أنور العنسي .. مبدع أنصف المبدعين

تم التحديث: 16 يوليو 2020

كتب منير الماوري:

لقد فض (فلان) أكثر من اشتباك بيني وبين متاعب الحياة.. هذه الجملة رغم بساطتها إلا أنها تختصر سيرة حياة كل منا في عشر كلمات، ولهذا لا يمكن أن يقولها إلا مبدع أو مفكر. إنها تلخص الآتي:

حياة الفرد فينا ما هي إلا سلسلة من المتاعب وبين كل محطة تعب وأخرى توجد استراحة زمنية من الفرح أو انتظار الفرح. مصدر متاعبنا غالبا ما يكون رفيق لنا من رفاق الحياة أو شريك في مهنة أو عمل أو مصيبة. والجميل في العبارة أن المبدع الذي قالها يصور الصراع مع متاعب الحياة على هيئة اشتباك في حلبة مصارعة مع منبع تلك المتاعب. ولكن الأجمل من كل هذا ما أوضحته العبارة أن هناك من بين رفاقنا في الحياة من يبزغ ليفض الاشتباك ويريحنا كما يريح من نشتبك معهم من تبعات ومتاعب الاشتباك. وباختصار شديد فإن الكلمات العشر الورادة في بداية هذا الموضوع لو مضينا في شرح مضمونها فلن يكفي لذلك مئات الميجاهيرتز من الذاكرة الرقمية ولا عشرات المواقع على الانترنت.

غلاف الكتاب

قائل العبارة هو المبدع اليماني أنور العنسي في كتاب جديد له تحت عنوان: ” مبدعون من اليمن“. وعلى نمط الإبداع الوارد في العبارة التي استعرناها من الكتاب لاستهلال هذا الموضوع بها تمضي صفحات الكتاب لتقدم لنا بين كل جملة وأخرى مضمونا أكثر ابداعا وتصويرا يجعلك لا ترغب أن تنتهي صفحات الكتاب. ورغم أن هناك من يزعم أن المبدعين والأدباء يتحدثون عن أي شيء وعن أي شخص إيجابيا إلا عن مبدع آخر مثلهم على قيد الحياة وإلا إذا كان ذلك بغرض النقد أو الرثاء، إلا أن الأستاذ المبدع أنور العنسي كسر هذه القاعدة وأنصف في كتابه عشرين مبدعا ومبدعة ممن عايشهم وخالطهم، وكشف لنا عن نقاط إيجابية خفية لديهم لم نكن نعرفها ولا يمكن أن نعرفها حتى لو كتبوا هم عن أنفسهم ملخصات سيرهم الذاتية.

والرائع في الكتاب أن معظم من تضمنهم كتاب الرائع أنور العنسي لا يزالون على قيد الحياة باستثناء عدد محدود من الراحلين الذين لا يمكن تجاهلهم، وكان آخرهم الأستاذ الأديب والشاعر حسن اللوزي الذي كان لا يزال على قيد الحياة عند طبع الكتاب.

الكتابة عن الآخر وإنصاف الآخر خصوصا زملاء الإبداع اكتسبها الأستاذ أنور العنسي من مهنة الصحافة وعلى وجه الخصوص الصحافة التلفزيونية حيث أن الإعلامي التلفزيوني يسخر حياته في الحديث عن الآخرين وإبراز أنشطتهم ولا يمكن أن يتحدث عن نفسه إلا في ظروف نادرة.

عشرون مبدعا ممن شملتهم صفحات الكتاب

وصحيح أن الأستاذ أنور العنسي دون كتابه عن هؤلاء المبدعين بلغة الأديب وليس بقلم الصحفي إلا أنه تأثر على ما يبدو بحرفيته الإعلامية بطريقة غير مباشرة من حيث إقدامه على إنصاف منافسين (مفترضين) له في معركة اكتساب عقول وقلوب جماهير القراء والمتابعين. التأثير غير المباشر يقصد به هنا أن مهنته الصحفية منحته قدرا من الشهرة والرضا عن الذات بما يكفي لإنصاف الآخر، حيث لم يعد بحاجة إلى المزيد من الشهرة أو التنافس مع حد على جمهور مشترك. ورغم أن جميع المبدعين اليمنيين تقريبا يعرفون أنور العنسي أديبا وشاعرا وقاصا ومفكرا إلا أن الجمهور العام يعرف أنور العنسي الصحافي والإعلامي أكثر من أنور العنسي الأديب. وربما أن ذلك عائد للانتشار الذي حققه أنور العنسي اثناء عمله في قنوات إعلامية رائدة من الجزيرة إلى وكالة رويترز إلى بي بي سي. أما في اليمن فهو معروف قبل ذلك من خلال ظهوره شبه اليومي تقريبا في القناة التلفزيونية التي كانت وحيدة في ثمانينات القرن الماضي قارئا مجيدا لنشرات الأخبار ومحللا سياسيا بارعا في كواليس المخاطرة. وربما يشعر القاريء المدقق في أكثر من موضع من فصول الكتاب بنبرة أسى لدى الكاتب لأن الحياة أجبرته أن يبذل وقتا وجهدا أطول للإعلام على حساب الإبداع والأدب. لكن الأديب أنور العنسي يعرف وربما أن الصحافي القدير أنور العنسي استفاد كثيرا من الأديب المبدع أنور العنسي والعكس صحيح. فمن يستمع أو يشاهد مقطعا قصيرا أو طويلا لتقرير من التقارير التي كتبها أنور العنسي بنفسه وليس تلك التي تولى قراءتها فقط سيجد عمقا وفكرا وأدبا من النادر إن لم يكن من المستحيل أن نجده في ما يقدمه الصحفيون الذين لا علاقة لهم بالأدب ولا بالإبداع. ويمكن هنا تشبيه تجربة الأستاذ أنور العنسي في الجمع بين الأدب والصحافة بتجربة الأستاذ الكبير الراحل إحسان عبد القدوس الذي لا تزال رواياته يعاد طباعتها سنويا ويقتبس منها في حين لا يوجد من يمكن أن يبدي أدنى اهتمام بإعادة طباعة أي مقال من مقالاته في روز اليوسف رغم أن بعضها كان من المقالات التاريخية التي كشف فيها فضيحة الأسلحة الفاسدة في حرب 1948. ومن هنا يمكن القول أن كتاب الأستاذ أنور العنسي عن المبدعين اليمنيين في الوقت الذي أعاد تقديم صورة اليمن بطريقة مختلفة بعد التشوه الذي شابها جراء اللعبة الدموية الوحشية الدائرة على أرضه فإنه قدم كذلك مصدرا تعريفيا للقراء في العالم العربي عن عدد من المبدعين اليمنيين عبر مطبوعات دائرة الثقافة والفنون بالشارقة. وليس هذا فحسب بل إن الكتاب يعتبر مرجعا تاريخيا لليمنيين أنفسهم لتوثيق معلومات عن من شملهم الحظ بمعرفة أنور العنسي واقترابه منهم أو اقترابهم منه. كما سيكون الكتاب توثيقا لأجزاء مهمة من سيرة حياة الأستاذ أنور العنسي ووثيقة مهمة من وثائق اليمن التاريخية سوف يستعين بها المؤرخون والأدباء بلا شك في تدوين جزء من تأريخ بلادنا الأدبي وربما السياسي. ولأن الأستاذ أنور العنسي يدرك بعقلية المفكر وفطانة السياسي الأهمية المستقبلية لكتابه فقد أهدى الكتاب لجيل المستقبل من خلال ابنته بدلا عن إهدائه لأشخاص من الماضي. ومن هنا يمكن القول إن هذا الكتاب إلى جانب أهمية الأدبية والفكرية فله أهمية تاريخية لا تقدر بثمن ستعود فائدتها على الواردة أسماؤهم فيه وعلى بلادهم بصورة عامة، وربما أنه سيشجع الأستاذ أنور العنسي على التقاعد المبكر من الإعلام والتفرغ للكتابة والأدب أو على الأقل التفرغ للنشر لأن الكثير من ابداعات الاستاذ أنور العنسي من المؤكد أنها مدونة ولا تحتاج إلا إلى خطوات عملية للنشر، أو إلى اهتمام من مراكز البحث ومؤسسات النشر مماثل لمبادرة دائرة الثقافة والفنون بإمارة الشارقة . ولأن أسلوب الحديث عن السياسيين يختلف عن طريقة الحديث عن المبدعين فمن المؤكد أن الأستاذ الصحافي أنور العنسي إذا قرر التقاعد المبكر والتفرغ لهذا النوع من الكتابة فسوف يفجر قنابل وصواعق ويكشف معلومات صادمة عند إصداره كتابا مماثلا عن بعض من عرفهم من السياسيين اليمنيين أو من بقية العرب، سواء كان الكتاب بلغة الصحافي. تهانينا لأستاذنا الكبير بهذا الإنجاز ونتمنى له المزيد من النجاحات مع قدر أقل من الاشتباكات.

أحدث منشورات

عرض الكل

🖋 سماح السمحي .. أطفال تائهون ..

أطفال تائهون بين أقدار الزمان. صرنا ضحية حرب يرفضها السلام. صرنا بين أيدي وحوش لا يعرفون إلا الدمار. صرنا بين أشخاص لا يعرفون معنى الطفولة. صرنا في أماكن نقتل فيها باسم نحمي الوطن. ضاعت أصواتنا بين ال

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com