل حياتهم وفكرهم وحركتهم لصالح شعوبهم وبناء حاضرها ومستقبلها ولم يعد لهم – او هكذا ينبغي – اي هم اواهتمام بشئونهم ومصالحهم الشخصية ، موضحا ان جانبا من تلك الاحاديث او الحوارات دارت حول الزعماء والقادة ومسألة الثروة اوالملكية الخاصة ، حيث اصطحب الرئيس الحمدي ضيفه الرئيس سالم ربيع على الى منزل عائلة ومسقط رأس الرئيس الحمدي في منطقة ” ثلا ” ، وزارا معالمها التاريخية ، واثناء مرورهما بالمدينة اشارالحمدي الى منزلين يملكهما هناك وقال لسالمين انه تبرع باحدهما ليكون مستوصفا صحيا عاما للمنطقة ، موضحا الاتفاق والتطابق الكامل في وجهة نظرهما الاثنين تجاه القضايا الانسانية والرؤية الاجتماعية والعدالة وضرورة ترفع الزعماء والقادة عن النزول الى مستوى اللهث وراء كسب الثروة والملكية الشخصية .. واضاف الحمدي في شرحه انه اشرك بعض اعضاء مجلس القيادة وخاصة المقدم احمد حسين الغشمي عضو مجلس القيادة نائب القائد العام للقوات المسلحة ورئيس هيئة الاركان العامة في مجريات وتفا صيل هذا الحوار ، وكأنه اي الرئيس الحمدي كان حريصا على خلق اوسع قدرممكن من التقارب او التجانس في الرؤية والتفكير لدى الصف القيادي في الشمال والرئيس سالم ربيع علي .. ومما تجدر الاشارة اليه هنا ان الرئيس الحمدي كان في شرحه هذا يتفجرتحمسا ونشوة وابتهاجا معبرا عن احترامه وتقديره واعجابه العميق بشخصية ورؤى الرئيس سالم ربيع علي ، وكيف انهما يتطابقان تماما في تفكيرهما ورؤيتهما تجاه مختلف القضايا والمبادئ العامة .. 2- طلب الرئيس الحمدي من قيادة التنظيم تزويده خلال مدة اقصاها ثلاث ايام برؤية واضحة ومحددة حول حقيقة الصراع بين جناحي عبدالفتاح اسماعيل وسالم ربيع علي وهل هذا الصراع حقيقي ام تكتيكي من قبيل توزيع ادوارسياسية؟ ، واذا ما كان حقيقيا فما هي اسبابه وكيف يبدو ميزان القوى بينهما والى اي منهما تميل الكفة ؟.. والحقيقة ان النظام في الجنوب كان انذاك محاطا بسور حديدي ومغلقا الى حد شبه كلي بسبب القبضة الامنية الحديدية الصارمة بحيث يصعب الى اقصى حد على اية قوة سياسية ان تعرف وتتابع مجريات الاحداث الداخلية حيث تم تصفية كل المعارضين السياسيين بكل قسوه ، ولم يكن لدى التنظيم رؤية واضحة ومحددة مبنية على معلومات دقيقة لحقيقة الاوضاع الداخلية والصراعا ت السيا سية بين جناحي الحكم ،ولذلك كانت الرؤية المقدمة للرئيس الحمدي متسمة بالطا بع التحليلي الاستنتاجي بالغالب. 3- وكان الرئيس الحمدي قد بذل جهدا كبيرا بالتفاهم والتنسيق مع الرئيس سالم ربيع علي لانهاء حالة القطعية العدائية بين النظام في الجنوب والسعودية ، ونجح في اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين ، واهمية هذه الخطوة تتضح اذا علمنا بأنها كانت خطوة مطلوبة ومهمة بالنسبة للرئيس سالمين والجناح المؤيد له داخل النظام ومؤسساته الرسمية والحزبية والعسكرية والامنية ، في حين كان موقف الجناح الاخرمعارضا لها وضدها ، وموقف كلا الجناحين استند الى حسابات كل منهما على الصعيد الداخلي والاقليمي والدولي .. ومن خلال هذه المؤشرات والحقائق والدلالات ، وبالنظر الى التطور والتعمق الكبير للعلاقة بين الرئيسين ، يتضح جليا بأنهما توصلا الى اتفاق اوتصور متكامل يحقق التنسيق والتعاون والتكامل لجهودهما وقواهما وامكانياتهما في اتجاه الوصول الى هدف استراتيجي كبير .. فلقد كانت المعلومات المتوفرة لدينا انذاك تشير الى ان الرئيس الحمدي اتخذ سلسلة من التدابير والاجراءات لتقديم الدعم والمساندة المادية والعسكرية وخاصة تلك التي يحتاجها وتمثل ضرورة بالنسبة للرئيس سالمين ، وذلك بوسائل واساليب سرية للغاية كالتهريب واستغلال تبادل السلع والبضا ئع بين الشطرين ، بالاضافة الى لقاءات واتصالات عديدة كان المقدم عبدالله الحمدي -رحمه الله- يجريها في فترات ليست متباعدة مع قادة عسكريين وحزبيين من الجنوب في قعطبة والضالع وغيرها ..ومن خلال ما توفر لد ينا انذاك من معلومات محدودة سواء من خلال ما سمعناه مباشرة من الرئيس الحمدي او من مصادر اخرى ، فان المؤكد توصل الرئيسان الى رؤية واضحة ومحددة ومتكاملة ببرامجها وخططها واساليبها بشأن اعلان اعادة الوحدة اليمنية بين الشطرين وكيفية اقامة وبناء دولة الوحدة بما في ذلك الاجراءات والوسائل الكفيلة بتحييد وشل فاعلية القوى والاتجاهات المناوئة والرافضة للوحدة في الشطرين معا .. ويتضح من خلال تلك المعلومات المحدودة بأن الاسلوب والكيفية التي اتفق عليها الرئيسان لاقامة وبناء دولة الوحدة كانت ايجابية وفعالة وثابتة الاسس لانها استندت الى ارادة واحدة سادتها روح الثقة والتفاهم الاخوي الكامل ، وبدون تفاصيل وحقائق مؤكدة وقاطعة فأن المعالم الرئيسية لسيناريو اعلان الوحدة وبناء دولتها هي على النحو التالي : 1- سيعلن الرئيسان في خطا بيهما بمناسبة الاحتفال بذكرى ثورة 14اكتوبر المقام في عدن يوم 14/10/1977م اتفاقهما على اعادة الوحدة اليمنية والشروع في بناء دولتها .. 2- ووسط وفي ظل ما سيفجره ذلك الاعلان التاريخي من مشاعر الحما س والتأ ييد الشعبي منقطع النظير كما كان متوقعا ومؤكدا لكل المقاييس والحسابا ت ، سيتم دعوة المؤسسات الدستورية الحزبية والرسمية الى اجتماعات طارئة لمناقشة ودراسة الاعلان واقراره. 3- وفي نفس الوقت ستكون كافة الاجراءت والتدابيرالاحترازية المرسومة قد وضعت على اهبة الاستعداد وباعلى درجات الاستنفار للتصدي ومواجهة كافة المحاولات الهادفة الى عرقلة وافشال اعلان الوحدة بتعبئة واستنفاروالاستفادة من حالة الغليان الشعبي المؤيد للوحدة والمهيئا للدفاع عنها بكل قوة وحسم .. 4- ستجد القوى والاتجاهات التي لاتريد الوحدة وتعتبرها مهددة لمواقعها ومصالحها نفسها في موقف بالغ من الحساسية والحرج ، فاما ان تضطر للموافقة على الوحدة ولو على مضض وبعكس رؤيتها وقناعتها ، او انها تقف موقفا معارضا ومعاديا فتجد نفسها مدانة تاريخيا وسياسيا وهدفا لغضب شعبي هادرومشتعل ، وايا كان الموقف الذي ستتخذه فما كان بمقدوره ان يعوق اويوقف اويفشل هدف الوحدة وبناء دولتها والمضي قدما الى تحقيق غاياته لانها ستكون في مواجهة الجماهير الهائجة وهدفا لغضبها ونقمتها .. 5- في هذا الوقت ستبدأ الترتيبات والاجراءات الخاصة ببناء سلطات ومؤسسات واجهزة وهيئات ومرافق دولة الوحدة ليس على اساس عملية الدمج الالى لثنائيتها القائمة بكاملها وانما وفق اسس ومعاييرعلمية وادارية موضوعية وقد يتم الاستعانة بخبرات عربية ودولية في هذا الصدد ، بما في ذلك اعادة تنظيم وغربلة وتوزيع القوى العاملة في اجهزة الدولة ومؤسساتها بما يحقق اقصى استفادة من ادائها .. 6- وكان الرئيسان سيعتبران بمثابة قيادة مشتركة انتقالية عليا مهمتها اساسا ادارة سياسة خارجية واحدة وتوحيد الجيش وادارة المسائل المتعلقة بالدفاع بالاضافة الى متابعة والاشراف على عملية بناء هياكل الدولة الى ان تستكمل هذه العملية حيث سيعلن عن قيام دولة الوحدة اليمنية الواحدة .. 7- وكان الرئيسان قد سبق ان اتفقا بشكل دقيق وكامل على صيغة لتنظيم وتوزيع السلطات القيادية العليا للدولة القادمة بروح اخوية ولكنها صريحة وموضوعية ، وفق قاعدة التقاسم والشراكة الفعلية بين الرئيسين ، ومما فهمته انذاك انه اتفق على رأي الرئيس سالم ربيع علي ومؤداه انه في حالة ان يكون الرئيس القادم لدولة الوحدة من الشطر الشمالي فلابد ان تكون عاصمة الدولة عدن ، واذا ماكان الرئيس من الشطر الجنوبي تكون العاصمة صنعاء ، ويبدو ان الرئيس سالمين كان صاحب رؤية استراتيجية نافذة اذ كان حريصا في هذا المقترح على ابعاد الرئيس عن مناطق نفوذه حتي لا يتحصن بالقوى الموالية والقريبة اليه مما يحيط بالعاصمة ، وذلك لضمان اقصى قدرمن مدنية الدولة واستقرارها السياسي ، ومن جانب اخر فأن الاتفاق لم يكن قائما على قاعدة ان يكون احدهما رئيسا والاخر نائبا شكليا له ،بل يكون بمثابة الرجل الثاني بكامل صلاحياته ومسئولياته وهو ما اتفق على ان يكون رئيسا للحكومة اي رئيسا للسلطة التنفيذيه .. هذا ما علمته مستندا الى معلومات قليلة واستنتاجات كثيرة مبنية على شواهد ومؤشرات انذاك ، وقد لفت انتباهي ان الرئيس الحمدي كان قد وضع امام قيادة التنظيم طلبه باصطحاب شخصين من اعضاء التنظيم في زيارته التاريخية المرتقبة لعدن والتي كان من المقرر ان تبدأ في 12/10/1977م وهما الاخ الاستاذ/عبدالفتاح البصير وكان حينها الامين العام لاتحاد المغتربين اليمنيين والذي سيكون ضمن الوفد الرسمي ، وانا باعتباري احد اعضاء الفريق الاعلامي المرافق ، واشار ان الاخ عبدالفتاح سيكون موقعه في المنصة اما انا فيجب ان اكون بين الجماهير بحيث يتولى الاول تقييم ورصد المشاعروردود الافعال بين الجالسين في المنصة ويتولى الثاني تقييم ورصد المشاعر وردود الافعال بين الجماهير ، وهو ماخلق لدى انطباعا بان خطابات الرئيسين ستكون بالغة الاهمية وتاريخية الى حد يستوجب رصد المشاعر وتقويم ردود الافعال تجاهها .. سؤال : صف لنا تفاصيل يوم اغتيال الحمدي .. ماذا حدث تحديدا ؟ من اجل ان نضع قضية اغتيال الرئيس ابراهيم الحمدي في مكانها الصحيح وضمن سياق ظروفها التاريخية واجوائها التي سادت انذاك ، ارجو ان تسمح لي بالاشارة الى بعض الحقائق والمؤشرات والدلالات السابقة لعملية الاغتيال باعتبارها تشكل مجتمعة خلفية اساسية ترسل اضواء كاشفة حول ملابسات ودوافع وغايات الاغتيال وهي باختصار شديد تتمثل بالاتي : 1- ان الرئيس الحمدي كان يملك مشروعا وطنيا نهضويا متكاملا يسعى بكل تفكيره وجهده وحماسه الى تنفيذه وتجسيده عمليا على ارض الواقع لتطوير وتحديث اليمن وجعلها قوية ومزدهرة فور وصوله الى سدة الحكم وقيادة البلاد ، وحقق في هذا الصدد انجازات وخطوات متسارعة وطموحة للغاية في مجال التصحيح الاداري والمالي الشامل والجذري واجتثاث الفساد وحالة التسيب والفوضى والانفلات على طريق اقامة الدولة اليمنية القوية والحديثة التي اعتبرها الوسيلة الفعالة لجعل اليمن قوة محترمة وقوية مؤهلة للقيام بدورها وواجباتها ومسؤلياتها على الاصعدة الاقليمية والقومية والسياسة الدولية .. وكان ملموسا ومسلما به ، داخليا وخارجيا ، ان الحمدي نجح في تحقيق خطوات واسعة ومهمة على هذا الطريق خلال فترة زمنية قصيرة جدا وقياسية .. 2- قام الرئيس الحمدي بتحرك استراتيجي واسع النطاق يتسم بطموح بالغ وجراة واقدام واثق على المستوى الوطني والمستوى الاقليمي المحيط والمستوى الدولي العام ، بهدف بلورة وتأكيد وبناء دور سياسي اكبرواوسع واكثر فاعلية تلعبه اليمن على المستويات الثلاثة ، في ظل حقائق واعتبارات وظروف صراع دولي ممتد وحرب باردة شاملة بين القوتين العظميين- انذاك -،المعسكر الراسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ، والمعسكر الاشتراكي الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي ، ذلك الصراع المرير الذي امتدت اثاره وانعكاساته ونتائجه لتشمل العالم بأسره ، واتخذ من دول العالم الثا لث المسرح والميدان الرئيسي لمعاركه وتنافساته ومواجهاته.. فعلى المستوى الوطني ، راح الحمدي بدافع شعوره الوطني الوحدوي العارم الذي تملكه ، يقتحم افقا بالغ الحساسية والخطورة بهدف العمل على تحقيق اسمى واغلى هد ف وطني للشعب اليمني وهو اعادة وحدة الشعب والوطن وانهاء التجزئة والتشطيرغيرالطبيعي والظالم ، فكانت تلك العلاقة الاستراتيجية الحميمة التي نشأت بينه وبين اخيه الرئيس سالم ربيع علي ، وهي علاقة فرضتها و انشأتها وحدة الشعورالوطني الوحدوي العميق والراسخ بين الرئيسين وفكرهما وتوجهاتهما الواحدة ، حيث كادت تلك العلاقة ان تعلن قيام دولة الوحدة ، كما اوضحت ذلك انفا ..وكان سبب حساسية وخطورة هذا الافق حقيقة ان الشطر الجنوبي من الوطن كان منذ ما بعد الاستقلال قد حدد خياره الاستراتيجي بالارتباط بعلاقة سياسية تحالفية كاملة وشاملة مع المعسكر الدولي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي فاصبح منطقة نفوذ من الدرجة الاولى ، في حين كان الشطر الشمالي بدرجة ومستوى اضعف واقل محسوبا على المعسكر الغربي الراسمالي على نحو اواخر وبحكم ما تفرضه حالة الصراع العميق بينه وبين النظام في الشطر الجنوبي ، وعلى المستوى الاقليمي والقومي قاد الحمدي تحركا واسعا وفعالا ذات طبيعة استراتيجية ومهمة يتجه ،في محصلته النهائية الى رسم وبلورة وبناء وتأكيد دور سياسي اكبر واهم واقدر تلعبه اليمن في شئون المنطقة ،حيث عمل بنشاط متسارع الى خلق علاقة استراتيجية متينة وعميقة وراسخة مع الاشقاء في جمهورية مصر العربية اهم اهدافها وضع امكانيا ت وقدرات اليمن في خدمة وسبيل الصراع العربي الاسرائيلي ونصرة قضيته المركزية القضية الفلسطينية ، من خلال العمل والتنسيق والتكامل المشترك مع اكبر واقوى دولة عربية مواجهة للعدوان الاسرائيلي وهي مصر، وبموجب ذلك اقامت مصر تواجدا وقواعد عسكرية للجيش المصري في بعض المواقع والجزر اليمنية الحساسة والمهمة استراتيجيا في قلب المدخل الجنوبي للبحرالاحمر “باب المندب” بالنظر الى اهميته الاستراتيجية البالغة بالنسبة لواقع ومجريات الصراع العربي الاسرائيلي وللحيلولة دون قيام “اسرائيل” وحلفائها بالسيطرة العسكرية عليها .. اضافة الى سلسلة من المواقف والمبادرات والترتيبات السياسية المهمة والحيوية على المستوى القومي العربي والاقليمي ، حيث طرح الرئيس الحمدي في مؤتمر القمة العربية بعد اندلاع الحرب الاهلية اللبنا نية مباشرة مقترحا با لغ الاهمية – وان لم يؤخذ به – وهو الدعوة الى تأسيس وانشاء “قوة ردع عربية” واعدادها وتجهيزها بشكل نوعي ومتطوروقوي من النواحي التدريبية والتسليحية والتنظيمية تتولى التدخل لفض المنازعات المسلحة بين دولة عربية واخرى ووقف الحروب الاهلية الداخلية التي تنشب داخل دولة عربية ، كما هو حادث في لبنان ، والعمل على سرعة وقفها تمهيدا لحلها سلميا في النطاق العربي ، بحيث تكون هذه القوة تحت علم وامرة واشراف جامعة الدول العربية وتابعة لها ودائمة مستعددة للتدخل لوقف المنازعات والحروب الاهلية في وقت مبكر وقبل استفحالها واستعصائها على الحل ،وقد اثبتت الاحداث والتطورات اللاحقة حتى الان مدى الحاجة الملحة والضرورة القصوى لمثل تلك القوات في المراحل التالية وخاصة في الظروف العربية الراهنة ، ولكن بعد فوات الاوان .. وكذا العمل على اقامة تكتل سياسي اقليمي مهم وحيوي وتبني المبادرة والدعوة الى مؤتمر يضم الدول المطلة على ضفتي البحرالاحمرعقد بالفعل في مدينة تعزوضم اضافة الى شطري اليمن كل من الصومال وجيبوتي والسودان وربما اثيوبيا على ما اظن ، وواضح ما لمثل مبادرة كهذه من اثار وانعكاسات ونتائج سياسية واستراتيجية وعسكرية على طبيعة ومجريات الصراع العربي الاسرائيلي والتنافس الدولي الحاد والمرير في هذه المنطقة .. وعلى المستوى الدولي كان الرئيس الحمدي مهتما وحريصا للغايةالى اعادة وترتيب وصياغة علاقات اليمن الخارجية وخاصة مع القوى الدولية النافذة ، وفق رؤية جديدة تقوم على مبدأ تحقيق التوازن فيما بينها الى اقصى حد ممكن ، بحيث لا يقتصراعتماد اليمن واحدة منها بعينها ، وبما يتيح للسياسة الخارجية اليمنية مجالا اوسع واكثرمرونة لحرية الحركة والمناورة ويجنبها الوقوع تحت تأ ثير وهيمنة قوة معينة واحدة منها .. ونحو هذا الهدف استطاع الرئيس الحمدي بوجه خاص : 1- ان يؤسس ويبني علاقة خاصة ومتينة وهامة للغاية باسلوب هادئ وعملي وواع مع فرنسا ، وكانت زيارتة التاريخية لفرنسا اوائل عام 1976م تقريبا محاطة باهتمام فرنسي غير عادي حيث استقبل وفق مراسم وترتيبات دبلوماسية لاتتم عادة سوى لزعماء دول كبرى صديقة .. ويبدوان الحمدي كان يعمل في اتجاه يجعل من العلاقة بفرنسا علاقة استراتيجية شاملة ، علما ان الفرنسيين كانوا اول من زود الحمدي بخرائط ودراسات ومسوحات جيولوجية تظهردول حرة ، وتؤكد على وجود مخزون نفطي كبير ذي جدوى استثمارية اقتصادية ، وهو ما اعلن عنه الحمدي على ما اذكر ، او انه كان على وشك الاعلان عنه ، وابرام عقود استكشافية واستخراجية مع الشركات الفرنسية النفطية الكبرى . 2- تعزيز وتقوية علاقات اليمن بجمهورية الصين الشعبية والسعي الى تطويروتوسيع مجالاتها لتشمل المجالات الاقتصادية والصناعية والعسكرية والزراعية والثقافية وغيرها 3- العمل على تطوير العلاقات مع الاتحاد السوفيتي وخاصة في المجا ل العسكري التسليحي والتدريبي والعلمي الثقافي ، حيث عقدت عدد من صفقات الاسلحة اثارت انذاك استياء كبيرا لدى دول المحيط المجاور .. 4- هذا اضافة الى تطوير العلاقات مع عدد من الدول مثل كوريا الشمالية واليابان وايران والباكستان وباقي دول اروبا الشرقية .. 5- وفي الداخل ، اي على مستوى الشطر الشمالي من الوطن ، كانت الاجراءات والخطوات والتغييرات التي تقوم بها حركة 13يونيو التصحيحية ، تمضي بوتائر متسارعة جدا وعميقة وشاملة على طريق اعادة بناء الدولة المركزية الحديثة والمتطورة دولة النظام والقانون ، بمحاربة الفساد والانفلات والتسيب والفوضى ، وهو ما اوجب ازاحة وابعاد مراكز القوى العسكرية والسياسية والقبلية التي كانت تحتفظ لنفسها بمواقع قوية وواسعة ومؤثرة داخل وحدات الجيش والامن ومؤسسات الدولة وسلطاتها ، وهي بحكم طبيعتها وتكوينها تتعارض او لاتتفق مع التوجهات والاهداف التغييرية او التصحيحية الشاملة التي تريدها قيادة حركة 13يونيو لشعورها بأن تللك التوجهات والاهداف ستعمل على انهاء مصالحها ونفوذها .. ومما لا شك فيه ان كل تلك الاجراءات والمواقف والخطوات والتغييرات قد خلقت قاعدة لايستهان بها من المناوئين والمعاديين للحركة وتوجهاتها وكان معنى ذلك ان هناك قوة محلية ذات تأثيرلاباس به مستعدة للتحرك في اي وقت وظرف ملائمين .. كل هذه الادوار والتحركات والمبادرات والنشاطا ت المكثفة والواسعة والمتسارعة المتسمة بقدر كبير من الاهمية والحساسية والخطورة والتي شملت المستوى الوطني بشطريه الشمالي والجنوبي والمستوى الاقليمي القومي والدولي ،ولد شعورا بالمخاوف والقلق الحقيقي والجاد في اوساط القوتين الدوليتين العظميين انذاك وامتداداتها الاقليمية والمحلية ، حيث شعرت كل منهما وما تمثله بأن دورالحمدي وتحركه ومشروعه الطموح يمثل خطورة جادة على مصالحها واستراتيجيتها في المنطقة، والغريب ان كل واحدة منهما كانت تصنفه او تحسبه على الاخرى .. فمثلا العلاقة الوثيقه والحميمة التي جمعته بالرئيس سالم ربيع علي واتفاقهما الكلي على خطة عمل لتحقيق الوحدة اليمنية وما عرف عن الرئيس سالمين من استياء وتململ ورفض لواقع السيطرة والهيمنة السوفيتية الكاملة على كل شي في الشطر الجنوبي ونزوعه الوطني العميق ، اشعرت الاتحاد السوفيتي بخطورة بالغة تهدد مصالحه ومنطقة نفوذه الاستراتيجي المهم في الشطر الجنوبي وهو شعور شاركته القوى المحلية الموالية له هناك من التحرك المريب للرئيسين واهدافه مما لاشك انه تسرب شئ عنها اليه ، ونظر الاتحاد السوفيتي الى مثل ذلك التحرك الخطير على انه مدفوع من الغرب ومنسق معه ! وبالمقابل فان تحرك الحمدي وتعاونه الوثيق مع مصرعسكريا في المدخل الغربي للبحر الأحمر، بالاضافة الى توثق علاقاته مع الرئيس ربيع سالم علي والشطر الجنوبي من اليمن ، ومبادراته الى اقامة تكتل اقليمي مهم يضم الدول المطلة على ضفتي البحرالاحمر ، جعل الولايات المتحدة الامريكية تنظر الى الحمدي وسياساته وتحركاته تلك على انها تخدم مصالح واستراتيجية المعسكرالاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي ، كما ان العلاقة الاستراتيجية الخاصة التي اقامها الرئيس الحمدي مع فرنسا وهي صاحبة النفوذ في دولة جيبوتي وعدد من الدول الافريقية من شأنه ان يعطي فرنسا موطئ قدم على الضفة الاخرى من مضيق باب المندب ويعزز نفوذها وسيطرتها على المدخل الجنوبي للبحر الاحمر وذلك يعزز موقعها في اطار التنافس الامريكي-الفرنسي في المنطقة ويجعل النفوذ الفرنسي العسكري والسياسي حقيقة واقعة في منطقة الجزيرة والخليج التي ظلت امريكا تعتبرها منطقة نفوذ ، وبطبيعة الحا ل فأن بريطانيا تعتبر جزء لايتجزأ وتابعا للسياسة الامريكية . وهكذا يتضح جليا ان الرئيس الحمدي اعتبرانذاك مناوئا او معاديا للشرق والغرب على حد سواء وكذا القوى الاقليمية التابعة لهما في المنطقة ، كما ان القوى المحلية في الشطرين الشمالي والجنوبي والتي كانت لاتزال تتمتع بنفوذ وتأثير لايستهان به والتي تضررت مصالحها وابعدت عن مواقع نفوذها او تلك التي تتوقع نفس المصير ، كانت هي الاخرى على استعداد للوقوف الى جانب هذه القوة الدولية الكبرى اوتلك في العمل ضد الحمدي وحكمه ، اذا ما دعيت الى ذلك في اي لحظة .. وفي هذا الاطار ، وتحت تلك الظروف والاجواء والملابسات ، يمكننا ان نفهم دوافع وابعاد وغايات عملية اغتيال الرئيس الحمدي في صنعاء مساء يوم 11 اكتوبرعام 1977م وقبل يوم واحد من زيارته التاريخية الى عدن .. اما فيما يتعلق بتفاصيل عملية الاغتيا ل فأنه بحسب المعلومات التي تجمعت لدى التنظيم عقب الاغتيال مباشرة ، وبموجب تقرير قدمه الشهيد/عبدالسلام مقبل وزير الشئون الاجتماعية والعمل والشباب- انذاك- الى قيادة التنظيم ، ان المقدم /احمد حسين الغشمي كان قد اقام حفل غداء على شرف الاخ/عبدالسلام مقبل بمناسبة تعيينه وزيرا ، حضر الحفل كل من عضو مجلس القيادة رئيس مجلس الوزراء الاستاذ/عبدالعزيزعبدالغني ، والدكتور عبدالكريم الارياني وزير التربية والتعليم ، والمهندس/محمد احمد الجنيد وزير المالية هؤلاء من اذكرهم وكانت “العزومة” في منزل المقدم الغشمي بصنعاء ، وكان الغشمي قد اصرعلى المقدم عبدالله الحمدي قائد قوات المظلات اثناء خروجه من منزله بصنعاء عائدا الى مقر عمله بمدينة ذمار بالحضور والمشاركة في المأدبة حيث اوضح الغشمي ان حضوره سيخرس الدعايا ت المتداولة بوجود خلافات بينهما ، ثم وبحسب شهادة الاستاذ احمد عبده سعيد الذي كان وزيرا للتجارة والاقتصاد ثم مستشارا والذي كان في زيارة للرئيس الحمدي في منزل الرئيس حيث كان الحمدي شرع في تناول طعام الغداء ، حيث جاءه اتصال تليفوني من المقدم الغشمي يدعوه ويرجوه بالحاح لحضورالمأدبة وحاول الرئيس اقناعه انه قد شرع في تناول غدائه الا ان الغشمي الح باصرارعلى اهمية حضوره لاخراس واسكات الدعايات والشائعات السائدة والتي تروج بوجود خلافات ، حيث اضطر الرئيس الحمدي الى قيادة سيارته “الفولكس فاجن” والذهاب بمفرده وبدون حراسة الى منزل المقدم الغشمي ، وعند وصوله جلس لدقائق مع المدعوين ثم غادر الى داخل المنزل وبعدها انقطعت اخباره ، ولا نعلم اية تفاصيل عن كيفية الاغتيال ، وكل ما تواتر الينا من روايا ت ان المقدم عبدالله الحمدي كان قد اغتيل قبل وصول الرئيس الحمدي ، ومن معلومات الاخ الشهيد عبدالسلام مقبل فقد كان المقدم الغشمي في حالة اضطراب شديد وان المدعويين على مائدة الغداء لم يسمح بمغادرتهم الا بعد فترة ليست قصيرة من انتهائهم من تناول الغداء .. وكان الاستنتاج الذي توصلنا اليه ان تأخير السماح لهم بالمغادرة ربما كان بهدف اتخاذهم رهائن في حالة فشل عملية اغتيال الرئيس الحمدي .. من ناحية اخرى تجمعت لدينا معلومات بعدئذ انه كانت هناك عدة خطط بديلة لاغتيال الحمدي احداها يقضي انه في حالة فشل تنفيذ العملية الاولى يجري قصف مدفعي وصاروخي من معسكرالاحتياط العام في عصر لمنزل الرئيس الحمدي بهدف اغتياله على نحو مفاجئ .. واهم ما في الامر اننا علمنا في نهاية عام 1979م انه لولم يتم اغتيال الرئيس الحمدي في صنعاء فقد كا نت هناك خطة معدة لذلك لاغتيالة في عدن ، حيث علمت من احد اقاربي الذي كان في سلك الخدمة العسكرية في مطارعدن الدولي ان مجموعة من الافراد قامت بالتسلل سباحة من البحر واجتازت السلاك الشائكة ودخلت الى مواقع المدافع المضادة للطائرات المنصوبة في المطار وقامت بقتل اطقمها وحلت محلهم وان الخطة كانت تقضي بقصف طائرة الرئيس الحمدي اثناء استعدادها للهبوط في مطارعدن .. وهذه المعلومات تؤكد- من وجهة نظري-ان عملية اغتيا ل الرئيس الحمدي كانت خطة دبرتها قوى دولية ومحلية عديدة وليست من تدبير محلي على الاطلاق ..فالرئيس الحمدي ومشروعه الوطني الطموح والجسور والمواقف والخطوات المتسارعة والمتلاحقة في مختلف المجالات على طريق ذلك المشروع ، يبدو واضحا انه اثار تخوفات وقلق وشكوك على نطاق واسع محليا ودوليا واقليميا .. فالاتحاد السوفيتي والمعسكر الدولي الاشتراكي الموالي له ،على سبيل المثال كان يتابع ويرصد تحركات ومواقف وخطوات الحمدي وتنامي علاقة استراتيجية وثيقة بينه وبين الرئيس سالم ربيع علي في الشطر الجنوبي من اليمن وما قد يتمخض عنها ، معتبرا تحرك الحمدي واهدافه يمثل خطرا وتهديدا مباشرا لوجوده ونفوذه ومصالحه الاستراتيجية الحيوية في الشطر الجنوبي من اليمن والمنطقة الاقليمية المحيطة ، ولاشك ان الاتحاد السوفيتي قد نظر لتحرك الحمدي وابعاده واهدافه ليس بمعزل عن سياسات واهداف ومخططات المعسكر الدولي الغربي ، انسجاما مع رؤية وتقييم احزاب اليسا رالمحلي اليمني لهوية وطبيعة واهداف حركة 13 يونيو التي قادها الحمدي كما اشرنا سابقا اليه ،بالاضافة الى ماعرف عن الرئيس سالم ربيع علي من نزوع وطني عميق الجذورجعله غير راض عن الوجود والنفوذ والتأ ثير السوفيتي في كافة الشئون الداخلية للشطر الجنوبي .. والمعسكر الدولي الغربي بقيادة الولايا ت المتحدة الامريكية ساورته-هو الاخر-مشاعر القلق والمخاوف حول نوايا ودوافع واهداف التحرك السياسي للحمدي ،اولا تحركه وسياستة وعلاقته المتنامية بالرئيس سالم ربيع علي والنظام في الجنوب الذي يعتبره الغرب نظاما يساريا متطرفا ومواليا بالمطلق للاتحاد السوفيتي ، وثانيا العلاقات الاستراتيجية الخاصة التي يركز الحمدي تركيزا كبيرا على تأسيسها مع فرنسا وتأثير ذلك على توازنات القوى الدولية والنفوذ الامريكي المتفرد و الشامل على المنطقة ، وثالثا دعوته ومبادرته الى اقامة تكتل اقليمي للدول المطلة على ضفتي البحر الاحمر وعند مدخله الجنوبي خاصة ولأهميته الاستراتيجية البالغة لهذه المنطقة ، اضافة الى افساحه المجال لتأسيس تواجد عسكري مصري في هذه المنطقة كل ذلك كان يمثل تهديدا مباشرة للسياسة والمصالح الامريكية واخلال بتوازن قوى الصراع الدولي ابان مرحلة الحرب الباردة .. اعود ، بعد هذه الخلفية المفصلة ، الى سؤالك المتعلق بوصف يوم اغتيال الرئيس الحمدي ، في ذلك اليوم المشئوم يوم 11اكتوبر1977م كنت ارتب اموري استعدادا للسفر صباح اليوم التالي ضمن الوفد الاعلامي المرافق للرئيس الحمدي الى عدن ، وكمعظم ايام الاسبوع كان مقيلنا في ادارة التوجيه المعنوي لاعداد صحيفة 13يونيو للاصدار ، بعد مغرب اليوم كنت منهمكا في كتابة المقال الرئيسي وهو اخرمقال في الصحيفة وكان حول الزيارة التاريخية التي سيقوم بها الرئيس الحمدي الى عدن ، حينها تلقى الاخ الرائد علي حسن الشاطر مدير الادارة اتصالا هاتفيا من مكتب عضو مجلس القيادة رئيس هيئة الاركان العامة للقوات المسلحة المقدم احمد حسين الغشمي الذي طلب حضورنا ، الرائد/علي وانا ، فورا ، فلملمت اوراقي ولوح الكتابة ، واضطررنا الى التحرك مستخدمين حافلة “باص” الجنود حيث لم تكن سيارة المدير موجودة انذاك ، ونحن في طريقنا الى مبنى القيادة قلت للاخ العزيز علي الشاطر ماذا تعتقد يريدنا رئيس الاركان في مثل هذه الساعة حيث لم نعتاد مثل هذا الاتصال ، فقال ربما انه يريد تزويدك ببعض التوجيهات والتعليمات حول زيارتك او ربما اراد ان يحول لك ببعض المصاريف .. واول ما لفت انتباهي ونحن نقترب من بوابة القيادة ان البوابة ، على غير المعتاد ، مفتوحة بشكل كامل وحركة السيارات دخولا وخروجا مكثفة فقال الاخ الرائد علي الشاطران ذلك شئ طبيعي بحكم سفر الرئيس في اليوم التالي وقادة الوحدات والمسئولين عادة ما يتوافدون لتود يع الرئيس وتلقي التعليمات منه ومن رئيس الاركان .. فدخلنا وجلسنا في مكتب مدير مكتب رئيس الاركان الملحق لمكتبه ، وكان المكتب وما حوله يعج بالضباط والحرس الخاص برئيس الاركان وكان بعض كبار المسئولين يجيئون لدقائق ويذهبون ، ولم احس مطلقا بأى شئ غيرعادي ، اومريب ، فانكفأت لمواصلة كتابة مقالي ، بعد ذلك بفترة قصيرة دعاني الاخ العزيز الشاعر المقدم/احمد يحي العماد وسرت معه يرافقنا الاخ الرائد/علي الشاطر ودخلنا غرفة مستطيلة لانوافذ لها ملاصقة لمكتب رئيس الاركان وكان يجلس بها بعض من افراد الحرس الخاص ولاحظت عليهم مظاهر الارهاق والتعب وكانوا مدججين بالاسلحة ، وجلست في هذه الغرفة بمفردي مع الحرس بعد خروج الاخوين العماد والشاطر ، بعد دقائق عادا من جديد الى الغرفة وطلب المقدم احمد العماد من الحرس مغادرة الغرفة واغلق بابها وبقينا نحن ، الثلاثة فقط فيها ، وحتي هذه اللحظة لم اكن اعلم شيئا عما يجري مطلقا .. وقد بدأ الاخ العزيز المقدم احمد العماد الحديث بأسلوبه التلقائي البسيط والمباشر مشيرا بشكل عام ان حادثا مؤسفا قد حدث استهدف الرئيس الحمدي والمقدم عبدالله الحمدي وانه لاراد لقضاء الله وقدره وهذا ما حدث ونريد الان ان نكتب البيان الذي سيذاع حول الحاد ث ، وقد فهمت الكلام على نحو اخر وكأن محاولة انقلابية حدثت وفشلت لكن الاخ المقدم احمد العماد رد على بالقول ان القضية ليست انقلابا او غيره وكل ما في الامر ان الرئيس واخيه استدرجا الى مكان وغدربهما واستشهدا وكانت مفاجأه عاصفة وصاعقة هزتني من الاعماق ، بيد ان الاخ المقدم العماد قال لي بأسلوبه العذ ب ليس الان وقت الاصطدام او الانهيار ، ونريد ان نكتب البيان ، وبالفعل بدأنا هو وانا ، نحاول صياغة البيان ، وكل منا له اسلوبه وخلفيته على نحو انعكس على بداية صياغة البيان ، فقلت له باني ارى الاسلوب الافضل للصياغة هو اما ان يكتب هو مسودة البيان واقوم انا بمراجعتها ، او اكتب انا المسودة وهو يراجعها ، فاستحسن الفكرة وطلب مني صياغة مسودة البيان وخرج الاثنان وبقيت في الغرفة وحدي الى ان اكملت كتابة المسودة وسلمتها له ، وقد اعتمدت المسودة ، عدا تعديلات طفيفة هنا وهناك ، واعلن البيان على ما اذكرما بين الساعة الثامنة والتاسعة مساء تقريبا .. ليلتها بقيت في مبنى القيادة العامة حتى الساعة الثالثة والنصف فجرا تقريبا ، حيث طلب الاخوة الاعزاء المقدم احمد العماد والرائد علي الشاطروالرائد/محمد يحي الانسي الذي كان يشغل منصب السكرتير الخاص لرئيس الاركان العامة من المقدم احمد الغشمي عضو مجلس القيادة نائب القائد العام رئيس هيئة الاركان ، ان يسمح لي بالعودة الى منزلي لكي اتمكن من اخذ قسط من الراحة والنوم حتى اعود اليوم التالي الى القيادة لاحتياجهم الى وجودي لتلقي اسئلة ومقابلة الصحفيين والرد عليها .. وبالفعل عدت الى منزلي ، ورجعت الى القيادة وكنت ابقى هناك الى ساعة متأخرة من الليل اعود بعدها الى منزلي وهكذا لايام عديدة . في تلك الليلة المشئومة قام الاخوة في قيادة التنظيم عيسى محمد سيف وسالم محمد السقاف وعبدالسلام مقبل بزيارة المقدم الغشمي في مقره بالقيادة العامة بهدف تقديم التعزية ومعرفة تفاصيل ما حدث حيث طرح عليهم الرواية المعروفة والمعلنة بعد ذلك لما حدث مشيرا انه طالما نصح الرئيس الحمدي هو وكثيرمن الزملاء في مجلس القيادة وخارجه بان لا يتحرك بدون حراسة ابدا ولكن الشهيد الحمدي لم يكن مهتما بهذا الجانب ولهذا حدث ما حدث . ولم يفت الاخوة قيادة التنظيم ان يؤكدوا بان الشهيد الحمدي يمثل خسارة فادحة ولكن الامل بعده يتمثل فيكم ، اي بشخص الغشمي ، وذكروه بما نحن عليه من مسيرة العمل التنظيمي وان الامل مواصلته ، وهو ما خلق حالة من الانشراح والسرور والرضى لديه فقال على الفور مؤكدا ان ذلك ما يجب علينا ان نواصله وانه بعد ان تهدأ اثار وارباكات الحادث بعد عدة ايام سنواصل مسيرتنا .. سؤال : وهل صحيح ان الرئيس الغشمي ارتبط بعلاقة تنظيمية معكم ؟ نعم كانت هناك بداية لعلاقة تنظيمية ذات طبيعة خاصة ، وذلك ما اوضحته بشئ من التفصيل في سياق الاجابات السابقة ، فقد بينت كيف تم الاتفاق بين الرئيس الحمدي والتنظيم الناصري الذي كان فرعا لتنظيم قومي اسمه “تنظيم الطليعة العربية” ، وهو الاتفاق الذي نتج عنه فك علاقة فرع اليمن بالتنظيم القومي الطليعة العربية وتحويله الى تنظيم وطني في بنائه وحركته ، مع احتفاظه بالمنطلقا ت الفكرية القومية الوحدوية ، وسمي هذا التنظيم الجديد”الطلائع الوحدوية اليمنية” وتغيرت شعاراته السابقة “حرية-اشتراكية-وحدة” لتصبح في التنظيم الجديد “حرية-عدالة اجتماعية-وحدة” ، وقد شارك في هذا الاتفاق الاخ الرائد/عبدالله عبدالعالم عضو مجلس القيادة وقائد قوات المظلات انذاك وهو الشاهد الوحيد الباقي على قيد الحياه .. بعد ان تم تنفيذ كافة جوانب الاتفاق بين التنظيم والرئيس الحمدي وبمشاركة الرائد/عبدالله عبدالعالم ، واصبح هناك تنظيم جديد في اسمه وحدود عمله وتحركه ونشاطه محصورا بساحة اليمن فقط رغم احتفاظه من الناحية الفكرية بمنطلقاته القومية نظريا ، واصبح الرئيس الحمدي اضافة الى الرائد/عبدالله عبدالعالم ضمن اعضاء القيادة التنفيذية العليا للتنظيم وبعد سلسلة من الاجتماعات والمناقشات عقدتها القيادة لوضع برنامج وخطط عمل التنظيم في مختلف المجالات ، وخاصة داخل وحدات الجيش والامن ، اتفق على تشكيل لجنة مشتركة تتكون من ثمانية اعضاء ، اربعة يمثلون قيادات عسكرية هم المقدم احمد الغشمي والرائد عبدالله عبدالعالم والمقدم عبدالله الحمدي والرائد علي قناف زهره ، واربعة يمثلون قيادات التنظيم المدنية وهم عيسى محمد سيف وسالم محمد السقاف وعبدالسلام محمد مقبل ومحمد احمد العفيف ، كانت المهمة الرئيسية لهذه اللجنة المشتركة كما رسمها وحددها الرئيس الحمدي هي مواصلة الحوار والنقاش والتفاهم حول امكانية الاتفاق على بناء تنظيم سياسي واحد ، اضافة الى وضع خطة عمل للتحرك داخل الوحدات العسكرية .. ولم يطلع الحمدي الاعضاء الاربعة الممثلين للجيش ، فيما عدا الرائد عبدالله عبدالعالم الذي كان على علم واطلاع بما يحدث ، بان هناك تنظيما قد اتفق عليه وانه قائم بالفعل، بل طرح عليهم ان هناك جماعة من الشباب الوطني المتحمس، لهم افكار قومية وحدوية ويجمعهم تنظيم لا يزال في بداية عمله وتحركه ، وهم قد وقفوا منذ البداية مؤيدين ومناصرين ومدافعين عن حركة 13يونيو ، ويرغبون في التعاون مع الحركة والوصول معها الى تنظيم سياسي واحد.. وان على الاربعة المختاريين من القطاع العسكري ان يجروا حوارا ونقاشا وتفاهما مع ممثلي ذلك التنظيم ومعرفة امكانية اقامة عمل حزبي منظم معهم .. كانت نظرة وهدف الحمدي بعيدا حيث اراد من سلسلة الحوارات والمناقشات والتفاهم ان يخلق وعيا سياسيا متطورا لدى اولئك القادة وخلق حالة من التجا نس والتوافق والوحدة في الجوانب الفكرية والسياسية بينهم وبين ممثلي التنظيم المدنيين وافكار واهداف التنظيم عموما كشرط ضروري من شروط بناء الحزب .. وكان الحمدي يتولى تقييم مدى تطور الوعي السياسي لدى اولئك القادة العسكريين من خلال ما يرفعوه له من تقارير حول مجريات الحوار ونتائجه ، والواقع ان سلسلة اللقاءات والحوارات والنقاشات تلك كانت تتم في اجواء منعمة بالتفاعل والاهتمام والارتياح بل والحماس ، وهو ما هيأ المجال للخطوة الاخرى وهي وضع تصور او خطة عمل داخل الجيش تتضمن ثلاث مجالات : الاول: اختيار وتنظيم حوارات ولقاءات ومناقشات مع عدد من قادة الوحدات ونوابهم لاقناعهم بالانضمام الى التنظيم يليها عدد اخر من قادة الكتائب وهكذا وصولا الى تحقيق سيطرة تنظيمية غالبة على الجيش والامن .. الثاني : توسيع نطاق العمل التثقيفي السياسي والفكري داخل الجيش الهادف الى الارتقاء بمستوى وعيهم وادراكهم السياسي بالاضافة الى تحقيق قدر من التحصين حتى لا يقعوا تحت تأثير احزاب واتجاهات متطرفة . الثالث : وضع الحلول والمعالجات السليمة والفعالة للحد من ظاهرة انتشار تعاطي المشروبات الروحية والعمل على انهائها.. عبر التوعية والاقناع بمضارها وتأ ثيراتها المدمرة ، وايجاد بدائل عديدة من الانشطة الثقافية والرياضية والمبادرات الاجتماعية الشعبية التنموية لاستثمار اوقات الفراغ الطويلة ، وتعميق الثقافة الدينية الصحيحة الخ.. ولهذا يتضح ان الغشمي كان على صلة وارتباط تنظيمي وكان يدرك ان هذا النشاط التنظيمي محسوب على الرئيس الحمدي بشكل اوبأخر.. سؤال : اذن لماذا هادنتموه وخططتم للاطاحة به ؟ دعني اقول لك ، بداية ، ان عملية اغتيال الرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي يوم 11/10/1977م لم تقتصر على استهداف الحمدي كشخص بل كانت تستهدفه بما يمثل من مشروع وتوجهات واهداف وتطلعات ، وكانت ضمن هذه الرؤية تستهدف كل قوة سياسية او اجتماعية وكل شخصية لها صلة وارتباط بالحمدي وما يمثله باي شكل من الاشكال بمعنى ان كل من اعتبر او حسب على الحمدي وخطه وتوجهه كان مستهدفا بالضرورة ، ولما كان الرئيس الغشمي على علم وصلة واتصال عملي مباشر بالعلاقة السياسية والحزبية الوثيقة التي تأسست وبنيت بيننا وبين الرئيس الحمدي ، فقد شعرنا شعورا جازما بان الضربة التالية ستكون حتما موجهة ضدنا ، هذا جانب ، ومن جانب اخر ، وبناء على رؤيتنا وتوجهاتنا وسياستنا انذاك بالاضافة الى معلوماتنا وتحليلاتنا حينه، فقد كانت رؤيتنا التقييمية لما حدث تتلخص في ان عملية الاغتيال وان كانت اداة تنفيذها يمنية محلية ، الا انها تعبر من وجهة نظرنا ، وقتئذ ، مؤامرة اشمل واكبر ذات ابعاد دولية من حيث دقتها واحكامها وتخطيطها ، مبنية على اعتبارات ومصالح استراتيجية متداخلة على النطاقين المحلي والدولي .. وبناء على هذه الرؤية التحليلية التقييمية لعملية الاغتيال من حيث دوافعها والقوى الواقفة ورائها وابعادها واهدافها ونتائجها المتوقعة ، وبصرف النظر عن صحة او عدم صحة تلك الرؤية ، تبلور موقفنا النهائي بالتحرك السريع والنشط والمكثف في خطين رئيسيين متوازيين وهما : الخط الاول : تحرك ذا طابع “احترازي وقائي” يهدف الى الحيلولة ووقف اي ضربة محتملة ومتوقعة الى حد كبير قد توجه ضدنا ، وذلك من خلال تكثيف اللقاءات والحوارات الودية مع الرئيس الغشمي لأزالة اية شكوك او مخاوف تساوره تجاهنا والعمل على تطمينه واقناعه بان موقفنا المؤيد للحمدي والعلاقه الحزبية التي جمعتنا به ، كان موقفا وعلاقة تأييد ومساندة لحركة 13يونيو التصحيحية وقيادتها وما تمثله من توجهات واهداف وطنية ، وان استشهاد الرئيس الحمدي لا يعني تغيير موقفنا وانهاء علاقتنا ، بل على العكس من ذلك فان موقفنا وعلاقتنا الوثيقة والاستراتيجية بحركة يونيو التصحيحية ، التي اصبح هو قائدها ، يجب ان تكون اكتر ضرورة واهمية والحاحا بالنظر الى الفراغ السياسي الكبير الذي نتج عن غياب الرئيس الحمدي ، ولهذا فنحن نرى اهمية بالغة لمواصلة العلاقة وتطويرها وتعميقها ، وقد وافقنا الغشمي تماما على هذا الموقف وكان واضحا تماما انه اثار اهتمامه وارتياحه البالغ .. الخط الثاني : التحرك الفوري عبر توظيف وتعبئة كل طاقاتنا وامكانياتنا وجهودنا في اتجاه الاعداد والتنظيم للقيام بحركة انقلابية عسكرية للسيطرة على السلطة ، وكان قرارنا الحاسم والفوري هذا مبنيا على جملة من الدوافع والاعتبارات من اهمها : 1- الانتقام والثأر لاغتيال الرئيس الحمدي باعتباره رمزا وطنيا وقوميا وكونه احد اعضاء القيادة التنفيذية العليا للتنظيم الجديد الذي اقيم على قاعدة الشراكة الكاملة ، ولاننا نظرنا الى عملية الانتقام كواجب مبدئي واخلاقي ملزم للتنظيم .. 2- الحرص على انقاذ حركة 13يونيو واعادتها الى خطها ونهجها وتوجهها الوطني والقومي الصحيح ، والحيلولة دون سقوطها وتصفيتها كمشروع نهضوي وطني متطور.. 3- ضمان عدم وقوع البلاد ضمن دائرة نفوذ وسيطرة وهيمنة القوى الدولية المتصارعة ، والحفاظ على السيادة والمصالح الوطنية العليا .. 4- تحقيق انتصار لتنظيمنا وفكره الوطني والقومي وخياراته وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال سيطرته على الحكم في البلاد ، في ظل صراعات وتنافسات حادة ومريرة-انذاك- بين كل القوى والاحزاب السياسية ، التي كانت سرية حينها ، بمختلف توجهاتها من اقصى اليسار الى اقصى اليمين .. ولعل اغرب ما في الامر ، اننا حينما اتخذنا قرارنا الحاسم بالاعداد للقيام بحركة انقلابية عسكرية ، كان وجودنا وتأ ثيرنا داخل وحدات الجيش محدودا وضعيفا للغاية ، بل يكاد يكون لاشئ يعتد به ، حيث كان العدد الكلي من العسكريين الاعضاء الملتزمين تنظيميا لايتعدى 15ضابطا كلهم من ذوي الرتب العسكرية غير العالية وغالبيتهم الساحقة ، ان لم يكن جميعهم ، لايحتلون مواقع قيادية مؤثرة مثل قادة الوية اوكتائب مثلا .. حيث كانت تركيبة تنظيمنا وتكوينه يغلب عليها الى حد كبير الطابع الطلابي وما في حكمه ، والباقي موظفين مدنيين في اجهزة الدولة خرجوا لتوهم من نطاق الحياة الطلابية ، وذلك على خلاف كل الاحزاب التي كانت عاملة في الساحة تقريبا .. غير ان ما دفعنا وعزز قناعتنا وعمق عزمنا وتصميمنا على اتخاذ قرار حاسم ونهائي بالاعداد للقيام بانقلاب عسكري ، رغم وضعيتنا التنظيمية التي اشرت اليها انفا ، يتبلور بمجمله في عاملين او سببين رئيسيين هما : السبب الاول : ان عملية اغتيال الرئيس ابراهيم الحمدي احدثت صدمة شعبية عاصفة ومروعة نتج عنها غليانا متفجرا وشعورا بالغ العمق والامتداد من الاستياء والنقمة والغضب الرهيب الذي عم وشمل كل قطاعات الشعب مدنيين وعسكريين وعلى اختلاف فئاتهم الاجتماعية واهتماماتهم ومستوياتهم العمرية ، وكان واضحا للعيان وبدون لبس اوغموض ان وتيرة الاستياء والنقمة والغضب داخل وحدات الجيش والامن اكثر حدة واعلى مستوى واشد عمقا من باقي فئات وشرائح المجتمع ، ومؤدي هذه الحالة ، منطقيا ، ان هناك فراغا سياسيا هائلا وشاملا تعيشه البلاد والمجتمع افرادا وقوى ومنظمات اجتماعية وسياسية وثقافية وعسكرية ، وكان هذا الفراغ السياسي الها ئل والرهيب يجيل بصره متلفتا في كل الجهات والارجاء باحثا عن قوة قادرة ومؤهلة تستثمره وتوظفه وتؤطره وتنظمه وتستوعبه وتوجهه الوجهة الصحيحة والمفيدة والناجحه.. السبب الثاني : ان بعض الاحزاب اليسارية ، وخاصة منها تلك التي تجمعها مع تنظيم الجبهة القومية الحاكم في جنوب الوطن وحدة عقائدية ايديولوجية سياسية ، تحركت عمليا وفور استشهاد الرئيس الحمدي ، لاستثمار وتوظيف واستقطاب تلك النقمة والغضب الوطني العارم لصالحها ، بواسطة وسائل واساليب واشكال سياسية تكتيكية ، تظهرها وكأنها تمثل الحمدي وخطه وتوجهه السياسي وهي بالتالي الوارثة له سياسيا والعاملة على الانتقام له ، رغم ان موقف تلك الاحزاب سياسيا كان معروفا بأنه هو الاخرغير مؤيد للحمدي ونهجه ان لم يكن معاديا له على نحو اواخر ، وبلغ الامر بتلك الاحزاب ، وبحسب المعلومات التي وصلتنا انذاك ، حدا جعلها تعلن عن منظمة سياسية تحت اسم “منظمة الشهيد ابراهيم الحمدي” .. ولهذين السببين الذين عززا قناعتنا واعتقادنا الراسخ با ننا نحن من يعبرعن الرئيس الحمدي ويمثل الامتداد الصادق والامين لخطه ونهجه ومشروعه الوطني والقومي ، وبالتالي فنحن الاولى والاحق من القوى الاخرى في الدفاع عن الحمدي ومشروعه ونهجه وابقائه حيا والعمل من اجل ترجمته والانتصار له .. ونحن ، اكثر من غيرنا ، من يجب عليه ان يتصل بالجماهير الشعبية الناقمة والغاضبة والمتفجرة استياءا من عملية اغتيا ل الرئيس الحمدي ، والعمل على الالتحام بها وتأطيرها واستيعابها وتنظيمها سياسيا وحزبيا لتطا بق ووحدة الموقف والهدف بينها وبين تنظيمنا تطابقا كاملا وحدة كاملة .. في ظل كل هذه الظروف وتحت اجوائها ومعطياتها واسبابها ، اتخذ التنظيم قراره الفوري والحاسم بالشروع في العمل والاعداد للقيام بحركة انقلابية عسكرية ، وهو قرار اتخذ بشكل اجماعي كامل ، وكانت اول خطوة مهمة نحو هذا الهدف تتمثل في اقامة اطار سياسي شعبي واسع تحت اسم “جبهة 13يونيو للقوى الشعبية” لايشترط لعضويته توافر المواصفات والشروط العقائدية والفكرية والشخصية القومية الناصرية التي يشترط توافرها كاملة في عضوية تنظيم “الطلائع الوحدوية اليمنية” ، بل وصنعت شروط ومواصفات ذات طبيعة وطنيه صرفه واقل صرامة وتشديدا لعضوية ذلك الاطار السياسي الشعبي الواسع ، وذلك من اجل استيعاب التيار الجماهيري العارم والغاضب وتنظيمه وتعبئته على اسس وطنية عامة.. والحقيقة ان مسار الوقائع والاحداث اللاحقة ، اثبت بان اقامة “جبهة 13يونيو للقوى الشعبية” كاطار سياسي شعبي واسع كان خطوة سيا سية بارعة وذكية وصائبة وموفقة الى ابعد الحدود ، حيث استطعنا ، من خلاله ، ان نستقطت وننظم اعدادا هائلة وبالالاف من الفعاليات العسكرية و الشعبية وفي مقدمتها الشخصيات القبلية المؤثرة على امتداد البلاد ، وقد شكل العسكريون النسبة الغالبة من تلك الاعداد ، وخلال فترة زمنية وجيزة لاتتعدى بضعة اشهر فقط ، حينذاك اضطررنا الى اتخاذ قرار يقضي بايقاف عملية استقطاب اعضاء جدد ، وذلك لاننا كنا قد وصلنا الى حد التشبع ولايوجد لدينا العدد الكافي من الكوادر التنظيمية المؤهلة والقادرة على استيعاب وادارة المزيد من الاستقطاب ، واقتصر الاستقطاب على حالات استثنائية محدودة كأن يكون الشخص المراد استقطابه عسكريا ويحتل موقعا قياديا مثل قائد لواء اوكتيبة اونوابهما فقط .. وكان قد تم الفصل الكامل تقريبا بين التشكيل التنظيمي العسكري والتشكيل التنظيمي المدني وخلال ذلك فوجئنا من خلال معلوماتنا الخاصة ، باكتشاف اننا لم نكن وحدنا الساعي للقيام بعملية انقلابية عسكرية ، بل ان الاحزاب الرئيسية الكبرى ، يسارية وقومية ، يعملون كل باسلوبه ، وبشكل حثيث ومكثف ، للقيام بانقلاب عسكري في وقت متزامن او على الاقل متقارب كثيرا ! فلقد الجو السياسي والشعبي العام يحفز الجميع بل ويدفعهم دفعا الى القيام بمثل ذلك العمل ! سؤال : يقال ان “سالمين” هو من خطط ونفذ عملية اغتيال الغشمي انتقاما لمقتل الحمدي .. اين كنتم من هذا؟ هذه المسألة تكتسب قدرا كبيرا من الاهمية والحساسية ، وقد تعددت حولها الرؤى والروايات ، وهناك من بينها جميعا ، حسب اعتقادي ، رؤيتان او روايتان بارزتان هما : الاولى : ترى ما تقوله من ان الرئيس سالم ربيع علي هو من خطط ونفذ عملية اغتيال الرئيس الغشمي بدافع الثأر او الانتقام لصديقه وحليفه الاستراتيجي الرئيس الحمدي . والثانية : ترى بان طرفا ثالثا ، داخل التركيبة الحاكمة انذاك في الجنوب ، كانت على معرفة واطلاع كامل بنوايا وتحركات الرئيس ” سالمين” اي انها استطاعت اختراقه من الداخل ، بتعاون ومساعدة من اجهزة الاتحاد السوفيتي ، وعلمت انه كان بصدد اقامة تفاهم وعلاقة مع الرئيس الغشمي لكسب وتوظيف طاقات وامكانيات وعلاقات الشمال الاقليمية والدولية الى صفه في مواجهة خصومه السياسيين من الداخل ، وان ذلك الطرف الثالث تمكن من تجيير تحركات الرئيس سالمين مع الرئيس الغشمي فضربت عصفورين بحجر واحد . والحقيقة انني لا ادعي امتلاكي لمعلومات خاصة ومؤكدة حول هذه المسألة التي لا يزال يحيطها غموض كامل ، ولكني سأطرح وجهة نظري الشخصية حولها والتي تستند الى كوني عاصرت وعايشت هذه القضية اولا باول وبشكل مباشر ، واعتماد على بعض الشواهد والمؤشرات المرتبطة بها ومن حولها، رابطا تسلسلها وتعاقبها ومستنتجا من دلالاتها ونتائجها التالية لها.. وابدأ بمناقشة الرواية الاولى القائلة بمسئولية الرئيس سالم ربيع علي الشخصية عن اغتيال الرئيس احمد الغشمي ثأرا وانتقاما لاغتيال صد يقه الرئيس الحمدي .. فأقول ان هذه الرواية يصعب قبولها من الناحية المنطقية ومن ناحية حقائق وملابسات الوضع السياسي العام الذي كان سائدا انذاك ، في الساحة الوطنية بشطريها عموما ، وبالاخص في ساحة الشطر الجنوبي اساسا وذلك للاسباب والاعتبارات التالية : 1- ان الرئيس سالم ربيع علي كان يمثل طرفا قويا ومؤثرا من الناحيتين الشعبية والحزبية والعسكرية والرسمية في مواجهة طرف اخر لايقل عنه قوة وتأثيرا بل ويتفوق عليه بوقوف قدرات وامكانيات ونفوذ الاتحاد السوفيتي المسيطر داخل الشطر الجنوبي ، وكان الصراع محتدما ومريرا بل ومصيريا بين القوتين او الطرفين .. 2- ومما لاشك فيه ان الرئيس ” سالمين” اولى اهمية استراتيجية كبرى الى اقامة تحالف او بالاصح توافق كلى وتام بينه وبين الرئيس الحمدي رسخ اسسه وعمق جذوره النزوع الوطني الواضح ووحدة الفكر والتوجه والنهج الواحد لدى الزعيمين ، ولم يكن ذلك بمعزل او بعيد عن مجريات الصراع السياسي واحداثه وتطوراته الجارية داخل نظام الحكم في الجنوب بين الطرفين بل جاء تحت ضغط تأثيراته ومقتضياته ، حيث كان سالمين في امس الحاجة الى كسب قوة الشمال وامكانياته لتعزيز مواقعه لتأمين قاعدة اسناد ودعم بالغة الاهمية .. 3- اضافة الى استمالة وكسب الشمال كضرورة استراتيجية بالغة الاهمية ، فقد سعى الرئيس سالمين سعيا حثيثا من خلال وعبر حليفه الاول الرئيس الحمدي الى محاولات فتح قنوات اتصال وتفاهم وتعاون مع اطراف اقليمية وقومية ، بل وحتى دولية ، وخاصة جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج العربي وهو ما تم بالفعل على نحو اعلان اقامة علاقات دبلوماسية بين الجنوب والسعودية ، وتعزيز بعض اوجه العلاقات مع مصر ودولة الامارات العربية المتحدة كل ذلك بسبب ادراك الرئيس سالمين لاهميتها وتأثيرها في دعم موقفه وتعزيز مواقعه وتحقيق قدر من التوازن في ميزان القوى بين الطرفين المتصارعين .. وبالنظر الى ما سبق ولما يمثله الشمال من اهمية استراتيجية بالغة لايمكن الاستغناء عنها وخاصة بالنسبة للرئيس سالم ربيع علي في صراعه المرير مع الطرف الاخر، واذا اخذنا في الاعتبار حقيقة الوضع الحرج والحساس والخطير لموقف سالمين ازاء ذلك الصراع واحتمالاته.. بناء على كل هذه الاعتبارات والحقائق الرئيسية وغيرها، يصبح من المستحيل لأي محلل اوسياسي ان يتصور اية امكانية ولو ضعيفة بان يقدم الرئيس سالمين على مغامرة او بالاصح مقامرة طائشة مجنونة باغتيال الرئيس الغشمي خاصة وان موقفه اوموقعه في الصراع الدائر بينه وبين خصمه الطرف الثاني محاط بتحديات ومخاطر حقيقية ورهيبة تحدق به من كل جانب.. ومع ذلك ، لونحن نحينا كل هذه الاعتبارات والحقائق جانبا وافترضنا جدلا ان الرئيس سالمين هو الذي خطط ونفذ عملية اغتيال الرئيس الغشمي في الشمال .. فما هو- ياترى- الهدف الذي سعى الى تحقيقه من ورائها ؟ وهل كان يعتقد بان عملية الاغتيال ستحقق له السيطرة على الحكم في الشمال ؟ وهل كان وضعه وموقعه في الصراع الداخلي المتفجر في الجنوب يحتمل مواجهة التبعات والعواقب الوخيمة لمثل تلك المغامرة اي بعبارة اخرى هل كان يحتمل خلق عداء خارجي كبير ضده في وقت كان فيه وجوده ومستقبله على كف عفريت في الداخل اقصد الجنوب؟ ولكل ماسبق فاني شخصيا استبعد تماما وكليا الرواية الاولى المشاراليها . وعلى العكس من ذلك فان الاكثر ترجيحا والاقوى احتمالا لدي ان الرئيس سالمين ، وعلى الرغم من الصدمة المزلزلة التي فاجأته باغتيال حليفه الاستراتيجي الاول الرئيس الحمدي والمه العميق لذلك ، الا انه بادرالى التحرك السريع للحيلولة دون فقدانه للشمال وضمان وقوف الشمال الى جانبه في صراعه الداخلي في الجنوب كما سبق الاتفاق عليه في عهد الرئيس الحمدي ، وذلك من خلال ضمان موقف الرئيس الغشمي والحصول على موافقته وهو ماتم بالفعل على مايبدو ، حيث ان ذلك صادف هوى في نفس الغشمي من حيث ان الوقوف الى جانب الرئيس سالمين مفيد للشمال ايضا لانه يقضي الى التخلص او تصفية الطرف الاخر الذي يمثل ا ليسار المتطرف اومايطلق عليه بالجناح “الشيوعي” انذاك .. واجدني اميل كثيرا الى ترجيح الرؤية الثانية مع اضافات طفيفه ، والتي ترى بان الطرف الاخر في الصراع المناؤى والمعادي للرئيس سالم ربيع علي داخل النظام الحاكم في الجنوب ، استطاع ان يحقق اختراقا خطيرا للرئيس سالمين مكنه من معرفة ومتابعة تفا صيل واسرار تحركاته وخطواته ومن اهمها تحركه مع الشما ل في عهد الرئيس الغشمي ، وغالب الظن ان هذا الطرف كان على معرفة واطلاع بتفاصيل وطبيعة علافة الرئيس سالمين مع الشمال في عهد الرئيس الحمدي من قبل ، وهذا الاختراق مكنه من افشال مساعي الرئيس سالمين مع الغشمي ووضع وتنفيذ خطة تكتيكية دقيقة وذكية لتجيير الاحداث لصالحها وتوظيفها لحسم الصراع مع الرئيس سالمين وجناحه، اي انه استطاع ان يضرب عصفورين بحجر واحد وفي لحظة واحدة .. والشاهد ان الرئيس سالمين كان بصدد ارسا ل مبعوث خاص يمثله الى الرئيس الغشمي وهو على مااذكر علي سالم الاعور في مهمة سياسية سرية تواصلا لخطوات واتفاقات سابقة بينهما ، الا ان الطرف الاخراستطاع ان يحتجز المبعوث الاصلي بطريقة متكتمة وسرية للغاية ويبعث مبعوث اخر هو مبعوث الموت الذي جاء الى صنعاء باعتباره مبعوث الرئيس سالمين وحدث ما حدث كما هو معروف وتم اغتيال الرئيس الغشمي .. هنا وقع رد الفعل السياسي من قبل الشمال على حادثة الاغتيال في خطأ تكتيكي حيث حمل الرئيس سالمين شخصيا المسئولية كما ورد في بيان مجلس الشورى والبيانات الرسمية وهو ما وفرمبرر ا وذريعة اخلاقية وسياسية كافية وقوية للطرف المعادي للرئيس سالمين بالتحرك ضده باعتباره المسؤول عن جريمة لامثيل لها في العلاقات بين الدول .. رغم ان قادة الشمال شعروا لاحقا بخطئهم التكتيكي ذاك وحاولوا تلا فيه واصلاحه الا ان الاوان كان قد فات ،وسارت الاحداث في الجنوب على نحو ادى الى الحكم باعدام الرئيس ساليمن ومن ثم تصفية مناصريه واتباعه فى مختلف المواقع الحزبية والسياسية والعسكرية والرسمية اما بالاعدام او الاغتيال او السجن اوالابعاد،وادت الاحداث الى نشوب حرب شاملة بين الشما ل والجنوب عام1979م .. ورغم ما يبدو واضحا ان الطرف ا ليسارى الراديكالى المناوئ للرئيس سالمين هو الذى يقف وراء عملية اغتيال الرئيس الغشمي واعدام الرئس سالمين فور ذلك مباشرة كما اوضحنا انفا،الا اننى استطيع القول بان هناك اصابع خفية ذات ارتباطات دولية سرية وذات نفوذ داخل تركيبة الحكم في الجنوب انذاك ،وفي الشما ل ايضا، ساهمت في خلق الاجواء وتهئيةالظروف وتوجيه الامور ، من خلال هذا الطرف او ذاك، في الاتجاهات التي حد ثت في المطاف الاخير،وسواء ادرك قادة تلك الاطرف ذلك ام لم تدرك.. ولهذا ومن وجهة نظري الشخصية فاني ارى خيطا “مموها” او قل غير مرئي ، يربط بين اغتيالات الرئيس الحمدي ثم الرئيس الغشمي ثم الرئس سالمين ،اضافة الى الاحداث اللاحقة لها وعلى راسها ازاحة الرئس عبدالفتاح اسماعيل عن الحكم ونفيه الى الاتحاد السوفيتي وتفجير احداث 13 يناير 1986م في الجنوب ثم عملية اعادة الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م ونشوب الحرب الاهلية المدمرة في صيف عام 1994م،كل تلك الاحداث والتطورا ت ،وما تخللها من اجواء وملابسا ت وظروف ، يشير الى وجاهة ومعقولية الدور الرئيسي لتلك الاصابع الخفية في تسيير الامور والاحداث والتطورات وتوجهها نحو ما الت اليه في المحصلة النهائية .. والواقع ان هناك معلومات لدي ا ن اغتيا ل الغشمي كان الخطوة الاولى لمخطط لاحق يفضي الى السيطرة على السلطة ، حيث ان الاحزا ب اليسارية الموالية للحزب الحاكم في الجنوب عبر علاقات حزبية وعامة تربطهم ببعض قادة الوحدات العسكرية كانو قد طرحوا انهم على استعداد للسيطرة على السلطة في الشمال وان العقبة الرئيسية امامهم تكمن في صعوبة القضاء على الغشمي وفي حالة ازاحة هذه العقبة فانهم قادرون على السيطرة على السلطة دون عا ئق وضمن هذا الاطار تمت عملية اغتيال الرئس الغشمي .. سؤال: جاء الرئيس على عبدالله صالح الى السلطة بعد مقتل الغشمي ..ويقال انكم كنتم اعددتم للا ستيلاء على السلطة ..هل تحاورتم معه ؟ ولماذا لم تسعوا الى احتوائه ؟ ويطرح انك كنت احد اعضاء مجلس الشورى الذ ين ساندوا اختيار على عبدالله صالح ،ووقفتم ضد اختيار القاضي العرشي ،ما دقة هذا الطرح ولماذا؟ عندما اغتيل الرئس الغشمي يوم السبت 24/6/1978م كنا في قيادة التنظيم نتابع تطورا ت ما حدث بكل اهتمام ودقة ،وفور عملية الاغتيال ومعرفة منفذ العملية “الانتحاري” وهويته ،كان تحليلنا وتقييمنا للحاد ث لا يخرج عن الاطار العام للسيناريو الذي يشير الى ان عملية الاغتيال ما هي الا مقدمة لعمل انقلابي كامل .. رغم عدم توفر المعلومات التي اشرت اليها في النقطة السالفة انذاك ،ولهذا قررت قيادة التنظيم القيام بتحرك سياسي عاجل ومكثف لعمل اقصى ما يمكن عمله للحيلولة دون حدوث مثل ذلك المخطط الانقلابي المتوقع ، خاصة ونحن كنا ،انذاك ،في المرحلة النهائية للاعداد للانقلاب .. وفي هذا الصدد كلفت قيادة التنظيم كل من الشهيدين عبد السلام مقبل وزير الشؤون الاجتماعية والشباب وسالم محمدالسقاف نائب مدير مكتب رئاسة الجمهورية للقيام بمثل ذلك التحرك باجراء اتصالات ولقاءات فورية بالاستاذ عبدالله عبدالمجيد الاصنج ،الذي كان انذاك وزير للخارجية ويتمتع بنفوذ وتاثير سياسي واسع وحاسم في دوائر النظام ، بالاضافة الى انه كان يحظى بقدر كبير من احترامنا وتقديرنا واعجابنا به باعتباره سياسيا مخضرما ويتسم بالحنكة والدهاء والتجربة السياسية الفنية ،كان اللقاء العاجل وا لفوري بالاستاذ الاصنج ينحصرفي تبادل الرأى حول ما حدث وابعاده واحتمالاته وبا لتالى ا لتشاور والاتفا ق على ما يجب علينا فعله كاجراءات وقائية ، والوا قع ان تحليل وتقييم ابعاد عملية الاغتيال وابعادها واحتمالاتها كان محل اتفاق وتطابق كامل بينة وبيننا ،وفي هذا اللقاءاجرى الاصنج ا تصالا بالملحق العسكري السعودي وطلب حضوره باسرع ما يمكن حيث طرح عليه تحليلنا وتقييمنا ورؤيتنا للحا دث وابعاده واحتمالاته الخطيرة وطلب منه اجراء اتصالات عاجلة بالقيادة السعودية لتقوم بتحرك فوري يسير في خطين رئيسيين متوازيين وهما : الاول: اعلان حالة الطوارئ ورفع درجة الاستعداد القصوى للقوات المسلحة السعودية المرابطة على الحدود مع اليمن والعمل على تعزيزها لارسال رسالة واضحة ان السعودية لن تسمح ابدا باى تغييرات سياسية في شمال اليمن ، ولو اضطرت الى استخدام القوة. الثاني: ان تجري اتصالات عاجلة بالادارةالامريكية لاحاطتها علما بما يحدث وابعاده والطلب اليها الاتصا ل بالقيادة السوفيتية في موسكو لاعلامها ان الشمال خط احمر لن يسمح بتجاوزه وان اى تدخل في شؤونه من قبل الجنوب سيعتبر عملا عدوا نيا يقتضي مجابهتة .. وبالفعل تم كل ذلك وابلغت عدن بضرورة ا لتوقف فورا عن اى نوايا لديها باحداث تغييرسياسي بالقوة في الشمال من قبل موسكو التي اوضحت تلقي تهديدا واضحا وصريحا بهذا الامر من واشنطن بانها لن تسمح باى تدخل في شؤون الشمال الداخلية وانها تعتبر ذلك خطا احمر لايجب تجاوزه .. وفي نفس الوقت وفور مقتل الغشمي مباشرة قام الاستاذ عبدالله الاصنج بدور رئيسي وكبير وتحرك تحركا سريعا في اتجاه سرعة استدعاء الرائد على عبدالله صالح قائد محافظة تعز انذاك وضمان وصوله باقصى سرعة ممكنة الى صنعاء ليتولى الامساك بزمام الامور، وخاصة الجيش ، تحسبا لاية احتمالات بحد وث اضطرابات او انشقاقا ت او تمردات ، وهو رأي اتفقنا مع الاصنج حوله تماما ، وقد يتبادر هنا سؤال وجيه وهو لماذا الرئد علي عبدالله صالح بالذا ت وليس غيره خاصة وان هناك قادة عسكريين ارفع واعلى رتبة منه واقدم ؟ وللاجابة على هذا ا لسؤا ل اود الاشارة الى عدة حقائق اهمها : 1ـ كان هناك شعور راسخ ووا سع ا لنطاق ، داخل ا لجيش ومؤسسات الدولة والاوساط السياسية والراي العام المحلي ، بان الرائد/علي عبدالله صالح يرتبط بوشائج وعلاقات شخصية حميمة وعميقة للغاية بالرئس الغشمي ، وبالنظر الى حالة ا لترقب والاحساس الواسع لدى مختلف الدوائر والاوساط الرسمية والشعبية بقرب حدوث شئ ما او تغيير سياسي وهى حالة وصلت حد اليقين ، كما اشرت الى ذلك في سياق الحديث السابق ، فقد كان الشعور العام محليا على قناعة تامة بان الرائد/علي عبدالله صالح هو وحده الذى سيرث الغشمي ويخلفه لان القوات المسلحة المحسوبة على الغشمي ستعطي تاييدها وولائها تلقا ئيا للرائد /علي عبدالله صالح ، وكان هذا الشعورصحيحا ودقيقا بصرف ا لنظرعن حقيقة العلاقة ا لتي جمعته بالرئس الغشمي .. 2ـ ان الرئيس الشهيد الحمدي كان كثيرا ما يحد ثنا في قيادة التنظيم عن الرائد /علي عبدالله صالح مبديا اعجابه الكبير بذكائه وحنكته وشجاعته ، وذلك في سياق رؤاه التقييمية للقادة وكبار الضباط ، وكان الرئيس الحمدي يعتبره من اذكى القادة العسكريين واقدرهم ، وللامانة فان رأي الحمدي هذا وتقييمه لشخصية الرائد /علي عبدالله صالح اثار استغرابنا ودهشتنا لان رؤيتنا له من خلال لقاءات خاطفة ومحدودة به ، دون ما يراه الحمدي ،الذي قال لنا انه عايشه وخبره وعرفه عن قرب ولمدة طويلة وبالتالي فهو اكثر خبرة ومعرفة به ،ثم روى لنا بعض الحكايات والوقائع ا لتي كان علي عبد الله صالح طرفا فيها للتدليل على حنكته وذكائه ومقدرته ،والغريب ان الرئيس الحمدي كان كثيرا ما ينصحنا في ا لتنظيم ويوصينا باعطاء اهتمام وتركيز اكبر للضباط المنتمين الى قبيلة ” سنحان ” وصدقني اذا قلت لك اننا في قيادة التنظيم- وقتئذ- لم نكن نعلم حقيقة اين تقع قبيلة ” سنحان ” وكنا نتخيل انها ربما تقع في محافظة ذماروتحديدا في”انس” كان فهمنا واستيعابنا لوا قع البلادالاجتماعي وتركيبته القبلية محدودا الى اقصى حد ،كما لم ندرك ابعاد واهداف نصيحة الرئيس الحمدي لنا بالعناية والاهتمام بسنحان الابعد مرور حوالي سنتين او اكثر ،كما تبين لنا في مرحلة لاحقة ان رؤية وتقييم الرئيس الحمدي لشخصية الرائد /علي عبد الله صالح كانت صحيحة وبالغة الدقة ،وهو ما يؤكد ، من ناحية اخرى ،امتلاك الرئيس الحمدي لقدرة فائقة وموهبة فذة لمعرفة الرجا ل وتقييم قدراتهم ومميزاتهم وتحديد معادنهم. 3ـ ان ميلنا وتفضيلنا للرائد /علي عبد الله صالح لتولي قيادة البلاد ،اضافة الى ما سبق ذكره ،يعودالى سابق معرفتنا الشخصية به ،والى لقاءات وحوارات محدودة من قبل بعض اعضاء قيادة التنظيم ،اذكر منهم سالم السقاف وعبد السلام مقبل- رحمهما الله- وانا في ا واخر عهدالرئيس الشهيد الحمدي ،وكا نت تلك اللقاءات والحوارا ت بمثابة ا لتمهيد وا لتهيئة والاعداد لمفاتحته بالعمل التنظيمي المتفق عليه .. 4 ـ واخيرا فقد كنا نرى ،من وجهة نظرنا في التنظيم انذاك ،ان الرائد /علي عبد الله صالح ،كشخصية قيادية عسكرية لايمتلك تجربة سياسية اوحزبية يعتد بها ، ولاسابق خبرة ودراية في ادارة وتسيير شؤون الدولة في كافة مجالاتها ،وكل خبرته وتجاربه وذكائه وحنكته تقتصر على ادارة وقيادة المؤسسة العسكرية ،ولهذا فعندما يصبح قائدا ورئيسا للبلاد ،وبحكم سابق معرفتنا وعلاقتنا به ، فانه لاشك سيحتاج الى مساعد تنا ووقوفنا الى جا نبة لمساندته في ادارة وتسيير شؤون الحكم والسياسة والاقتصاد.. الخ ، وهو ما سيجعل لنا قدرا مهما من التا ثير عليه وعلى توجهاته وسياساته ومواقفه ، ويصبح توقع الخطر او الاستهداف لنا من جانبة مستبعدا الى حد كبير .. هذه كا نت اهم الحقائق ،او قل الدوافع ا لتي دفعتنا واقنعتنا بالعمل على صعود علي عبد الله صالح ليصبح رئيسا وقائدا للبلاد خلفا للرئيس الغشمي ، فكما تعلم انه بعد حادثة اغتيال الغشمي تم تشكيل مجلس رئاسة انتقالي مؤقت وقائد عام ورئيس هيئة اركان عامة للقوات المسلحة ،كان المجلس برئاسة القاضي العلامة عبد الكريم العرشي والمقدم علي عبد الله صالح عضو مجلس الرئاسة ونائب القائد العام ورئيس هيئة الاركان العامة ،كترتيبات انتقا لية الى حين انتخا ب رئيس للجمهورية وفق الاجراءا ت الدستورية ،اي بواسطة مجلس الشعب التاسيسي الذي كان الشهيد عبد السلام مقبل وانا عضويين فيه ، وهو مجلس انشئ بقرار وعيين اعضائه تعيينا بقرار من الرئيس الغشمي وكان القاضي العرشي رئيسا للمجلس ،والحقيقة اننا لعبنا دورا كبيرا وقمنا بتحرك مكثف سواء داخل المجلس او خارجه لتعيين المقدم/علي عبد الله صالح رئيسا للجمهورية .. صحيح اننا وقفنا بكل قوانا وامكانيا تنا للحيلولة دون انتخا ب القاضي العرشي رئيسا للجمهورية ،لم يكن لنا موقفا عدائيا ضد ا لقاضي عبد الكريم العرشي بل على العكس من ذلك كان محل احترا منا وتقديرنا رغم انه لم تكن بيننا وبينة علاقات شخصية مباشرة او حتى معرفة، لكن موقفنا منه تغير فجأة،من النقيض الى النقيض في الفترة التي انتد ب فيها للاشراف وادارة مكتب رئاسة الدولة انذاك عقب اغتيال الرئيس الحمدي وبعد استقالة مدير المكتب الاستاذ /عبد الله بركات وكان من اقدر واكفأ قيادات الدولة ،وكان الشهيد سالم السقا ف لا زال يشغل منصب نائب مدير مكتب الرئاسة .. وقد فوجئنا مفاجاة صاعقة ،لم نكن نتوقعها ،حين علمنا ان القاضي عبد الكريم العرشي منذ اليوم الاول لمباشرته مهمته بمكتب الرئاسة جاء حاملا معه قائمة باسماء جميع ا لناصريين العاملين في المكتب وعلى راسهم الشهيد سالم السقاف سيقوم بتصفيتهم وازاحتهم وابعادهم عن المكتب، كنا على علم واطلاع بهذا الموقف من خلال احد الاخوة العاملين في المكتب وضع القاضي العرشي ثقته به واوضح له عن ما ينوي القيام به ،وكان هذا الاخ على علاقة تنظيمية بنا لكنه لم يكن معروفا عنه ا نتماءه الناصري ،وكان استغرا بنا في الحقيقة شديدا اذ لم يكن بيننا وبين العرشي اية مواقف عدائية اوسؤ تفاهم من اي نوع وفي اي وقت مطلقا ،وقد تمكن من اجبار الاخ سالم السقا ف على الانقطاع عن العمل واتخذ اجراءات وتغييرات تصب في معظمها لغير صالحنا.. وازاء هذا الموقف العدائي غير المبرروقفنا بكل قوانا وامكانياتنا وبشتى الوسائل والاساليب لاحباط وصول القاضي عبد الكريم العرشي الى رئاسة الجمهورية حتى لايستهدفنا وهو رئيس على نحو اشمل واخطر .. وعندما جمعني به عمل مشترك اواخر عام 1992م في اللجنة العليا للانتخابات ا لتي كنت عضوا فيها ممثلا لاحزا ب المعارضة وكان القاضي عبد الكريم العرشي رئيسا للجنة انذاك ونشأت علا قة شخصية طيبة ووثيقة ،حيث اتاح لى العمل معه في اللجنة العليا للانتخابات الفرصة للتعرف اليه ومعرفته عن قرب حيث تغيرت عندي كثير من معالم صورةعنه كانت مشوهة واكتشفت فيه شخصية قيادية على درجة عا لية من القدرة والكفاءة والنشاط وا لحنكة في ادارته للامور، اضافة الى نزاهته ،ومع ذلك فانني لم اشاء ان اثير معه مشكلة موقفه من الناصريين –انذاك- ومعرفة اسبابه ودوافعه،اسال الله تعالى ان يمده بالصحة والعافية وطول العمر. اعود بعد هذا الاستعراض الى الموضوع الرئيسي فقد اصبح المقدم علي عبد الله صالح الان رئيسا للجمهورية بعد انتخابه من قبل مجلس الشعب التا سيسي وقائدا عاما للقوات المسلحة يوم 17 يوليو 1978م .. حينها كانت الاستعدادات والخطوا ت الخاصة بالحركة الانقلابية قد شارفت على الاكتمال ولم يبق سوى وضع اللمسا ت الاخيرة عليها .. وهنا اجي الى الفقرة من سؤالك ا لتي تقول : هل تحاورتم معه ؟ ولماذا لم تسعوا لاحتوائه ؟ وهو سؤا ل مهم للغاية وهو معقد في نفس الوقت ،وقبل تسليط الضؤ عليه يجب علي تسجيل بعض الملاحظا ت المهمة : 1ـ كما قلت سابقا ا ن الراي العام المحلي كان يعيش تحت وطاة شعور يقيني راسخ ان تغييرا انقلابيا وا قع لامحالة وقريبا جدا،وكان يعيش حالة من ا لترقب متوقعا ذلك التغيير بين لحظة واخرى ،اي ا ن الراي العام كان مهيئا تهيئة كاملة تماما لتقبل التغيير ،بل يطا لب به ويلح عليه . 2ـ ان الاحزاب الرئيسية الكبيرة كان كل واحد منها منكبا في عمل وتحرك حثيث وواسع وبالغ السرية ليقوم بانقلاب عسكري ولكل اسلوبه ووسيلته وطريقته وخططه ،منهم من كا نت خطته تقوم على تدبير اغتيال شخصي للرئيس ، ويستغل تواجد بعض كوادره وقياداته العسكرية في مواقع داخل القيادة العامة للقوا ت المسلحة يقومون بالسيطرة عليها واملاء بيا ن على مسؤولي الاذاعة طالبين منهم اذعته ، مستفيدين من تجربة اغتيا ل الرئيس الغشمي السابقة حيث كان مسئولو الاذاعة ينتظرون على الهاتف لتلقي اي بيا ن، ويكفي ان يقول لهم بانه من القيادة حتى يتم اذاعته ، ثم يقومون بسلسلة من الخطوات والاجراءات مثل اصدار قرارات عزل وتعيين على طريق ترتيب الاوضاع وخاصة العسكرية وفقا لمخططهم المرسوم ، واخر كانت له سيطرة على بعض الوحدا ت العسكرية واغلبها خارج العاصمة وليست بعيدة كثيرا عنها وعناصر حزبية مدربة ومسلحة شبه ” ميليشيا ” داخل العاصمة ، وتقوم خطتة على اتفاق مع الشطر الجنوبي لارسال اسراب من الطائرات الحربية القاذفة لقصف مراكز المقاومة العسكرية المتوقعة ثم العودة من حيث ا تت، في نفس الوقت الذي تكون وحداتهم العسكرية قد بدأت بالتحرك نحو العاصمة وانتشرت ميليشياتهم المسلحة للسيطرة على العاصمة .. 3ـ ومن جانب اخر فقد كا نت هناك ـ انذاك ـ بعض من مراكز القوى داخل النظام تستعد بالتنسيق مع انصار لها في قيادة بعض الوحدات العسكرية داخل العاصمة وخارجها ، تستعد للانقضاض المفاجئ على السلطة والسيطرة على الحكم .. 4ـ وكما ذكرت سابقا ، فقد كان تحليلنا ورؤيتنا وتقييمنا لحادثة اغتيال الرئيس ابراهيم الحمدي مبني على قناعة بانها مخطط مدبر ومدروس تقف من ورائه قوى دولية واقليميه ومحلية تابعة لها ،وهو مخطط يتعارض ويتناقض مع خطنا وتوجهنا الوطني القومي الثوري -،انذاك- وا ن ذلك المخطط لاتزال فصوله واهدافه قائمة ومستمرة .. لهذه الاعتبا رات والوقائع ، وتحت تا ثير اجوائها وملابساتها ،وبعد مناقشات مستفيضة ومعمقة رأينا عدم الحوار مع الرئيس علي عبد الله صالح ومفاتحته ومصارحته بنوايانا ومشاريعنا وما ننوي القيام به ،ولاما يجري في الساحة السياسية من احدا ث وتحركات ومشاريع انقلابية هنا وهناك، وذلك لعدة اسباب اهمها : : 1ـ ان مفاتحة الرئيس ومصارحته ، بشكل او باخر ، بما نحن عليه وما اردنا القيام به من عملية انقلابية ، حتى وان لم يكن هو شخصيا المستهدف من ورائها ،امر قد يؤدي الى نتائج عكسية ويشكل خطرا فادحا على عملنا ويلحق افدح الاضرارويدمرنا تماما، خاصة اذا ما تاكد ت هواجسنا وشكوكنا بان يكون الرئيس علي عبد الله صالح ، بحكم ما عرف عن علاقته الحميمة والعميقة بالرئيس الغشمي ،على علم وارتباط بما اعتقدنا من مخطط خارجي كانت بدايته اغتيال الرئيس الحمدي ،فنقود انفسنا الى تهلكة محققة . 2ـ انه ومهما بلغ عمق العلاقة والثقة بين الحاكم وبعض الشخصيات وخاصة السيا سية منها ،فان الحاكم اي حاكم في الدنيا عادة ،اوقل في الغالب الاعم ، ما تتحكم في علاقاته ورؤاه ومواقفه هو اجس الريبة والشكوك دائما،وذلك بحكم ما يوفره له موقعه ومسئو لياته من سيل متدفق من المعلومات والتحليلات والاخبار،وا لتي كثيرا ما يسودها التناقض والتباين وعدم الاتساق،ورجل الدولة عادة ما تسيطر عليه المخاوف والقلق من وجود اى شكل من اشكال القوة السياسية المنظمة والعاملة في الساحة وخاصة اذا كان وجودها قد تم من خارج النظام ،ولهذالا يمكن لاى حاكم ان يقبل باقامة علاقة ما مع قوةسياسية منظمة،ناهيك عن القبول بوجودها ذاته. 3- ان مصارحة الرئيس بما يدور في الساحة من تحركات ومخططات ومشاريع انقلابية عديدة على مثل ذلك النحو المتعدد والواسع النطاق ،ماكنا نعتقد بانه سياخذه محل ا لجد والتصديق، بل خشينا ان يفهمه على نحو معاكس ويعتبره اسلوبا تكتيكيا مخادعا ومراوغا يريد من ورائه ا ن نصرف انتباهه عما هو اخطر ويدبر في الخفاء وندفعه الى الدخول في مواجهات وعداوات مع الكثيرمن القوى والاطرا ف السياسية بهدف ابعادها عن ميدان الصراع السياسي وننفرد به وحدنافقط. 4ـ واخيرا فان علاقتنا وحوارتنا مع الرئيس علي عبدالله صالح في فترة حكم الرئيس الحمدي لم تكن قد وصلت الى درجة علمه واطلاعه على حقيقة وجود ا لتنظيم وطبيعته وماهيته ،كما كان الحال بالنسبة للرئيس الغشمي مثلا ،ولو كان ذلك قد حدث لما كانت هناك مشكلة او صعوبة امام مفاتحته ومصارحته بكل شيئ وعلى المكشوف كما يقولون .. وعلى اية حال فاننا لم نكن نضمر في انفسنا سوءا او شرا او موقفا عدائيا لشخص الرئيس علي عبد الله صالح من وراء محاولتنا الانقلابية ا لتي كانت استعداداتها قد شارفت على الاكتمال حين مجئ الرئيس صالح الى الحكم ،بل بامكاني الان ان اكشف لك سرا بان قيادة الحركة والتنظيم اتفقت على انه في حالة نجاح الحركة سيتم تدبير طريقة ما لتمكين الرئيس علي عبد الله صالح من مغادرة البلاد سالما الى اى بلاد يريده ، والحقيقة انه لم يكن لدينا اي نزوع الى اساليب القتل وسفك الدماء ضد اى انسان كان، وكنا شديدى الحرص على ان تكون حركتنا بيضاء .. ولهذا وتاكيدا على هذه القناعة فانه ما ان بدا ت مؤشرات اولى تلوح في الافق بامكانية تحول الحركة الانقلابية الى مواجهة مسلحة دامية ،اتخذ الشهيد عيسى محمد سيف الامين العام للتنظيم وكان حينها في غرفة العمليات ،وكنت معه حاضرا وشاهدا ،قرارا فوريا بانهاء الحركة وايقافها نهائيا. .. سؤال:ماذا حدث ليلة الانقلاب في اكتوبر1978م؟ وكيف تمكنت من الفرار؟ الحقيقة انه لم يكن قد اتخذ قرار بتحديد يوم 15 اكتوبر 1978م كموعد نهائي او ما يعرف ب” ساعة الصفر” لتنفيذ الحركة الانقلابية ،والذي حدث حينها ان الاخ الرائد/ نصار علي حسين الجرباني قائد اللواء الخامس مشاة ورئيس المجلس العسكري الاعلى للحركة هو الذي اتخذ قرارا مفاجئا لاعضاء المجلس العسكري وقيادة التنظيم بالتحرك لتنفيذ الحركة ليلة 15 اكتوبر ، مما اضطرنا الى التحرك السريع لابلاغ بقية اعضاء المجلس العسكري والقطاعات العسكرية والتشكيلات الحزبية المدنية المقرر اشتراكها في العملية بساعة الصفر التي تم تحديدها على عجل .. عند منتصف الليل بدا التحرك حسب ا لخطة الموضوعة ،والغريب ان بدء ا لتحرك من قبل الوحدات العسكرية والامنية وا لتشكيلات الحزبية المدنية المشاركة في العملية سار من بدايته الى نهايته دون ان تفرض حالة طوارئ ومنع تجول حيث ظلت ا لحياة العامة تسير بشكل اعتيادي وكأن شئيا لم يحدث!! .. وباختصار وايجاز اقول با ن كل المهام والخطوات المحددة في الخطة داخل العاصمة تم تنفيذها بالكامل تقريبا حيث تمت السيطرة على مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة ومن ضمنها غرفة العمليات والاتصالات العسكرية ،ومطار صنعاء الدولي، والمطار الحربي، ومبنى الاذاعة ومبنى التلفزيون، والاتصالات ا لتليفونية، ومداخل العاصمة، ومفارق طرقها العامة ، ولم يبدأ الموقف بالتحول الا عند بدايات ضؤ الفجرعندما تمكنت بعض القيادات العسكرية من الدخول الى معسكرات بعض التشكيلات العسكرية ا لخاضعة لقيادتها ،وهى محدودة ،وتسييرها في تحرك مضاد،حيث بدات تسمع اصوات قذائف مدفعية الدبابات وصواريخ الاربي جي والرشاشات على نطاق محدود ولفترة قصيرة ،ولاننا قررنا ا يقاف الحركة وانهائها تفاديا لسفك الدماء .. وعند الفترة ما بين الساعة التاسعة والعاشرة صباحا كان كل شئ قد انتهى ..يومها كان رئيس الجمهورية خارج العاصمة في زيارة لبعض المحافظا ت حيث وصل الى تعز قادما اليها من الحديدة. . ولا اريد هنا ، ولاهو مجال مناسب ،ان اقوم بعملية تقويم او تحليل لحركة 15 اكتوبر 1978م تبيين عوامل واسباب فشلها واخفاقها ، رغم نجاحها في السيطرة شبه الكلية على العاصمة صنعاء في مرحلة انطلاقتها الاولى ،وانما ساكتفي فقط بالاشارة الى مجموعة من العوامل والاسباب لذلك بشكل اجمالي ومن اهمها وابرزها : 1ـ ان كل الخطوات والمهام والاعمال الخاصة بالتمهيد والاعداد والاستعداد للقيام بالحركة قد تمت على افضل واحسن واكمل وجه وكذا الخطة التنفيذية العامة كلها تمت في ظل اقصى درجات ا لتكتم والسرية والتمويه برغم النطاق الواسع وا لتحرك الكبير والمكثف من حيث حجمه ومساحته. . 2ـ ان الخلل الاكبر كان في مجا ل التنفيذ العملي الميداني للمهام والمسؤوليات والادوار المحددة في الخطة العامة ،ليس كلها جميعا وانما في بعض منها ،فبعض القادة اما انهم لم يحسنوا ويتقنوا قيامهم بتنفيذ وانجاز مهامهم وادوارهم ومسؤولياتهم او انهم لم يقوموا بتنفيذها بانفسهم اصلا واوكلوها الى زملائهم دون ان يحيطواغرفة العمليات علما بذلك ،وهناك من كان يرسل بلاغا ت لغرفة العمليات غير حقيقية ومضللة عن سير وتنفيذ ادوارهم ومهامهم في حين كانوا قد انسحبوا وبدأوا بالهروب من الميدان. . وبعض القادة وبرغم قيامهم بتنفيذ كل المهام والادوار والمسؤوليا ت المناطة بهم بشكل ناجح وكامل ،الاان تنفيذهم لها تم في ظل تعامل حسن النية وبالغ المثالية الى حد غير معقول ولا مقبول في مثل تلك الحالات ، فهم بعد سيطرتهم على المواقع المكلفين بها تعاملوا مع ضباطها وجنودها سواء منهم اطقم دبابات ومدرعات ا و مدفعية او مشاة باسلوب عاطفي اخوي واكدوا لهم انهم جميعا اخوة ورفاق سلاح مبينيين لهم ان هدف ا لتحرك هو لمصلحة البلاد والشعب ،ولم يقوموا بحجزهم احتياطيا او نقلهم الى اماكن او مواقع احرى خارج معسكراتهم ومواقعهم السابقة ، ولهذا فما ان بدا ا لتحرك المضاد ،برغم ان بدا يتة لم تكن قوية او واسعة،حتى سيطر اولئك الضباط وا لجنود على مواقعهم واسلحتهم من جديد وانضموا الى التحرك المضاد عند بدايته مما اعطاه المزيد من القوة والاندفاع.. 3ـ كانت الخطة العامة للحركة تضع في حسابها الاستفادة من بعض الوحدات العسكرية المرابطة خارج العاصمة وبعيدة نسبيا عنها لدعم وتعزيز وتقوية القوات ا لتي تسيطر على العاصمة ،وكمثال على ذلك ” قوات العمالقة ” المرابطة في مدينة ” ذمار” على بعد اكثر من مائة كيلو متر عن العاصمة ،هذة القوات تاخرت بضع ساعات عن الموعد المحدد لها ببدء تحركها نحو صنعاء ،ثم انها عندما ارادت البدء بالتحرك وصلتها معلومات مفادها بان مجاميع قبلية مسلحة كبيرة اتخذت مواقع عديدة وسيطرت على الطريق الموصلة من ذمار الى صنعاء ابتداء من ” نقيل يسلح” وحتى ما قبل منطقة ” حزيز” بقليل ،وان هذه المجاميع القبلية مسلحة ببعض الاسلحة غير الخفيفة مثل قاذفات الاربي.جي وبعض انواع المدافع والرشاشات الثقيلة وغيرها ، وهذا الوضع المفاجئ دفع ” قوات العمالقة ” الى تغيير خط سيرها واتخاذ طريق اخر وصولاالى صنعاء عبراراضي قبائل ” خولان ” وهو طريق طويل ووعر واهم من هذا غير مأمون وبالفعل استطاعت بعض قبائل ” خولان” ان توقف ” العمالقة ” وتشتتها وتأسر بعض ضباطها وجنودها ومن المشائخ من سلم مالديه منهم الى السلطة ومنهم من اطلق سراحهم دون ان يسلمهم للسلطة فيما بعد.. 4ـ كانت الخطة التنفيذية العامة تقضي بانه وفورالسيطرة على مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة وغرفة العمليات والاتصالات فيها، ان يقوم احد الاخوة من كبار قادة الحركة بمهمة فتح شبكة الاتصالات مع كافة وحدات وتشكيلات الجيش المرابطة في كافة المناطق والمحافظات على امتدادالبلاد ، وابلاغها بقيام الحركة الانقلابية ويزودها بالبيان رقم (1) ،ويصدر لها الاوامر العسكرية اللازمة ،غير ان شيئا من هذا لم يحدث بسبب عدم مجئ ذلك الاخ المكلف بالمهمة لاداء مهمته ، وهو ما اثر تاثيرا سلبيا خطيرا على قدرة الحركة على الصمود والاستمرار اد بقي التحرك محصورا ومقصورا داخل اطار العاصمة وحدها .. 5ـ ان عددا من الاخوة القادة العسكريين الذين تولوا قيادة ا لتحرك ا لتنفيذي الميداني للحركة لم يكونوا قد وصلوا الدرجة المطلوبة من القناعة الراسخة والايمان الثابت والعزم والتصميم الذي لايلين ولا يتزعزع بمشروعية التغيير وضرورته الحتمية ، بل تحركوا وهم يشعرون بشئ من مشاعرالشكوك وعدم اليقين وربما التردد ، وهذا يتعارض مطلقا مع المواقف البطولية والشجاعة الاسطورية والصلابة النادرة التي سطرها وخلدها اكثر القادة العسكريون في ادائهم لمهامهم وادوارهم ومسئولياتهم بالاضافة الى القادة والكوادر والاعضاء الحزبيين المدنيين .. 6- ان اكثر من 95 % من مكونات وتشكيلات القطاع العسكري للتنظيم من قادة وضباط وجنود مؤسستي الجيش والامن ، تمت عملية استقطابه وبنائه واعداده اعدادا سياسيا عاما وبسيطا خلال فتره زمنية محدوده للغاية لاتزيد عن ثمانية اشهرلاغير ، اتجهت كل الجهود والتحركات خلالها بالكامل – تقريبا- صوب عملية الاقناع والاستقطاب ثم تأطيرهم ضمن بنية تنظيمية بمختلف تشكيلاتها وهياكلها ومستوياتها ، وعلى نحو يسهل عملية الاتصال والتواصل السريع معهم وبينهم ، والحقيقة ان تلك الفترة الزمنية المحدودة والقصيرة للغاية ، لم تكن كافية على الاطلاق ، وبكافة المعايير والمقاييس ، ولاحتى في الحدود الدنيا ، لتتيح للتنظيم الشروع في عملية تربوية بنائية متكاملة ، ولو في ادنى حدودها ومستواها ، لاعادة بناء وتربية وتأهيل واعداد كل تلك الاعداد الهائلة من الاعضاء الجدد من مؤسستي الجيش والامن ، من جميع الجوانب الفكرية الثقافية والسياسية والتنظيمية بل وحتى ا لنفسية بما يؤدي الى خلق ارضية او حالة من التجانس والتناغم وا لتوحد العقائدي السياسي النفسي بينهم وبين سائر الاعضاء والتشكيلات الحزبية المدنية القديمة في انتمائها الحزبي ، وبما يخلق بين الجميع وحدة في المشاعر والمصير والهدف المشترك للاعضاء جميعا يقوي لديهم روح الانتماء وتميز الهوية والاستعداد للتضحية الى اقصى الحدود ، كل هذه المعايير والشروط والمتطلبات الاساسية الضرورية واللازمة حتما لم تحدث بسبب الفترة الزمنية المحدودة للغاية ، مما ادى الى مشاعر واسعة ، وان كانت مختفية لدى الغالبية الساحقة من الاعضاء الجدد باختلاف مراكزهم ومستوياتهم ، وشكوك وهواجس مبهمة حول من هم وماذا يمثلون ومن هو هذا ا لتنظيم الذي اصبحوا فجأة اعضاء فيه ، وتلك كانت حالة خطيرة للغاية ا دت بعدد محدود جدا من القيادات العسكرية البارزة حديثة العضوية التنظيمية الى التفكير والسعى والعمل من اجل القيام بانقلاب مضاد للانقلاب الذي لم يحدث بعد لشكوك وهواجس سيطرت عليهم بان التنظيم وقيادته المدنية ربما كان ” طائفيا ” او ” مناطقيا ” وذلك بحسب ما تمكنا من معرفته وفق معلومات وصلتنا بعد فشل حركة 15 اكتوبر 1978م باشهر عديدة وكانت صدمة نفسية عاطفية اصا بتنا بزلزال رهيب وعميق للغاية .. 7- واخيرا فقد كان هناك من يرى ، سواء من داخل التنظيم ا و من خارجه ، بان احد اهم اسباب فشل الحركة يعود الى نجاح اجهزة مخابرات ا لنطام –انداك- في تحقيق اختراق امني خطير للتنظيم في مستوياته القيادية ، وذلك قبل فترة قصيرة من قيام الحركة ، وهو اختراق جعلها على علم بالحركة ووضعها ومسارها وغير ذلك من التفاصيل ، وجعل ا لنظام يتخذ اجراءات احتياطية وقائية والقيام ببعض الافعال السرية التي من شأنها عرقلة عملية نجاح الحركة وبالتالي افشالها.. والحقيقة انني لااستطيع ان اؤكد او انفي مثل هذه الاراء او المعلومات التي تداولها البعض منذ ما بعد الحركة ولاتزال تتردد بين ان واخر ، واعتقد انها لايجب ان تشغلنا في الوقت الراهن ، ذلك ان المستقبل القريب ربما يكشف لنا وجه الحقيقة ازائها .. اما بالنسبة للشق الاخرمن السؤال حول كيفية فراري بعد فشل الحركة .. الحقيقة انني كنت منذ الساعات الاولى للفجر مع الاخ الامين العام الشهيد عيسى محمد سيف في غرفة عمليات ادارة الحركة ومعنا رئيس غرفة العمليات العقيد الراحل / محمد المرزوقي رحمه الله رحمة واسعة ، وبعد اتخاذ قرار وقف الحركة وانهائها خرجت بصحبة الامين العام ومعنا احد الاخوة الاعزاء الذي لازال حي يرزق- وفقه الله- من موقع غرفة العمليات في طريق عودتنا الى محل السكن ، وفي طريق عودتنا مررنا امام منزل احد الاخوة من اعضاء ا لتنظيم وهو شيخ كبير لاحدى القبائل المحيطة بصنعاء ، فأقترحت على الشهيد عيسى ان ندخل بيت هذا الشيخ ، وهو محل ثقة لدينا ، ونطلب منه ان نخرج معه من صنعاء الى قبيلتة لبعض الوقت حتى تتضح لنا صورة ما ستؤول اليه الامور ، غير ان الاخ عيسى لم يوا فق على الاقتراح مشيرا الى ان اجهزة الامن للنظام لن تتمكن من معرفة من يقف وراء الحركة الا بعد يومين او ثلاث ايام وهي فترة كافية تمكننا من الاجتماع الليلة واتخاذ القرارات المناسبة ، فأوضحت له اننى اشعر بان اجهزة الامن ستعرف فورا ، هذا ان لم تكن قد عرفت بالفعل الواقفين وراء الحركة وذلك لاننا كنا منذ منتصف الليل وحتى اللحظة نتحرك حركة واسعة في شوارع صنعاء دون ان يكون هناك فرض منع التجول، وبالتالي يكفي رؤية بعض الاخوة المعروفين انتمائهم السياسي ليحددوا القوة الواقفة وراء الحركة ، كما ان اعتقا ل واحد او اكثر من الاخوة العسكريين ا و المدنيين المشاركين في الحركة سيؤدي حتما الى حقيقة دورنا .. ولكنه- رحمه- الله رفض واصر على العودة الى احد المنزلين اللذين يستأجرهما وهو اكثر سرية من الاخر لننام ثم في المساء سنقرر، وذهبت معه ونمنا بعض الوقت حتى الساعة الثانية عشرة ظهرا تقريبا حتى جاء احد الطلبة من اقربائه ليبلغنا بان الامن داهم منزل عيسى الاخر وهو يبحث عنه فنهضت وايقظته من ا لنوم والححت عليه بان يخرج فورا الى مكان اخر ، وخرجت من ا لبيت واتجهت الى منزل احد الاصدقاء (غير يمنى) ومكثت فيه يومين ثم انتقلت الى منزل اخر لاحد اقاربي ومكثت فيه حوالي اربعة ايام ثم سافرت الى الحديدة ومكثت فيها حوالى ا سبوعين ثم الى تعز والقرية ومكثت فيها حوالى نصف شهر في جروف الجبال ثم توجهت الى عدن .. والحقيقة ان ما سهل علي الهروب انني لم اكن معروف كثيرا من حيث صورتي وشكلي وان كنت معروفا اكثر كأسم ، وهذا ما جعلني امر بالنقاط العسكرية المعنية بالتفتيش وهو مشددا ودقيقا للغاية ومعى بطاقة احد الاصدقاء قريب الشبه الى صورتي دون ان يشك احد بي.. سؤال : الاطاحة بسالمين .. كيف اثرت عليكم؟ الحقيقة انه لم تكن لنا اية علاقا ت تذكر بالنظام الحاكم في الشطر ا لجنوبي من الوطن ولا بأي من اجنحته المتصارعة ، بل كانت العلاقات بيننا وبينهم تتسم بالمواجهة الحادة وبالعداوة الشديدة ، وذلك منذ استلام تنظيم ” الجبهة القومية ” للحكم في الجنوب بعد الاستقلال الوطني في 30نوفمبر1967م وتصفية القوى والفصا ئل الاخرى التي ساهمت وشاركت في حرب التحرير ضد الاستعمار البريطاني ” جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل ” و ” التنظيم الشعبي للقوى الثورية ” ا لتا بع لها والذي كان يتشكل في مجملة من ناصريين وبعثيين .. واحتدت المواجهة بيننا اكثر واعمق بعد وصول الجناح ا ليساري في الجبهة ا لقومية الى السلطة هناك والانقلاب على الرئيس قحطان محمد الشعبي والمواليين له في الدولة والحزب والجيش والامن في يونيو 1968م ، وخاصة بعد ان حسم النظام خياره الايديولوجي بشكل واضح واصبح ملتزما بالماركسية اللينينية ، وبلغت المواجهة ذروتها والعداء اوجه حينما اقدم النظام الحاكم في الجنوب على اعتقال عدد كبير من الكوادر والقيادا ت ا لناصرية هناك ومارس في حقهااقسى وابشع وسائل التنكيل والتعذ يب واجرى لعدد من ابرزهم محاكمة صورية هزلية متهما اياهم بالتعامل مع ” اسرائيل ” وقام باعدام مجموعة من خيرة القيادات والكفاءات الناصرية وعلى رأسهم الشهيد احمد العبد سعد والشهيد علي الكسادي وعدد اخر معه في عام 1973م دون اي ذنب اوسبب حيث كانت قيادة التنظيم ” الطليعة العربية ” القومية والقيادة الوطنية لليمن ، قد اصدرت قرارا قبل تلك الاعتقالات والمحاكمات والاعدامات بتجميد نشاط وحركة فرع ا لجنوب تجميدا كاملا وشاملا بسبب بشاعة وقسوة الاجراءات والاجواء الامنية البالغة والقمع والاضطهاد الذي كان سائدا .. ولهذا فان الاطاحة بالرئيس سالمين لم يكن لها اي تأ ثيرات سلبية عملية مباشرة ، الا من زاوية غير مباشرة تتمثل في سقوط وانهاء المشروع الوطني الواعد الذي قام وتأسس وتعمق بينه وبين الرئيس الحمدي ، والواقع ا ن قيادة تنظيمنا وهي ماضية في التحضير والاعداد للحركة الانقلابية ، كانت تشعر بان معظم مخاوفها تنحصر في توقعها الاكيد بان النظام الحاكم في الجنوب سيكون مصدر ا لخطر والتهديد الاكبر لحركتنا في حا ل نجاحها ، وكنا نتوقع ان يصل ذلك الخطر والتهديد الى حد المواجهة العسكرية المباشرة من قبل النظام هناك ومعه القوى الحزبية المنظمة والقوى التابعة له في شمال الوطن ، خاصة وان القيود والموانع الاقليمية والدولية التي كانت تمنعه وتحول بينه وبين التدخل العسكري المباشر في الشمال سوف تسقط في حالة نجاح حركتنا الانقلابية والنظام التي ستقيمة في الشمال والمتسم اصلا بالثورية والقومية .. وتحسبا لهذا سعينا الى اقامة علاقات مباشرة بيننا وبين ليبيا انذاك، كما اتخذنا بعض الاجراءات والخطوا ت التمهيدية وغير المباشرة لاقامة علاقات تحالف بيننا وبين حزب البعث العربي الاشتراكي- انذاك- والذي كان مرتبطا حزبيا وسياسيا بعلاقة عقائدية مع العراق، من اجل مواجهة التوقعات المؤكدة لقيام مواجهة بيننا وبين النطام الحاكم اليساري في الجنوب .. سؤال : متى قطعت صلتك بالتنظيم الناصري .. وما هى الاسباب ؟؟ قررت تجميد عضويتي في التنظيم اواخر العام 1980م اوائل العام 1981م ،لعدة دوافع واعتبارات واسباب ، اكتفي هنا بالاشارة الى اهمها وابرزها على ا لنحو التالي : 1- بعد فشل المحاولة الانقلابية في 15 اكتوبر 1978م وما ترتب على ذلك من اعداما ت بحق واحد وعشرين من ابرز قياداتنا الحزبية المدنية والعسكرية على دفعتين الاولى في 27اكتوبر عام 1978م وشملت 9 من القيادات العسكرية والثانية في 5 نوفمبر1978م وشملت كل القيادات التنفيذية العليا من المدنيين تقريبا عدا اثنين فقط بمن فيهم الامين العام والامين العام المساعد والمسؤول السياسي والمسؤول الثقافي والمسؤول المالي وغيرهم من اعضاء القيادة اضافة الى عدد من الكوادر الحزبية في مستويات تنظيمية مختلفة ، بالاضافة الى حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت المئات من الكوادر والاعضاء الحزبيين المدنيين والعسكريين ، اضافة الى تشرد ونزوح اعداد كبيرة منهم خارج البلاد او متخفين داخل ا لبلاد.. وما واجهناه من تضييق وحصار ومضايقة في تعامل اجهزة الحزب والدولة في الجنوب وامتدادها الحزبي في الشما ل ” الجبهة الوطنية الديمقراطية ” حيث تعاملوا معنا وكأننا رجل مريض سقط يجب العمل على وراثة تركته وعدم امتلاك المستوى القيادي الاول المؤقت او الانتقالي للقدره والكفاءة والحماس اللازم والرؤية المتكاملة والصا ئبة لكيفية التعامل ومواجهة نتائج واثار وانعكاسات ا لنكسة الخطيرة والظروف بالغة القسوة والمخاطر والتحديات الجسيمة الداهمة التي داهمتنا واحاطت بنا من كل جانب وشكلت تهديدا حقيقيا ومباشرا لوجودنا ا لتنظيمي والسياسي من اساسة ، بفعل الضربات القوية والقاصمة التي وجهت ا لينا بعد فشل حركة 15 اكتوبر 1978م ، وعلى راسها والاكثرها خطورة وتأثيرا ، اعدام وتصفية كل قيادا تنا العليا ، وا لتي كا نت قيادة مؤسسة وتمثل ا نضج واكفأ واصلب واقدر ما افرزته تجربتنا التنظيمية السياسية كلها ، اي بمعنى اخر تصفية عقل التنظيم ومخزن خبراته وتجاربه ومركز ادارته وتوجيهه، وهو ما اصابنا بحالة كبيرة من الاضطراب واختلال التوازن لاتزال تعكس تأثيراتها السلبية علينا حتى الان ، هذا بالاضافة الى حملة الاعتقالات واسعة النطاق وعلى نحو غير مسبوق ، وتشرد ونزوح واختفاء اعداد كبيرة اخرى خارج وداخل البلاد ، وكذا فقدان الكثيرين من اخوا ننا لوظائفهم واعمالهم ومصادر دخلهم ومعيشتهم …الخ والواقع ان ا لضربة او الضربات التي وجهت ا لينا لم يتعرض لمثلها اوحتى لأخف منها اى حزب او قوى سياسية داخل اليمن من قبل .. 2- بدأت ” الروح التأمرية ” تطل برأسها وبدأت المؤشرات الاولى لها ترتسم شيئا فشيئا في الافق المرئي في تعامل وعلاقات بعض اعضاء المستويا ت القيادية العليا ، وبدأت بالظهور بعض الدلائل على بروز روح التنافس السلبي بينهم مستخدمين اساليب الخديعة واللف والدوران والتأمر والوقيعة على نحو لم يسبق ان عهده تنظيمنا في كل مراحل مسيرته ا لنضاليه منذ تأسيسه على الاطلاق .. كما بدأ ت حالة الشكوك واطلاق تهم ا لتخوين والانحراف ونشرالدعايات والحملات المشوهة للسمعة والمحطمة للمعنويات تتوسع شيئا فشيئا ، وهو ما افضى الى البدء في خلق المحاور الشللية والتعامل مع القيادات والكوادر في مختلف مستوياتها وتقويمهم وتقسيمهم وفق معايير الولاءات الشخصية بعيدا عن معايير الاداء والحركة والانجاز الموضوعية العادلة.. 3- والحقيقة ان المال الذي توفر للتنظيم ، بعد حركة اكتوبر 1978م ، كانت العامل الرئيسي في ظهور وبروز وتنامي تلك الظواهروالممارسات السلبية الشاذة ، حيث كان التنا فس التأمري والصراعات الدائرة ، خفية وعلنا ، بين تلك القيادات بهدف محافظتها على مواقعها القيادية او سعيا للوصول ا ليها ، من اجل السيطرة على المال والاستحواذ عليه ونهبه لمصالح شخصية وكوسيلة للاثراء الشخصي ، وذلك عبرالاستماتة في الوصول الى المواقع القيادية العليا واستغلالها لتحقيق مثل هذا الفساد المالي المعبر عن غياب القيم والمثل الاخلاقية والصفات المبدئية ا لنضالية السامية .. وكان هذا النهج الانحرافي السئي قد بلغ حدا جعل القيادا ت العليا تهمل اهمالا كليا وتاما القيام بالمسؤولية والواجب والامانة الملقاة على عاتقها بأعطاء الاهتمام لأسر الشهداء ورعاية شؤونهم والمساعدة في تدبير امورحياتهم ومعيشتهم ، والاسواء من هذا انها قررت السطو على مبا لغ مالية حصل عليها ا لتنظيم مخصصة لصالح اسر الشهداء ، والاستيلاء على تلك الاموال والتصرف بها وصرفها في امور وجوانب ومجالات اخرى ، ا ن عدم الاهتمام والعناية باسر الشهداء ، وهم شهداء عظام وقادة ، من قبل قيادة التنظيم ادى الى شعور واسع وعميق بالاحباط وخيبة الامل بل والصدمة لدى القواعد والكوادر التنظيمية الواسعة وفقدت الثقة بالقيادات وشعروا بان ماتعلموه ومااكده لهم التنظيم في نظامه الاساسي وغيره بمسؤولية وواجب التنظيم تجاه اسر وعوائل المناظلين الذين يقدمون ارواحهم فداء وتضحية في سبيل مبادئ واهداف ا لتنظيم لااساس له من الصحة والمصداقية وانه مجرد كذب وخداع وهكذا 4- كنت اطرح على زملائي في القيادة وغيرهم من الكوادر البارزة باستمرار ضرورة واهمية اجراء عملية تطوير وتجديد على مضامين فكرنا ” ا لناصري ” استجابة وتفاعلا مع ما يجري حولنا في الحياة من تطورات ومتغيرات متسارعة وبالغة الاهمية ، وتحاشي الوقوع ضمن نطاق او أسر الانغلاق والجمود الفكري ، فا لتجربة الثورية العربية الناصرية اكتسبت اهم صفة وميزة ميزتها عن كثيرمن تجارب العالم ا لثورية بكونها لم تنشأ من منطلق اوقالب ايديولوجي نظري جاهزومتكامل ، وانما امتلكت حيوية وحضورا باستنادها الى المزاوجة او المفاعلة الحية والواقعية بين الاسس ا لنظرية وما تفرزه ا لتجربة العملية التطبيقية في الواقع ، فالاسس النظرية تعصم التجربة العملية من ا لتخبط وا لتوهان والانحراف ، والتجربة العملية في مسار حركتها تثري وتخصب الاسس النظرية وتعدلها وتصوبها من خلال الدروس والعبر والنتائج المستخلصة من الواقع ، اي انها قامت على مبداء ” التجربة والخطأ ” والقائد الخالد جمال عبدالناصر حذر وشدد مرارا من الجمود الفكري والتقوقع داخل شرنقة الايديولوجيا ، ووصف ا لطليعة القائدة لحركة الجماهير بانها تلك التي تمتلك الحركة الطليقة السريعة المستجيبة للتطورات والمتغيرا ت التي يفرزها الواقع .. ومن ضمن ما كنت اطرحه عليهم – انذاك – ماكنت اراه بان الصراع في العقود القليلة القادمة ، سيتحدد ويفرز على نحو حاسم بين قوتين رئيسيتين ، قوة دينية تعبر عن الدين وتستند عليه ، وقوة لادينية تعبر عن افكار وايديولوجيات لاصلة لها بالدين ، ولم تكن الحركات السياسية الاسلامية السرية القائمة -انذاك – قد بلغت مابلغته ا ليوم من القوة والانتشار والتوسع والتأثير ، بالاضافة الى كونها لاتملك رؤية اوبرنامجا اونظرية واضحة ومحددة ومتكاملة للتغيير وشكل ومضمون وطبيعة المجتمع البديل الذي تسعى الى اقامته وكل ما لديها مجموعة شعارات عامة ومهمة وغير محددة اقصى ما تفعله اثارة وتهييج مشاعر وعواطف الناس الدينية ، وان تجربتنا الناصرية من خلال وثائقها الفكرية البرامجية ومن واقع التجربة العملية الضخمة التي اقامتها في مصر ومعالم المجتمع الجديد البديل الذي اسسته ومن خلال ادوارها وتحركاتها وتاثيراتها السياسية قوميا وعالميا ” حركة التحرير الوطني ” في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ، وبالنظر الى حقيقة كون الفكر الناصري اتخذ موقفا ايجابيا من الدين الاسلامي وعبر عن جوهره الانساني الاصيل واستند الى تعاليمه وقيمه الحقيقية السامية القائمة على الحرية والعدل وا لتسامح والتقدم ، فأننا اي الناصريين، نعتبر الاولى والاقدر والاكثر كفاءة وتأهيلا لقيادة وتوجيه احدى قوتي ا لصراع التاريخي القادم وهي القوة المعبرة والمستندة على الدين .. ومن اجل ذلك وتحقيقا له فان الضرورة تفرض علينا القيام بجهد فكري نظري يستهدف التعميق والتأصيل النظري لفكرنا الناصري اسلاميا بالاستناد الى فهمنا واستيعابنا للاسلام على النحو ا لصحيح والاصيل ، علما بان هذا ا لتعميق او التأصيل الديني المنشود لن يفضي الى التخلي او تغيير الاسس الفكرية الاساسية للناصرية لانها لاتتناقض معها اصلا ، بل سيؤدي الى المزيد من البلورة والتطوير والثراء ، هذا ما طرحته تقريبا باختصار شديد ، وقد جوبهت بحملات من الدعايات والاتهامات التى تتهمني بالخيانة والانحراف ! رغم انني كنت اطرح رأيي علنا مع الكثير من القيادا ت والكوادر ، وذا ت مره ،وكنت على وشك تجميد نشاطي التنظيمي ، مررت لزيارة بعض الاخوة من اعضاء القيادة بموعد مسبق ، وتحدثوا معي عن اهمية وحيوية وصحة ما اطرحه وانهم كانوا يتمنون لوانني وثقت ذلك الرأي كتابة ليقوموا بانزاله للنقاش في القواعد ، وبما انني اعزم ا لسفر قريبا فانهم يريدون ان يغتنموا الفرصة ليسمعوا مني تفاصيل الرؤية ا لتي اطرحها بشكل شفوي ليستوعبوها ويقوموا هم ببلورتها بعد ذلك وانزالها للنقاش وبالفعل تحدثت حديثا مركزا حول فكرتي التي اطرحها ثم انصرفت مودعا واعدا اياهم بالقيام باعداد دراسة متكاملة ان سنحت لي فرصة وسمحت الظروف في المهجر .. بعد هذا الموقف بفترة من الزمن ، بلغتني الاخبار ان اولئك الاخوان – سامحهم الله – قاموا بتسجيل حديثي عبرالمسجل سرا وبدون علمي وانهم اتخذوا الشريط دليل ادانة واثبات على انحرافي ! تصور مثل هذه العقلية كا نت قد تسود-انذاك- داخل التنظيم .. 5- سبب اخر وهو ان التنظيم بعد ان افضت المحادثات بيننا وبين النظام خارج البلاد وفي الداخل ،عن اتفاق بعودتنا من الخارج واطلاق المعتقلين .. الخ وبعد ان اضطررنا الى الاستجابة لطلبات وضغوط النظام باعلان خروجنا او انفصالنا عن الجبهة الوطنية الديمقراطية وقطع علاقتنا بليبيا ،اتخذ التنظيم قررا اقر من قبل مؤتمر عام بالدخول في حوار سياسي مع النظام وكنت انا، باعتباري المسؤول السياسي في القيادة مكلفا بادارة ذلك الحوا ر من جانب التنظم وكان المفترض بعد ا ن وافق التنظم واتخذ قرارا من قبل مؤتمره العام بالحوار السياسي ، ا ن يعيد التنظيم النظر بجوانب حركته ونشاطه ومواقفه ،وخاصة العلنية ،بشكل يتواءم ويتكيف مع مقتضيات ذلك القرار، اي عدم القيام بما يتناقض او يتعارض مع الحوار وهدفة ،وفي حين كان الحوار قائما ومستمرا فقد كان هناك من يقوم بتحركات ونشاطات ويعلن مواقف وتصريحات في الخارج بالذات وفي الداخل الى حد ما ينسف اساس الحوار وتبيين عدم مصداقيته من جانبنا مثل ا لتصريحات النافية لصحة ما اعلن عن انسحابنا من ا لجبهة الوطنية الديمقراطية ، والقيام بحملات صحفية حادة ومعادية للنظام في الخارج ،وكذا ارسال اسلحة سرا الى الداخل دون علم القيادة في الداخل بذلك ،كانت الحركة التنظيمية والسياسية للتنظيم لاتخضع للسيطرة والتوجيه المركزي حيث كان هناك من يتحرك وفق مزاجه وهواه ، وكانت المواقف والتحركات غير المنضبطة تلك تؤدي الى نتائج وردود افعال وتأ ثيرات من قبل النظام وكنت انا من يتحمل تبعاتها ومعاناتها بل واخطارها المحتملة ..باختصار لم تستطع قيادة التنظيم ان ترسم وتحدد رؤية وخطة عمل واضحة المعالم ومحددة الاهداف وهو ماالحق اضرارا بالغة بالتنظيم ووضعه ومستقبله .. 6- واخيرا فقد بدأت اشعرببعض مؤشرات بان اجهزة النظام الامنية قد بدأت في عملية اختراق امني خطير داخل التنظيم وفي بعض مستوياته ا لقيادية ،وان عملية الاختراق تلك تسير بدأب ونشاط مكثف ومدروس لتوسيع نطاق ومستوى تلك الاختراقات اكثر واكثر ، وبدا لي ان اجهزة النظام تسعى من وراء تلك الاختراقا ت الى احدا ث انشقاق داخل التنظيم ،حينها وضعت شخصيا تحت مرا قبة امنية شديدة للغاية ظلت تلازمني طوال اربع وعشرين ساعة يوميا ولمدة شهرين متتاليين، كان اسلوب المراقبة من النوع الثا بت والمتحرك ومن ا لنوع ” الاستفزازي” أو ” ا لتطفيشي ” وكنت كلما تساء لت عن دوافعها واسبابها ، خاصة ونحن داخلين في حوار سياسي مع النظام با تفاق مبدئي على ان نعمل على فتح صفحة جديدة من العلاقة الايجابية بيننا وان ليس هناك ما يبرر تلك الرقابة والمضايقة ، كانت الاجابة التي القاها دائما تنحصر في انكار ونفي وجود اي رقابة من قبل الاجهزة وا نني مجرد اتوهمها وهما. وادركت من كل ذلك ا ن مشروع شق ا لتنظيم من داخله بات قريبا ، وكان وجودي في الداخل يشكل عقبة مهمة تقف في وجه ذلك الانشقاق ،وا ن المطلوب هو رحيلي خارج ا لبلاد وهكذا جاء قرار تعييني وزيرا مفوضا في سفارتنا بنيودلهي وقبلته ورحلت بعيدا ، ولم يكن هناك ما يقنعني بالبقاء في الداخل، ذلك ان اوضاع التنظيم كانت تسير من سئ الى اسوأ ولم يكن هناك ما يستدعي رفض الخروج والبقاء في الداخل مع ما يحمله من مخاطر اذ سيضطر الانسان ان يقدم تضحية فادحة دون داع او موجب أوضرورة .. وبالفعل فقد حدث الانشقاق الذي توقعته بعد فترة قصيرة من رحيلي خارج البلاد. وبالمنا سبة فقد كنت منذ وقت مبكر ، وبعد فشل حركتنا الانقلابية بفترة وجيزة ،قد طرحت على الاخوة في قيادة التنظيم فكرة أو مقترحا مؤداه ان نتخذ قررا بايقاف وتجميد كل حركة التنظيم ا لتنظيمية والسياسية والاعلامية بكامل اوجهها الى اجل غير مسمى ونوصي جميع الاعضاء بان يقتصروا على الاهتمام بتنمية وتطوير مستوى وعيهم وثقافتهم الذاتية كل بمفرده .. وكان اقتراحي هذا منطلقا من ادراك وشعور عميق بحجم المشاكل والمخاطر الجسيمة التي ستجابهنا وبالمصير السئي الذي سيؤول اليه مستقبل ا لتنظيم بالنظر الى اننا اصحاب تجربة انقلابية سابقة وستضعنا اجهزة ا لنظام تحت المجهر دائما وستعمل على تمزيقنا وتشتيتنا وتخريبنا من الداخل بكافة السبل والوسا ئل وعبر ا لترهيب والترغيب .. وذلك شئ طبيعي وحتمي الحدوث استنادا الى ما يؤكده ” علم الاجتماع السياسي ” من حقائق ثابتة في تحليله لسيكولوجية نشؤ وتفكك الجماعة ، فعندما تطلع على سيكولوجية تفكك ا لجماعة اي جماعة انسا نية سياسية او اجتماعية اوثقافية واسباب وكيفية تفككها ستشعر وكأنها تتحدث عما وصل ا لية تنظيمنا وما حل به من كوارث .. غير ان الاخوان في القيادة رفصوا هذا المقترح واتهموني بالانهزامية والتخاذل وغير ذلك من الاتهامات ولو كانوا قبلوه لحافظنا على سمعتنا وصورتنا الايجا بية المشرقة في نظر الراي العام وتجنبنا ما حل بنا وجنبنا اعضاءنا كل ما تعرضوا له من ضغوطا ت وافساد الاخلاق والضمائر ولكأن قد جاء الوقت المنا سب ، في ظل ظروف متغيرة افضل وانسب ، لنعيد التنظيم باسرع مايمكن الى سابق عهده .. سؤال : كيف تقييم لنا الرئيس ابراهيم الحمدي ،من حيث شخصيته وقدراته من حيث رؤيته او فلسفته تجاه السلطة أو الحكم وهل كان شديد الطموح للوصول الى الحكم او بعبارة اخرى هل كانت السلطة هي كل طموحه ؟ اشرت في سياق حديثنا السا بق الى ا ن الرئيس الحمدي كان شخصية تتأجج بالطموح والتطلع الى الاهداف والغايات الكبيرة والاستراتيجية منذ وقت مبكر في حياته ، وبتحديد ادق منذ السنوات القليلة الاولى التي اعقبت قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م واقامة النظام الجمهوري .. وبالنظر الى صغر سنه وقلة تجاربه وخبراته -انذاك – وطبيعةالادوار وا لتحركات التي كان يقوم بها ،ان طموحاته وتطلعاته تتجاوز الى حد كبير قدراته وامكانياته ، بل كا نت احيانآ تبدو مغالية ومجنونة ، لكن الرجل كان صاحب ارادة فولاذية وعزم وارادة لا تلين على تحقيق رؤيته ومشروعه الذي أمن به بناء يمن حد يث متطور قوي ومزدهر ينهض بدور اساسي وبارز يلعبه في المحيط القومي والدولي ،وكانت شخصيته متفردة الى حد بعيد في بنائها وصياغتها وتكوينها ،فقد جمعت بين تجربة وثقافة القاضي في تقصيه وتحريه عن الحق والحقيقة واقامة العدل والانصاف ، وبين تجربة العسكري الضابط والقائد والمحارب في الدفاع عن المبادئ والصمود والثبا ت وا لصبر على الشدائد والصعا ب وتحمل ا لتضحيات ،وكذا تجربة المثقف القارئ المستوعب لفلسفة التاريخ وتجارب الشعوب والأمم ، كان يتميز بذكاء حاد ،وحضور ذهني يقظ ومتوقد ،وبصيرة نافذة تمكنه من تحديد حقيقة وحجم المشكلات واستشراف المستقبل من بين ركام وتراكمات الاحداث والمشكلات والازمات ،وكان يعمل بهدؤ وتأن وبعد نظر دون اللجؤ الى مواقف وافعال تتسم بالشطحا ت والحدة وردود الافعال الهوجاء المتوترة .. واذا ما نظرنا الى مواقفه وادواره الرئيسية قبل ان يصبح رئيسا ،وخاصة قرارات ومطالبات القوات المسلحة بالدعوة الى الاصلاحا ت ووقف التدهور والانفلات ومحاربة الفساد في الاوضاع العامة للبلاد في فترة حكم القاضي عبد الرحمن الارياني، فان بمقدوري القول بان ابراهيم الحمدي لم يكن محبا للسلطة وطامحا اليها كهدف في حد ذاتها ارضاء لنزعا ت وطموحات شخصية ، وانما كان يراها وسيلة لتحقيق اهداف وغايات وطموحات وتطلعات عامة موضوعية .. دعني اذكر لك واقعة حد ثت وكان الحمدي حينها قد اصبح رئيسا ،في يوم من الايام قررنا في ادارة التوجيه المعنوي وصحيفة ” 13يونيو ” التي كنت رئيسا لتحريرها الذهاب لاجراء تحقيق صحفي ميداني داخل اللواء السابع مدرع الذي كان قائده، حينها الرائد الشهيد علي قناف زهرة وذهبنا الاخ الرائد علي حسن الشاطر والاستاذ عبد الكريم صبرة صاحب ورئيس تحرير صحيفة ” الحرية ” الاهلية وانا ومعنا فريق المصوريين ، وبعد ان اكملنا تحقيقنا الصحفي تناولنا طعام الغداء وجلسنا للمقيل مع قائد ا للواء وعدد من ضباط اللواء، وصادف ان اتصل الرئس الحمدي تليفونيا بقائد اللواء حيث سأله عما يفعل ومن عندهة وقتئذ فاخبره بوجود صحفيين لاجراء تحقيق صحفي بتجرية صحيفة ” 13 يونيو” فاستفسر عن اسماء الصحفيين فاخبره فقال الحمدي سأحضر لمشاركتكم المقيل ، وبالفعل وصل بعد فترة قصيرة وبعد احاديث متفرقة وسلام ومجاملات وجه الينا الرئيس الحمدي سؤالا عن ماهو اهم ما شاهدناه ووجدناه من تحقيقنا الصحفي في اللواء السابع مدرع، فكانت اجاباتنا تتركز حول نوعية تسليح اللواء حيث كانت دباباته كلها فرنسية الصنع من نوع ” بنهارد” وذلك على خلاف ا لتسليح السائد في جميع وحدات الجيش فقا ل ثم ماذا ؟ فقلنا نوع ا لتدريب ومستواه الرفيع والانضباط والدقة ..الخ فقال هذا كل ما شاهدتوه ورأيتموه فقلنا نعم ، فقال ان اهم ميزة يتميز به هذا اللواء ،وكان حديث ا لنشأة والتكوين ،هي ا ن ضباطه وافراده يمثلون مختلف مناطق ا لبلاد ،حيث تكون اساسا ،من مجاميع منتقاة من كل وحدات الجيش وافضلها وعلى نحو يمثل فعلا الوحدة الوطنية للبلاد ، حيث كان الحمدي شديد الحساسية والحرص على هذه القضية الوطنية الى ابعد الحدود .. بعد هذه النقطة طرح الرئيس الحمدي للنقاش قضية حساسة ومعقدة تشكل خلافا حادآ بين المدارس الفكرية والفلسفية في العالم وهى قضية .. من الذي يصنع التاريخ؟؟ هل الرجل الفرد العظيم أم الظروف والاوضاع الموضوعية السائدة ؟؟ ودار نقا ش مستفيض حولها موضحين بان هناك خلافا جوهريا عميقا بين مدرستين فكريتين أو فلسفيتين في العالم .. فالفلسفة المادية تجزم بان ا لظروف الموضوعية في الواقع المعاش هى ا لتي تصنع التاريخ وتحدد مساره وان دور الفرد أو الرجل العظيم لايتعدى التعبير عنها والاستجابة لمقتضياتها ،وكمثال لاعتقادها تقول بانه لو لم توجد شخصية مثل لينين أو غيره من العظماء لكان حتما ان يوجد اشخاص اخرون مثلهم يقومون بنفس ادوارهم .. اما المدرسة المثالية ” الهيجلية ” فترى على العكس من ذلك ان صناعة التاريخ وا لتحكم بوقائعه ومساره انما يقوم به الرجال العظماء ” التاريخيين ” وهم الذين يخلقون ا لظروف والاوضاع الملائمة لصناعة التاريخ وفق رؤاهم ومشاريعهم المتميزة .. كان رأي الرئيس الحمدي أميل الى رأي ورؤية المدرسة الاولى المادية بان ا لظروف هى التي تلعب الدورالاكبر في رسم وصناعة التاريخ وان دور الرجل العظيم ثانوي ، وكان الاستخلاص العام الذي خرجنا فيه من مجمل النقا ش المستفيض والمتعمق ان تفسير التاريخ لايمكن ان يتحقق بشكل دقيق اعتمادعلى رؤية او منهج احادي ، بل يجب الاخذ بالاعتبار كافة العوامل ومختلف المناهج، فا لتاريخ يصنع من خلال تضافر ادوار الظروف الموضوعية والرجل العظيم والاحداث والتطورا ت المفاجئة وغيرها .. هذه الواقعة تبرهن على ان نظرة الحمدي تجاه مسألة السلطة وفلسفتها ودورها تذهب الى الاعماق البعيدة والى الهدف من ورائها ولم تتوقف عند ارضاء نزعة ا و طموح شخصي كان قد وصل اليه بالفعل وبكل جدارة واقتدار .. وتأكيدا لما اقوله سأفشي لك بسر با لغ الاهمية ،وذلك لاول مرة ،وهو ان الرئيس ابراهيم الحمدي كان قد طرح مرة على قيادة التنظيم انه عاقد العزم على ا لتخلي عن رئاسة الدولة وسيخلفه القاضي الشهيد /عبد الله محمد الحجري كرئيس للدولة ، وكان الحمدي يبدي اعجابا شديدا بشخصية القاضي الحجري ويكن له كل مشاعر الحب والاحترام والتقدير لمواقفه المبدئية وقدراته وكفاءته ونظا فته وحزمه ، اضافة الى كونه شخصية مقبولة ومحل رضى لدى الدول المجاورة كالسعودية وسائر دول الخليج ، وان الحمدي سيكتفي بان يكون امينا عاما لتنظيم سياسي كان يحث الخطى سريعا لاستكمال بلورته وبنائه واعلانه عبر تطوير لتجربة لجان التصحيح المالي والاداري الذي انشأها في عموم البلاد اضافة الى تجربة التعاونيات الاهلية ، وايضا مسؤولية القائد العام للقوات المسلحة .. وفي هذا الصدد وعند اغتيال القاضي الحجري في لندن صادف ان ابلغ الرئيس الحمدي وهو مجتمعا مع بعض اعضاء قيادة ا لتنظيم حيث لم يتمالك نفسه وانفجر باكيا وقا ل للحاضرين لقد قصم ظهري مضيفا بان هناك قوى خارجية معادية ربما كانت على علم بخطته القاضية بجعل القاضي عبد الله الحجري رئيسا للدولة، فسعت الى اجهاض وضرب مشروعه .. بعد ذلك اتجه الرئيس الحمدي الى عبد العزيز عبد الغني ليكون رئيسا للدولة بدلا عن عبد الله الحجري شارحا الابعاد والاهداف التي يتوخاها من ذلك وهو كسر وانهاء الواقع السائد والعرف الثابت تاريخيا بان يكون رئيس الدولة دائما من المنطقة الشمالية للبلاد ، فكان يهدف الى الغاء هذا العرف الطائفي المناطقي المتوارث لخلق وحدة وطنية حقيقية وراسخة وعميقة الجذور .. كان الحمدي في مرحلة حكمه الاخيرة ، وبموجب معلومات مؤكدة تجمعت لدينا ، قد شهد تغييرا وتحولا جوهريا عميقا في شخصيته وتفكيره ونظرته للحياة ،حيث اصبح ينزع بقوة نحو حياة الزهد والتقشف والبساطة وكان يقضي ساعات عديدة ومتأخرة من الليل معتكفا ومختليا لوحده وبشكل سري في احد المساجد المجاورة ، وكان سريع الغضب والثورة والانزعاج من كل مظاهر العنف والقتل وسفك الدماء ، اذكر مرة ان التلفزيون كان يبث مسرحية قامت بتمثيلها فرقة التمثيل العسكرية التابعة للتوجيه المعنوي وكانت فيها بعض المشاهد العنيفة والدموية وعلى الفور قام الحمدي بالاتصا ل بالتوجيه المعنوي ثائرا ومنزعجا وموبخا ومعترضا على بث مثل تلك المشاهد ! وعلى الرغم من ا ن الحمدي كان عند استشهاده يوم 11اكتوبر1977م في اوج وعنفوان شبابه اذ لم يزد عمره انذاك عن 34 عاما تقريبا على حد علمي، الا انه لم يكن شغوفا ولا متشبثا بالسلطة والحكم الا من حيث هي وسيلة لتحقيق الغايات وا لاهداف والمثل السامية التي كان يؤمن بها ويعمل من اجل انتصارها ..

أحدث منشورات

عرض الكل

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com