الحلقة السابعة.. عبور الحدود

أكرم الظاهري

عبورالحدود وعنف(الكوِتشان):

صعدنا على الدراجة النارية ثلاثتنا بأجسادنا الضئيلة الواحد خلف الأخر ومن خلال ارتباك السائق وتوتره أتضح لنا أن هناك مخاطرة في هذه الخطوة بالذات، ولا ندري ماذا ينتظرنا بالضبط، كانت المافيا من بدو الكويتشان في انتظارنا وما أن وصلنا إلى خلف التباب حتى بدأ لنا رجال متلحفين بالبتو (لحاف كبير يلفون أجسادهم به من البرد) وكانت وجوههم مغطاة ويصرخون علينا بقولهم: أدريش أدرش ومعناها (توقف) لكن السائق لم يذعن لهم بل زاد من سرعته، وهنا بدأت المطاردة التي بسببها توغلنا في أعماق الصحراء متجهين نحو سلسلة من التباب التي كانت تبدو لنا كالسراب من شدة حرارة الشمس التي أحرقت رؤوسنا ومافيا الكويتشان تطاردنا و تطلق النار علينا حيث كنت أسمع أزيز الرصاص التي تمر بالقرب منا، الشاب المغربي الذي كان متمسكاً بي على متن الدراجة وفجأة سقط منها يتدحرج على الأرض، أخبرت الأفغاني بفزع ولكنه نظر خلفه وأخفض رأسه وزاد من سرعته متقدماً إلى الأمام، والحمد لله وصلنا إلى تلك التباب وعلى الفور تركنا الدراجة النارية بالأسفل وصعدنا إلى أعلى التبه ولكن لم يكن أمامنا ساتر يقينا من رصاصهم الموجه لقتلنا، فانبطحنا مذعورين وصديقنا الأفغاني يتبادل معهم أطلاق النار حتى نفذت ذخيرته من الرصاص.

أصبحنا على وشك الهلاك لولا نجدتنا من رجال الطالبان الذي جاء بهم نعمة الله لإنقاذنا في أخر لحظة بعد أن تأخرنا عليه وسماع أصوات تبادل الأعيرة النارية من على بعد، هرب هؤلاء المافيا من الكويتشان خوفاً من جماعة الطالبان لما كانت تتمتع به هذه الجماعة من هيبة وهيمنة على كل القبائل الأفغانية، ورجعنا لنبحث عن الشاب المغربي الذي سقط من على الدراجة النارية والحمد لله وجدناه، لكنه كان قد فارق الحياة، فأخذناه معنا والحزن والحسرة تعتصر قلوبنا وواصلنا طريقنا في صمت، وما هي إلا 5 دقائق حتى ألتفت إلينا نعمة الله ويقول: أهلا بكم في أفغانستان الحمد لله لقد وصلنا فلا تخافوا أو تقلقوا بعد الآن فقد دخلنا إلى الأراضي الأفغانية، وكأنه يضمن لنا الطمأنينة والداعة والسكون بعد الأن، واجتزنا دولة باكستان ودفعنا ثمن ذلك حياة إنسان كغُربان لدخول هذه الأرض، كانت الساعة تشير إلى الواحدة والنصف بعد الظهيرة والشمس في كبد السماء، كنت أتطلع من نافذة السيارة فرأيت قمم شاهقة وسلسلة جبال يقال لها:( الهندكوش ) وهي سلسلة جبلية تبداء من جبال الهملايا في الهند وتنتهي بالهندكوش في أفغانستان ولكنها تصغرها من حيث الارتفاع، وهي جبال شاهقة تغطي قممها الثلوج حتى في فصل الصيف وتسكنها الحيوانات المفترسة والنادرة.

وما أدهشني عند دخولنا إلى أفغانستان هيا البنية التحتية الضخمة التي تم تدميرها ولم يبقى منها سواء آثارها التي تدل على أنه كان هنا مؤسسة أو وزارة أو مشفى أو سينما وووو وذلك من جراء الحروب المستمرة طيلة قرون، أيضاً الفقر والحصار الذي ألم بهذا الشعب المضطهد من حكامه والتقسيم والتقاسم من قبل الأحزاب والمنظمات والتي يسيطر كلا منها على مدينة ليضع فيها قوانين صارمة على حسب منظوره ومصالحه دون شورى أو ديمقراطية غير مهتم بما يريده الشعب المسحوق من ويلات الحروب، كان العرب الأفغان يناصرون الطالبان والذي يرئسهم أسامة بن لادن والطالبان ويرأسهم ” الملا محمد عمر ” وهم ضد الأحزاب والتنظيمات الأخرى من المعارضة لسياسة الطالبان، أيضاً العرب كانوا مقسمون إلى عدة جماعات مستقلة بدعمها ومقاتليها واستراتيجيتها، فمثلاً: الجماعة الليبية المقاتلة ويترأسها ” أبو الليث الليبي ” والذي كان معتقل في سجون السعودية بالرويس وتم هروبه من السجن مرتديا زي أمراءه حتى وصل أفغانستان ولهم معسكراتهم الخاصة في كابول بالقرب من خط الدفاع الأول، والجماعة الجزائرية والجماعة المصرية ويترأسها الدكتور/ أيمن الظواهري، والجماعة السورية ويترأسها ” أبو مصعب ” السوري.

كل من هذه التنظيمات لها فكرها لكنها تجتمع تحت راية الطالبان ولا تتجرأ على معارضتها لشيء أرادته أن ينفذ وقتال المعارضة في الشمال الأفغاني من الأحزاب وقوات القائد/ احمد شاة مسعود الملقب بأسد بنشير والذي يسيطر على وادي بنشير وهو من أعتا الوديان بأفغانستان لم يستطع أحد اقتحامه من الطالبان أو العرب، أيضا عدة قادة من المعارضة الأفغانية وهم حكمت يار ورباني ورستم وووو وكل هؤلاء القادة وغيرهم كانوا مجتمعون في قتال الاتحاد السوفيتي عند استعماره لأفغانستان، وبعد أن دحروا العدو وطرد السوفيت سعى كلاً منهم للسيطرة على جزء من هذه البلاد فدمروا بذلك بلدهم التي تم تدميرها من قبل الاستعمار الخارجي أيضاً، أفغانستان بلد جميل وطبيعتها خلابة، خصبة التربة فتجد أشجار الكرز والكمثرى المنتشرة في شوارعها وسواقي المياه التي فتحت لها مساقِ تجري من معظم المنازل والأحياء حيث تأتي من الأنهار، ولكنك عندما تسرح في هذا الجمال الرباني ولا تكاد أن تهدءا وتأخذ أنفاسك متأملاً إلا وترى رجل قد بترت أحد أعضائه. أخيراً وصلنا إلى مدينة قندهار البشتونية في تمام الساعة الخامسة والنصف قرب صلاة المغرب، ووصلنا إلى حي فيها يسمى:(جامع حجي حبش) وهو موقع مقر مضافة العرب والمعهد العربي لطلب العلم والعلوم الإسلامية والذي يديره الشيخ ” أبو حفص الموريتاني “، أقبل الليل يجر ردائه وأدبر النهار وكشرت الأرض الموحشة عن أنيابها وتعطشها للدماء البشرية، كان سفر شاق ومضني أتلف أعصابنا وانهارت قوانا، فالسفر قطعة من العذاب كما أخبرنا رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أوقفنا السيارة أمام بوابة المضافة ففتح لنا البوابة رجل كبير في السن وجهه مكحوت وكالح وفي عينيه وجع ستون عاماً من الأحزان والمعاناة وأمرنا أن نترجل من السيارة، وذهب نعمة الله في حال سبيله، تم تفتيشنا ذاتياً واحداً تلو الأخر من قبل الحراس وتبليغ أمير المضافة ويدعى:(أبو خلود ) الذي أتاء لاستقبالنا وأخذ ألقابنا وأمر بإنزال الجثة ليتم غسلها ودفنها على الفور، أجتمع حولنا الشباب من الوافدين الذين سبقونا ومن القدماء أيضاً كانت أشكالهم توحي أن جنسياتهم مختلفة ومن شتاء بقاع الأرض ومن مختلف الأعمار التي تبدءا من العشرون وما فوق، كنت أنا وزهير الكويتي أصغرهم عمراً فلم نتعدى العشرون بعد، بدءوا بالترحيب بنا بحرارة وكلن منهم يتأمل أن يراء قريب له أو أحد من معارفه الذي أجتهد في أقناعة على المجيء والالتحاق به، والبعض الأخر ينتظر بفارغ الصبر أن تأتيه بخبرٍ مآ عن العالم الخارجي أو أقاربه فلا يوجد لديهم أدنى طرق التواصل الاجتماعي سواء الراديو باللغة الأفغانية ومخصص بها فترة لمدة ساعة باللغة العربية تذيع أخبار الطالبان ومعاركهم، أذن المغرب وقمنا في اصطفاف للصلاة معهم في جماعة بداخل المضافة فلم يكن من المسموح لأي فرد بالذهاب للصلاة بالمساجد المجاورة والاختلاط بالأفغان وذلك لأختلاف المذاهب، فالطلبان يتبعون مذهب الحنفية، ولا يؤمنون مثل جماعة السنة ويصلون الفجر عند بزوغ الضوء ويضمون أيديهم أسفل المعدة، وقد حصل في ذات مرة والذي اخترقت فيها هذا القانون وذهبت لأداء صلاة المغرب في أحد مساجد الأفغان القريبة من المضافة فبدء الأمام بقراءة الفاتحة وعندما قال ولا الضآلين قلت أنا بصوت مرتفع ولا إرادياً: آمـــين والذي كان يصلي بجانبي أحد الأفغان الكبار بالسن حيث وكزني بمرفق ساعده الأيمن في معدتي حتى اختفاء نفسي وكاد أن يغما عليا من شدة الضربة، وكان هذا أول درس لي في هذا البلد المتشدد ولن أخالف أوامر المضافة مرة أخرى.

بعد وصولنا المضافة جاءنا أمير المضافة وسلم علينا وتم صرف بساطر للنوم (أفرشة سفري)، وأخبرنا: أن نتجهز بعد صلاة العشاء ليتم ترحيلنا إلى المطار، وعندما سألت أحد الشباب القدامى ماذا يعني بالمطار!؟، فأجابني: المطار هو مقر الشيخ/ أسامة بن لادن ومرافقيه وأسرهم وستذهبون إلى هناك كي تسلموا عليه وتتعرفوا به ومن ثم توزعون على المعسكرات التدريبية، وقال لي: ستستمعون بضيافته وتستفيدوا من كل كلمة يلقيها عليكم، الساعة التاسعة مساء أتت سيارة نوع بيك أب يقودها أحد مرافقين بن لادن وسأل عن الوافدين الجدد وصعدنا على متن صندوق السيارة من نوع ” بيك أب ” نحن وغيرنا ممن كانوا بانتظار اكتمال عددنا لتتم مقابلة بن لادن، كان الجو بارد جداً وانطلقنا في ليلة دامسة الظلام لا قمرية وبسرعة قصوى فوصلنا بعد ساعة ونصف، مررنا خلالها من صحاري شاسعة لا يسكنها سواء الضباع والحيوانات المفترسة الذي نسمع صوتها المزعج من حولنا في هذا الطريق الموحش والتي توحي بالخطر والقلق، وقفنا أمام بوابة ضخمة يجتمع حولها الحراس من كل جانب ويعتليها الأسلحة الرشاشة الثقيلة والقناصات وتحاط بأسوار شاهقة تحيط بما يسمونه المطار ولا تجد فيه خرم إبرة للعبور فالحراسة مشددة جداً، أنتظرنا خمس دقائق حتى جاء استخبارات بن لادن الخاصة وسجلوا أسمائنا ومن ثم سمحوا لنا بالدخول إلى المطار، وهو عبارة عن قسمين مفصولين من الداخل بسور ضخم، القسم الأول الذي وصلنا إليه يحتوي على ثكنات عسكرية يسكنها مرافقين الشيخ والشخصيات المهمة ومن لهم مواعيد ومقابلات مع بن لادن، والقسم الثاني وهو سكن عوائل بن لادن وقادة التنظيم من مساعديه وأيضاً المرافقين اللصيقة الذي تم زواجهم في أفغانستان أو اصطحبوا عوائلهم معهم عند دخولهم إلى أفغانستان، يمنع منعا باتا الاقتراب من القسم الثاني أو التجول بجانبه فأنت حينها عرضه لنيران مرافقين بن لادن المتمركزين على زوايا الأسوار ويخفون هوياتهم وراء أقنعه كي لا يتم التعرف عليهم، تم توزيعنا على الثكنات التي بالقسم الأول ولم يجرؤ حينها أحد منا بالسؤال أو الاستفسار عن أي شيء برغم فضولنا في أن نعرف كلما يدور ونستطلع هذه المدينة الأخطر والتي صممت بطريقة احترافية وفي عمق الصحاري، فالرهبة من ذلك المكان قد قيدت شجاعتنا وآثرنا السكوت على الحديث فأن غداً لناظره لقريب ولاشك أننا غداً سنعرف لماذا جاءوا بنا إلى هذه المنطقة الموحشة والغامضة بوسط الصحراء، ثم قدموا لنا العشاء عبارة عن القشطة والعسل الكشميري والمربى والجبن بأنواعه والخبز الأفغاني الحار والشاي الأخضر، وبعد أن تناولنا وجبة العشاء وأخيراً تم أطلاق سراحنا من البروتوكولات والسيستم الممل والمضني حيث سمحوا لنا بالذهاب والخلود إلى النوم، وبرغم تعبي وفرحي بالذهاب إلى النوم إلا أنني حين وضعت رأسي على المخدة فزعة روحي من صدا الأصوات التي كنت أسمعها أتيه من خلف الأسوار التي تحيط بنا والتي تعوي باستمرار وبلا ملل ضج بها مضجعي فقلت لمن فرشه بجانبي ألا تسمع ما أسمع!؟ فأجابني وهو يرتجف خوفاً: نعم، أظنها الأشباح، فزادني خوفا على خوفي بالذات وأبواب الثكنات لا تقفل وبدون أما وممنوع أن تقفلها فهي ثكنات جماعية لا يحق للفرد الاستحواذ على العزلة بها، وأن أراد أن يغير ثيابه فليذهب إلى الخلا، فنهضت وتطلعت حولي باحثاً عن عصا أو قطعة خشب لأقفل الباب كي نحس بالأمان علّ النوم أن يأتي، فسحبت فرشي إلى خلف باب الثكنة مباشرة وحاولت النوم، الفجر جاء أحد المرافقين يدفع الباب لفتحه فاصطدم باب الغرفة بجسدي فصحوت مباشرة، وعندما سألني: لما أنت نائم خلف الباب مباشرة!؟ فأخبرته عن الأصوات الغريبة ليلة البارحة والتي تشبه صوت الأشباح عندما كانت تعوي، فضحك حتى كاد أن يقف قلبه وبداء بأخبار زملائه ومن سمع منهم ضحك حتى تسيل دموعه، فتركتهم وأنا مستىء لضحكهم واستهتارهم بخوفنا ذاهباً إلى مسجد الثكنة لأداء صلاة الفجر، وبعد أن فرغنا من الصلاة جاءني أحدهم وقال لي: لا تزعل من الشباب ولا تخف بعد الآن وتعود على تلك الأصوات، ستسمعها دائماً طالما أنت بالصحراء، فسألته: وما هي تلك الأصوات!؟ فأجابني: أنها أصوات أبناء آوى المفترسة (النمس)، وسوف تراء البعض منها عند النهار، فطمئن قلبي وأذهب الخوف عني فحمدت الله وشكرته على أنها لم تكن أصوات الأشباح، جاءنا أحد المشايخ ويدعى أبو حفص الموريتاني وحاضرنا إلى الساعة الثامنة، ومن ثم قام الشباب القدامى بتعريفنا في جولة تعريفية على الثكنات وما حولها من الصحراء والبرنامج المتبع بالمطار، وقمنا بمساعدة الطباخين بذباحة المواشي والطباخة، إلى أن حانت صلاة الظهر، وبعد الانتهاء جاءنا مجموعة من مرافقين بن لادن اللصيقة وعلى رأسهم أبو صقر وهو أيضا صهير بن لادن متزوج أبنته ويسكن بالقسم الثاني التابع للعوائل كما ذكرنا واقتادونا إلى الهنجر وهو عبارة عن قاعة ضخمة مرسوم على جدرانها خريطة العالم تتم فيها الاجتماعات المهمة وإقامة احتفالات الأعياد والاحتفالات بالأعراس للمقربين والمقابلات بنوعيها للوافدين والتصوير واستقبال الضيوف المهمين لابن لادن، وأذكر أنني حضرت بهذا الهنجر عرس احد أبناء أبن لادن ويدعى محمد الذي تزوج آن ذاك بابنة أبو حفص الكمندان وهو الذراع الأيمن لابن لادن، وعند دخولنا إلى الهنجر قيل لنا التزموا بالهدوء فسيتم تناول طعام الغداء هنا، وبعدها بدقائق دخل بسرعة شباب يغطون ملامحهم بعمائمهم منتشرين في كل أنحاء الهنجر بانتظام وتكتيك مدروس ومؤججين بالأسلحة الرشاشة والمدافع وعيونهم لا تكاد تقف بالتطلع على كل الحاضرين، وما هي إلا لحظات وفجأة.

هذا ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة بعنوان (الرجل الإخطبوط والسفارة الأمريكية) whats up : 0096879259066 USA777251880@gmail.com

أحدث منشورات

عرض الكل

الحلقة الخامسة: الفتاة العاهرة

أكرم الظاهري.. ذكريات مرعبة.. أثناء صعودي إلى غرفتي تفأجات برؤية أحد الشباب الذي لم أكن أتوقع رؤيته!!، أتعرفون من رأيت!؟، أنه ذلك الشاب نصف الرجل الذي حدثتكم عنه فيما سبق، أنه “سراقة الابيني” بعكازه

الحلقة الرابعة: مغادرة الوطن وفراق أحبتي

أتصل عليا اليوم الشرقاوي يبشرني أنهم قد وافقوا على رحيلي إلى أفغانستان ولابد أن أستعجل في السفر فقد تم التنسيق مع من سيستقبلني إذا وصلت إلى باكستان (كراتشي)، وأعطاني عنوان أحد الشباب لإذهب وأقابله و

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com