د. يحيى الماوري: البعد الاجتماعي والإنساني في تجربة حركة 13 يونيو

لم يجمع اليمنيون على وطنية حركة سياسية مثلما أجمعوا على حركة ١٣ يونيو ممثلة بقائدها الرئيس الشهيد ابراهيم محمد الحمدي .. ومن الصعب أن نجد زعامة وطنية نالت مثل تلك الشعبية والالتفاف الجماهيري والمحبة التلقائية التي نالها وما تزال حتى اليوم بنفس الحماس والقوة حتى لدى الاجيال التي لم تشهد عصره ولم تعش فترة حكمه. هذه الحالة الفريدة جعلت من جاء بعده يحاول بكل وسيلة محو تلك الفترة من الذاكرة اليمنية،لكنهم فشلوا امام طغيان شخصية الحمدي برمزيته وكارزميته على الرغم من قصر فترة حكمه. لم يكن الحمدي يستغل المال العام لشراء الولاءات وكسب التأييد الشعبي كما فعل ويفعل غيره.. لم يستخدم العنف والتصفيات لإسكات المعارضين .. أراد الحمدي ان يبني إجماعا وطنيا لصنع التحول التنموي الشامل وتأسيس حياة ديمقراطية شعبية، الا ان مراكز النفوذ التقليدية لم توافقه على ذلك لأنها تريد التوافق السياسي على اساس تقاسم الثروة والسلطة والحفاظ على مصالحها وحرمان القاعدة العريضة والطبقات الفقيرة من حقوقها الطبيعية .. وقد حدد الرئيس الحمدي تلك الرؤية في احد خطاباته حين قال ” لقد طرحنا نقاط عمل تضمنت نظرتنا إلى كافة مشاكلنا وقضايانا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ،منطلقين من المباديء الستة للثورة ،ودعونا جميع القوى الوطنية لنقاشها والإضافة إليها وترجمتها بعد ذلك إلى ممارسة عملية بعيدا عن المغالاة أو المزايدة أو تسجيل المواقف …” كتاب خطب الرئيس ص 200 كانت مواقف ابراهيم الحمدي ورؤاه الوطنية هي الباعث على المواجهة مع تلك الفئة المناهضة لسياسته الوطنية وطموحاته التنموية الكبيرة .. وهي اساس شعبيته والتفاف الشعب حوله في كل ربوع اليمن وحضوره الدائم في ذاكرة اليمنيين ؟

كان قريبا من الشعب ومن الشرائح الاجتماعية الأكثر فقرا ومعاناة .. اختلف مع مراكز القوى القبلية لانه أراد انصاف الفئات المستضعفة .. اختلف مع مراكز النفوذ لانه أراد تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة امام القانون .. وكما عبر عن ذلك في كلمة له مشيرا الى أولئك الذين يقلقون من نهوض اليمن ” هناك أناس قلقون ،لا أدري لماذا يقلقون وماذا يقلقهم ؟ هل الإنجازات التي تبنى لخدمة الإنسان اليمني هي التي تقلقهم ،هل قرابة نصف مليون من الطالبات والطلبة على مختلف أنحاء الجمهورية ينعمون اليوم بالعلم والتعليم …هو الذي يقلقهم ،لا أدري هل شق آلاف الكيلومترات من الطرقات المعبدة …هل أن يحل الحب والتعاون بدل البغضاء هو الذي يقلقهم ،لا أدري هل غرس الشجرة وبذرة الأمل الطيب في النفوس بدلا من الألغام وأشلاء المشوهين ودماء الشهداء هو الذي يقلقهم ،لا أدري هل بناء الدولة المركزية التي ينعم كل مواطن في ظلها بما له من حقوق وما عليه من واجبات هو الذي يقلقهم بدلا من الفوضى والتسيب ومراكز القوى والدويلات المتعددة لا أدري ، إنما حين أقول هذا أقوله لكي أكون باستمرار صريحا مع شعبنا الكريم الذي أعرف وأنا متأكد جدا بأنه اليوم يعرف طريقه وأنه اليوم يعرف أعدائه وأصدقائه . وأنه اليوم يعرف من يقلقون على مصالحهم الشخصية ،وإلاَّ لماذا لم يقلقوا والجماجم تتساقط ،لماذا لم يقلقوا وأموال البلد تهدر ،لماذا لم يقلقوا وسمعة اليمن في الحضيض ،لماذا لم يقلقلوا والفوضى ضاربة أطنابها في كل مكان … نحن طريقنا هو البناء وطريق السلام ” خطب الرئيس ص ٢٦٠ لقد برز البعد الاجتماعي والبعد الإنساني بقوة في التجربة التعاونية وعملية التنمية الزراعية ورعاية المهمشين والمغتربين واشراكهم في عملية التنمية الوطنية كشريحة نوعية لعبت وتلعب دورا هاما اقتصاديا وسياسيا . كانت التجربة التعاونية التي وصفها بانها: هي المبادرات الشعبية الصادقة التي نعتز بها ،والتي نحث على دفعها إلى الأمام ،لكي تستطيع أن تجدد في أعمالها وإنتاجها صورة حقيقية لطموحات وآمال شعبنا في كل مناطق اليمن ” ص ١٠ خطب وتصريحات الرئيس.. وقد كان لها دورا حيويا فعلا في احداث تحول تنموي ملموس في الأرياف المحرومة والمعزولة وعمل على توفير ضمانات نجاحها واستمراريتها من خلال ربطها بالقاعدة الشعبية بحيث كان العنصر البشري هو وسيلتها وغايتها،فقد كانت مظاهر التنمية المحدودة تنحصر في العاصمة صنعاء مما زاد من عزلة اطراف البلاد وتهميشها.. فلا خدمات تعليمية ولا صحية ولا مياه ولا طرقات ولا اي مظهر من مظاهر الحياة ووسائلها البسيطة فرسم للحركة التعاونية خطة طموحة لعملية تنمية قصيرة المدى لإنجاز أهم المرافق الخدمية وهي المدارس ومجانية التعليم وتوفير الكتاب المدرسي في كل قرية ومدينة والمستوصفات والوحدات الصحية وشق الطرقات الفرعية وإقامة مشاريع مياه الريف وهي تمثل أهم الخدمات الأساسية لمحاربة الجهل والأمية واحداث التحول والتغيير من خلال نشر التعليم ومحو الأمية ورفع مستوى الوعي الصحي من خلال المراكز الصحية وتوفير المياة النقية وتسهيل التواصل وكسر العزلة بين المناطق الريفية والعواصم بشق الطرقات الرئيسية والفرعية .. ولضمان استمرارية الحركة التعاونية خصص لها نسبة ٢٥% من موارد الزكاة وكانت تكاليف إقامة تلك المشاريع توزع على ثلاثة جهات: ١.. الحكومة ثلث التكلفة . ٢.. التعاونيات الاهلية ثلث التكلفة . ٣.. الأهالي ثلث التكلفة بتوفير اليد العاملة . استطاعت التعاونيات ان تحقق قفزة كبيرة في إقامة المدارس والمستوصفات والوحدات الصحية وشق الطرقات الفرعية وإقامة الحواجز المائية لتوزيع مياه الأمطار وعملية التشجير والتنمية الزراعية والحد من زراعة القات. كما أسهمت في تخفيف الظلم الاجتماعي عن كاهل المواطن الضعيف من خلال جعل الزكاة امانة وإلغاء وظيفة المخمن ومنع الاتاوات واجرة العسكر وتكاليف العدالة القضائية والحد من التطويل في نظر القضايا امام المحاكم وتنفيذ الأحكام، ثم في محاربة قضايا الثأر ومنع التخرجات القبلية وتحديد المهور وفرض عقوبات على مخالفيها لتمكين الشباب من الزواج والاستقرار في حياتهم الاجتماعية والنفسية والعائلية.. وكان لتلك المبادرات والإجراءات دورها في جلب الشعور بالامان والاطمئنان الى نفوس المواطنين إلى حد انحسار ظاهرة الثأر والتخلي عن حمل السلاح في المدن والأرياف بل والتخلص من الأسلحة الشخصية وبيعها بأرخص الاثمان .. ربط المغتربين بعملية التنمية داخل الوطن : كنا في زيارة للمغتربين في امريكا وعدة بلدان أوروبية وعربية أوائل عام ١٩٧٧م .. وفي لقاء جمعنا بالأخ السفير حينها المرحوم يحيى المتوكل وكان عائدا لتوه من اجتماع له بمدير البنك الدولي.. فوجئنا بالأخ السفير يقول : تخلصت بصعوبة من موقف محرج مع مدير البنك الدولي، فقد كان مصرا على أن تقرض اليمن مصر خمسمائة مليون دولار بحجة ارتفاع الاحتياطي النقدي لليمن من العملة الصعبة .. شرح الاخ السفير لمدير البنك عجز اليمن عن تلبية ذلك الطلب بان تلك الأموال تعود لبيوتات وشركات تجارية ومدخرات مغتربين يمنيين في الخارج وان ذلك سيؤدي إلى حرمان اليمن من المساعدات والقروض المعفية وسيرفعها من درجة الدول الأقل نموا الى درجة أخرى لا تحصل على الامتيازات التي تحصل عليها الان .. وقد نجح السفير في اقناع مدير البنك .. كان الجانب الاجتماعي والإنسان ياخذ حيزا واسعا في فكر وتوجه ابراهيم الحمدي رحمه الله.. فقد كان اول حاكم يفتح المدارس للمهمشين ويفتح لهم الكليات العسكرية ويمنحهم حق تولي الوظائف العامة وتخصيص اراضي لإقامة مساكن لهم كما خصص للمغتربين مجمعات صناعية وفتح لهم أبواب الاستثمار والمساهمة في بنوك التسليف الزراعي والصناعي والإسكان وكانت مساهماتهم عالية جدا .. خصص اراضي لإقامة مدن سكنية للموظفين والعمال والمغتربين العائدين من فيتنام وإثيوبيا جراء الحروب التي شهدتها تلك البلدان بل وجه بتسيير رحلات جوية لنقلهم وقد كلفت والمرحوم علي محمد المقطري بالسفر إلى السودان للإشراف على نقل العائدين من إثيوبيا وكان الطيران اليمني يشغل رحلتين يوميا. وحتى لا تتجاوز المساحة المسموح بها فانني اختتم هذا الموضوع المختصر بكلمة للرئيس الشهيد ابراهيم محمد الحمدي والتي تجسد حقيقة مشاعره تجاه وطنه وابناء وطنه بقوله ” بصفاء السماء وبسمة الشروق ،ورحابة البحر …هكذا أحب وطني ،وأحب كل مواطن فيه ، كل مواطن هو أخي وحبيبي ، وسعادتي أن أراه حرا سعيدا ، وإنسانا منتجا قادرا وليس عالة على أحد ، ولا يطلب الاستجداء من أحد ،يجب أن نعتمد على أنفسنا ونبحث في كوامن القدرة في أعماقنا وسنجدها لأننا شعب كريم وعظيم ،”ص242 رسالة ماجستير أروى محمد ثابت” . .. الرحمة والخلود لك أيها القائد العظيم والزعيم الملهم والتحية الكبيرة لحركة ١٣ يونيو المجيدة في ذكراها الخالدة.

أحدث منشورات

عرض الكل

د. فاطمة رضا.. لا سادة ولا عبيد

لا ساده ولا عبيد ، لا تابع ولا متبوع ، إنتهى زمن العبودية ، ولا أعتقد أن هناك فرق بيني وبين الملكة إليزابيث فلا التاج يمنحها أفضلية عني ولا المال ولا الشهرة ، وأستطيع مقاضاتها أمام المحكمة حتى على أتف

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com