جمال عبد الحميد سلطان..

يتصور البعض أن الإمارات تتصرف كقوة إقليمية، منذ بداية مشاركتها في العدوان على اليمن، وفي سيطرتها على السواحل والموإنئ، سواء في تعز، عدن، سقطرى، المخا، باب المندب، وسعيها إلى إخضاع شقرة في أبين. لكن محدودية الإمارات جغرافيا، وعدد سكانها، لا يسمح بوجود خطط ذاتية كبيرة، فأكبر أهدافها تنتهي بتخطيط لسباق الدواب، والرهان على فوز أسرع ناقة، كما أن القوى الدولية لا تسمح بالتمركز في تلك المناطق، إلاإذا كان هناك نوع من التفاهمات بين الأطراف الدولية الفاعلة، وخدمة لشركاء الامارات والسعودية إذا:لماذا سلمت شرعية هادي سقطرى للانتقالي وانسحبت السعودية لتسيطر الإمارات؟

للإجابة على هذا السؤال يجدر بنا القول إنه، برغم تعدد واختلاف المناطق اليمنية الساحلية، في التأثير على المياه الإقليمية، وحركة الملاحة الدولية، الا أن هذا التعدد يتعاظم تأثيره أذا عرف كيف يتكامل. وتحقيق ذلك يتطلب وجود طرف، سلطة واحدة، لتحكم المناطق الواقعة على الشريط الساحلي والبحري، إذا لم تحكم اليمن بأكمله. وفي ظل تنافس الدول الكبرى على اليمن … تعتبر التوجهات الفكرية والذهنية للسلطة الحاكمة على هذه المناطق الساحلية، المقياس الأساسي في تحديد الطرف الدولي المسيطر على اليمن، ومدى تحكمه بالبعد الاستراتيجي للمياه والجزر اليمنية. ومثال ذلك: عندما كانت ذهنية السلطة في الشطر الجنوبي من اليمن، على غرار التوجهات القومية استخدمت القوات المصرية واليمنية جزيرة سقطرى لإغلاق باب المندب في عام 1973م. لقد أعلن المجلس الانتقالي قيامه في جنوب في 11مايو 2017 وتشكلت قيادته من شرعية هادي المتسعودة، وبدعم الإمارات، وأناطت إسرائيل للإمارات مهمة الإشراف على تأهيل وتطوير المجلس الانتقالي، إلى مستوى السلطة التي ستحكم المناطق الجنوبية، بذهنية تضمن للعدو الصهيوني السيطرة على المناطق الاستراتيجية في السواحل والجزر اليمنية. جاء ذلك بعد أن كشفت إحدى وسائل الإعلام الإسرائيلية القناة 13″أن الإمارات الحليف السري والأهم لإسرائيل “في إشارة إلى نجاح حكومة زايد بتشكيل واعداد الانتقالي الحليف السري لإسرائيل، على حين يعد التدوير القائم في الانسحاب السعودي، والسيطرة الإمارتية، لبعض المناطق الجنوبية، أسلوبا لترويض على قبول المحتل من جهة، وتسليم الانتقالي لمواقع متقدمة في إطار التوسع التدريجي لنفوذة وسلطته من جهة أخرى , تقدم العتيبة سفير الامارات لدى واشنطن، بطلب الإذن من إسرائيل للسيطرة على سقطرى، كما برهنت مقالته في صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية في تاريخ 13 -6-2020 ما مضمونه “أننا ومن خلال العلاقة القوية والعميقة مع الولايات المتحدة الامريكية كان بإمكاننا خلق تعاون أمني مشرك وأكثر فعالية” وأضاف “أن من خلال قدراتها يمكن أن تكون بوابة مفتوحة أمام الإسرائيليين بربطهم بالمنطقة والعالم” ويعني ذلك أن الإمارات على استعداد لخدمة إسرائيل، من خلال السيطرة على جزيرة سقطرى وباب المندب الذي يربط المنطقة بالعالم.

إذا لقد سلمت سقطرى بطلب إماراتي وبأذن إسرائيلي في 21-6-2020.

وعلى سبيل الذكر فإن أهمية سقطرى في توصيف الجغرافيين الاستراتيجيين “قلب الأرض” – بحسب نظرية قلب الأرض للعالم هالفورد ما كيندر – إن جزيرة سقطرى لا تتحكم ب “بالهلال الداخلي “المحيط بروسيا وحسب، بل تتحكم بكل العالم، حيث قسم ما كيندر العالم لثلاثة أجزاء: قلب الارض، الهلال الخارجي، الهلال الداخلي، كما هو موضح في الصورة ويرى ما كيندر: أن الذي يسيطر على شرق أوروبا “سواحل أوروبا” يسيطر على “قلب الأرض”. وبالتالي الذي يسيطر على “قلب الأرض” الممتد من (نهر الفولوجا ، لبحر قزوين، إلى جبال الالب، وحتى شمال الصين، والهند، وسيبيريا الداخل في روسيا ؛ فإنه يسيطر على الجزيرة العالمية. والجزيرة العالمية هي القارات الثلاث آسيا، أوروبا، وإفريقيا، بمعنى أنه يسيطر على العالم كله. ومما سبق يتضح أن جزيرة سقطرى تقع نهاية الهلال الداخلي الذي يضم (سواحل أوروبا، ودول شرق إفريقيا، الصحراء الكبرى، شبه الجزيرة العربية، جنوب شرق آسيا، الهند، معظم الصين، واليابان) وبالتالي فإن الجزيرة تتحكم بباب المندب، أي بالطريق الذي يربط بين القارات الثلاث، أي بالعالم كله. كما أن موقع جزيرة سقطرى يتحكم في جزء من الهلال الخارجي والمتمثل في المحيط الهندي.

أما أسباب سيطرة الانتقالي على سقطرى في هذا التوقيت بالذات فإنها ترجع إٍلى: أ- تمكين الانتقالي من موقع جغرافي يهيئ ويحضر المجتمع الدولي للاعتراف به إما كأقليم مستقل في إطار الدولة اليمنية ، أو كدولة منفصلة عن شمال اليمن وتمثل جنوبه ، لأن الموقع الجغرافي لجزيرة سقطرى من أهم العوامل التي تسمح للسلطة المسيطرة عليها بممارسة تأثير كبير ، من منطلق مشاركتها في المجتمع الدولي ، الذي ينبع أساسا ، من طبيعة العلاقة بين الموقع الجغرافي والتوجه الفكري والسياسي لمن يحكمها ،يوضح طبيعة ذلك التوجه تصريح سليماني مدير مكتب العلاقات الخارجية للمجلس الانتقالي الجنوبي ” مستعدون لإقامة علاقة مع إسرائيل أذا لم تتعارض مع مصالحنا الوطنية “. ب- خشية كل من إسرائيل وامريكا، من سيطرة أنصار الله أو أي طرف مُعاد لهما على جزيرة سقطرى، التي تتمتع بمزايا متعددة وهامة منها: 1- أن إغلاق البحر الأحمر من الٍبوابة الجنوبية عن طريق جزيرة سقطرى سيكلف أمريكا أثماناً باهظة في قيمة النقل البحري. 2- اقتراب جزيرة سقطرى من جزيرة “دييغو غارسيا”، الواقعة في قلب المحيط الهندي، التي تعتمد عليها أمريكا كقاعدة دائمة لقاذفات (B52) التي نشرتها أمريكيا بعد اغتيال “قاسم سليماني ” قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وتحتضن أبرز القواعد الأمريكية في المحيط الهندي وتضم مابين 5000 -3500 عسكري أغلبهم من الأمريكيين وقليل من البريطانيين وتبعد مسافتها عن إيران 4842 كيلومتراً .

3- يبلغ طولها (3000كم) وافقها الجغرافي المنفتح على الجهات الأربع يقدم فرصاً لتنوع الموارد، وتعزيز الإمكانيات العسكرية فيها وانفتاح الجزيرة على المحيط الهندي يعزز المطمع الأمريكي في السيطرة عليها وفقاً لتوصيات ” الفريد ماهان ” للبحرية الأمريكية من ان كل من ينال التفوق البحري في المحيط الهندي يكون لاعباً رئيساً في السياسة الدولية. 4- فقدان أمريكا لإدارة جزيرة سقطرى، سيعوق قدراتها على حماية إسرائيل، وتعزيز وجودها في المنطقة وتسعى أمريكا لضمان عدم سيطرة أي قوى معادية لها على الجزيرة، لأن الموقع الاستراتيجي للجزيرة، ومداها البحري الذي يتوسط منطقة الشرق الأوسط، والقرن الافريقي، يوفر التسهيلات للعمليات العسكرية البحرية كافة ويؤدي دورا رئيساً في الإمداد للأسطول الأمريكي الخامس. 5- يطمع الكيان الصهيوني بالسيطرة على الجزيرة كونها موقعاً حيوياً، يحقق له مميزات سياسية واقتصادية وعسكرية من أجل إقامة “دولة إسرائيل الكبرى”. لإن سيطرة إسرائيل بشكل مباشر أو عن طريق الوكالة، على جزيرة سقطرى يعرض الأمن العربي كله للخطر , فسيطرتها على أحد أهم الممرات المادية يحقق طموحها في تحويل البحر الأحمر وخليج عدن إلى بحيرة يهودية وتواصل تسميته بخليج إيلات نسبة إلى مينائها الجنوبي . 6- إنشاء قاعدة عسكرية بحرية إسرائيلية بقوة تضمن إغلاق مضيق المندب في وجه حرية الملاحة العربية وقوى محور المقاومة في الوقت الذي يناسبها. 7- تقع سقطرى على خط الحرير الذي تسعى الصين لإنشائه وفي حال نجاحها سينعكس ذلك على الاقتصاد الصيني بالنمو وعلى الاقتصاد الأمريكي بالتراجع بسبب انكماش السوق الأمريكي في أوروبا وإننا نعلم ان الوقت لم يسعف بريطانيا في تنفيذ مشروعها لشراء جزيرة سقطرى من سلطان قبائل المهرة ” عمر بن سعيد ” عام 1843 لإقامة مستوطنات إسرائيلية على الجزيرة، بسبب ضربات جبهة المقاومة الشعبية وجلاء بريطانيا 1967، إلا انها تستكمل تنفيذ مشروعها عن طريق شراء الإمارات للأراضي في جزيرة سقطرى، من أجل إقامة مشاريع إستثمارية لشركات تابعة للعدو الصهيوني. كما نجد أن أطراف التحالف السعودي والإماراتي، تحدث المواطن عن النضال من أجل الوطن بلهجة تكاد تكون واحدة، إلى انها تتعارض مع الواقع المؤلم، فهناك فرق ومساحة واسعة بين المبادئ التي تعد المواطن بها وبين حقائق سياساتها وممارساتها. وذكرنا لكل تلك المميزات في سياق الأحداث ليست الغاية الأهمية الجغرافية والأطماع. إنما الغاية أن نقول أولاُ: ان الإنسان ضمن أي مكون إذا لم يضع قضاياه موضع القضايا العادلة، يفقد أهمية وجوده. وثانيا: إن قضيته بهذا المعنى خاسره مهما كان وضعه وانتمائه واخيراً: هل سيطرة المجلس الانتقالي المدعوم اماراتياً على سقطرى قدر لا مفر منه؟ وهل بإمكان الإمارات استمرارية البقاء في هذه الجزيرة الاستراتيجية؟ إن المعطيات لا توحي باستمرارية البقاء في نظرنا مادامت المقاومة قائمة وعلى أشد أوج قوتها حاضراً ومستقبلاً مهما تكالبت قوى العدوان المهزومة في اليوم والغد القريب ولربما الأقرب.

جمال عبد الحميد سلطان

أحدث منشورات

عرض الكل

د. فاطمة رضا.. لا سادة ولا عبيد

لا ساده ولا عبيد ، لا تابع ولا متبوع ، إنتهى زمن العبودية ، ولا أعتقد أن هناك فرق بيني وبين الملكة إليزابيث فلا التاج يمنحها أفضلية عني ولا المال ولا الشهرة ، وأستطيع مقاضاتها أمام المحكمة حتى على أتف

فائزة الوصابي.. عندما تصرخ الأقلام العربية ..

كثيرٌ من الأقلام الصارخة في وجه الظلم جف حِبرُها واختفت معالم أثرها وباتت واهية ضعيفة في محتواها؛ محللون، نقاد، مؤرخون، صحفيون يحللون المشاهد المبكية في أوطانهم بتحليل يتدنى لمستوى الخيانة لأوطانهم ؛

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com