أنا ابن الدباغ

(1) • كان أبي عاملا.. مُفند للجلود.. هي مهنة محتقرة عند البعض باعتبارها امتدادا لدباغة الجلود.. مهنة محتقرة عند من يتملكهم الخواء “والعنطزه”، والذين يعيشون على السلب والنهب والفساد في الأرض، والغير قادرين على فهم إن العمل طالما كان مشروعا، هو شرف كبير؛ لأن صاحبه يأكل من كده وعرق الجبين، هو ومن يعيلهم..

• كان أبي يعمل في شركة (البس) بعدن، يفنِّد الجلود، وهي الحرفة التي أعطاها الجزء الأهم من زهرة عمره وريعان شبابه.. العمل بتفنيد الجلود له أضرار صحية، ولكن يبدو أن أبي وهو يلتحق بالعمل بهذه الشركة قد آثر فرصة العمل على البطالة، وأنفذ المثل القائل “غبار العمل ولا زعفران البطالة”

• بسبب الملح والجلود والمواد الكيمائية المستخدمة أصيب أبي بضيق النَفَس، وسعال ليلي، رافقه حتى آخر أيام حياته.. جزء من طفولتي الأولى التي أتذكر بعضها بصعوبة كان في عدن حال ما كان والدي يعمل بشركة “البس”..

• بعد سنين من عمله في شركة (البس) جاء بنا من القرية لنكون معه وإلى جواره.. وفر له العمل قدرا من الدخل المحدود، ليلم به شملنا، ويفي باستقرار معيشي متواضع، وإن كان قد جاء هذا على حساب صحته بالمقام الأول.. كان إيثارا منه لم نعلمه إلا بعد نوبات السعال التي كان يعاني منها لاحقا بعد حين..

• أقمنا في (دار سعد) إحدى ضواحي عدن، وكان عمري يومها سنتين وبضعة أشهر، ومعي أختين توأم (نور وسامية) وعمرهما أقل من عام.. وفي (دار سعد) كنّا قد سكنا منزلا صغيرا استأجره والدي، ويتكون من غرفه وحمام ومطبخ وصالة.

*** ……………………………..

(2) ناس يروننا دونهم • خلال أكثر من خمسين عام من عمري، لم أكن أعرف أن هناك فئات سكانية أو مجتمعية في اليمن تحتقر مهنة دباغة الجلود والعاملين فيها، وتنظر إليهم بنظره دونية.. كانت الفكرة الراسخة في ذهني إننا ننتمي إلى طبقة الفقراء فحسب، ولم أعلم أن هناك فئات سكانية، وبيئات قبلية، وبدوية، ترانا دونها إلا في فترة متأخرة من حياتي.. ما كنت ألمسه في محيطي وغير محيطي الذي أعرفه أن مهنة دباغة الجلود وتفنيدها، لا تختلف عن غيرها من المهن من وجهة نظر الوعي السائد في اليمن كله.

• ما كنت أعلمه في العهد الاشتراكي القائم في عدن ثم فيما تلاه، هو أن أبي بدأ حياته عاملا في مهنة تفنيد الجلود، وهي مهنة ذات صلة وامتداد لعمل ومهنة الدباغة، وأعرف أن أبي ينتمي للطبقة العاملة، وإننا ننتمي لطبقات الفقراء، أو قل إن شئت من أسر ذوي الدخل المحدود.. وقد وُجدت في جنوب اليمن إبان العهد الاشتراكي حماية قانونية، ونصوص عقابية لمن يعيّر أو يحتقر أو يسيء إلى أحد المواطنين بسبب انتمائه المهني، أو حتى الطبقي المتدني..

• بل أذكر في بعض ما تعلمته، من قانون العقوبات وشروحاته في كلية الحقوق بعدن، أنه إذا وجه أحدهم إهانة صاعقة أو احتقار شديد أو إساءة بالغة إليه، وأرتكب من وُجهت إليه هذه الإساءة البالغة، جريمة فعل القتل ضده، تحت تأثير الهياج النفسي الشديد الناتجة عن تلك الإساءة البالغة، فلا يقاد القاتل به..

• وتفسر الشروحات هذا النص، وتعيد السبب إلى أن فعل القتل تم ارتكابه من قبل الجاني في لحظة الهياج النفسي الشديد جرّا الإساءة البالغة الموجه له من المجني عليه، وعلى نحو أخرجت مرتكب الفعل عن حالته الطبيعية بشدة، فطار صوابه وعقله على نحو أفقده لحظتها الوعي بتقدير أفعاله، تحت تأثير الهياج النفسي الشديد الذي تسبب فيه المجني عليه.. والقانون النافذ في الجنوب أنذك ـ هو قانون جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الصادر في العام 1976 ـ والذي قيّد القاضي بالحد الأقصى للعقوبة وهي لا تزيد عن خمس سنوات سجن.

• هذه الحماية القانونية قد دعمتها أيضا وعززتها الثقافة السائدة، أو بالأحرى الوعي الاشتراكي السائد في الجنوب، والذي كان منحاز أيديولوجيا لصالح طبقات الفقراء، أو ما كان يسميهم طبقات العمال والفلاحين، وكذا الشرائح الفئات الأخرى مثل الحرفيين والصيادين، أو من كان يعتبرهم إجمالا بـ “أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة”..

• بل ووصل الأمر بهذا الوعي إلى الحد الذي جعلنا نعتز بهذا الانتماء، ونجل فقرنا باعتزاز، ولم نشعر بأي انتقاص يوما بسبب المهنة، أو تدني المستوى الاجتماعي لنا، وأكثر من هذا، كانت توجد إجراءات اقتصادية، واهتمام لافت وبحماس فياض، يتم بذله من قبل السلطات نحو شريحة المهمشين، والعمل على رفع مستواهم الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي، وتم بذل محاولات كثيرة ومتتابعة لإعادة دمجهم في المجتمع، ولاسيما في عهد الرئيس سالم ربيع علي والمشهور بـ “سالمين”..

• وكانت من الهتافات الأخاذة والآسرة في ذلك الحين، والتي سمعتها من قبل المهمشين أثناء دراستي الإعدادية في طور الباحة في سبعينات القرن المنصرم هتاف “سالمين قدام قدام ** سالمين ماحناش أخدام **سالمين عمال بلدية ** سالمين منشاش اذية ” وتم منع وصف أي عامل بلدية بالخادم كما كان.

*** ……………………………..

(3) كم أنت عظيما بهذا يا أبي

• بعد انقطاع طال بين أبي ومهنته السابقة، عاد أبي مرة أخرى إليها مضطرا، بعد أن ألجأته إليها مسيس الحاجة والعوز، وبعد أن نفذ ما يملك ويدخر من مال، وتشرد طال لسنوات، على إثر مقتل أخي علي سيف حاشد في القرية، ومُلاحقة والدي من قبل سلطة صنعاء في ذلك الحين، والتي كانت تسعى لاعتقاله دون أن يقترف أي جريمة أو ذنب غير حمله لحزن ثقيل أناخ على كاهله بمقتل ولده علي.

• استمر أبي بهذا العمل للمرة الثانية “تفنيد الجلود” قرابة السنتين أو أكثر، في بخار كائن في حي “الخساف” بـ”كريتر” وذلك في ثمانينات القرن المنصرم، لدى صديقه الودود عبد الحميد، رغم استمرار معاناة والدي من نوبات السعال الليلي، الناتجة عن عمله السابق بنفس المهنة في شركة “البس”..

• وعن مهنة والدي الذي عاد إليها مرة أخرى، يقول عامر علي سلام الذي زامن والدي لفترة في العمل: ((كان سيف حاشد رجلا عصاميا، ولي الشرف في العمل معه، في بخار عبد الحميد في “الخساف” .. حيث كان أبي علي سلام فوز يعمل سائقا عند عبد الحميد، فيما كنت أنا واخي في إجازة الصيف المدرسية نعمل أيضا في (تفنيد) الجلود.. كان يتم جلب كل أنواع الجلود المملحة والجافة من الشيخ عثمان والشيخ الدويل الى البخار، ونحن نستلمها في المستودع، حيث يقوم عمي سيف حاشد بتفنيدها (وهي عملية فرز مهمه جدا، وتحتاج لدراية وحنكة في تصنيف الجلود.. وليس أي كائن يستطيع أن يتعلمها، حيث تقسم الجلود الى نوعين، اولا جلود الماعز (التيوس) وجلود الخرفان … وبالتالي يعتمد المفند على فحصه لكل جلد ان كان درجة أولى او ثانية او ثالثة او رابعه…!! ولكل درجة لها تسميتها… صافي درجة اولى.. كشر درجة ثانية.. واقل من ذلك ثالثة ورابعه..!! وبعد الفرز والعد أيضا نقوم بإضافة السم مع الملح المخلوط الى كل جلد، وعمل رصات خاصة لكل نوع في البخار الذي كان يتسع لكميات كبيرة من الجلود.. واثناء الطلب الخارجي نقوم بوزن الجلود على شكل بند كبيرة ندخلها في مكينة ضغط خاصة برزم الجلود، وربطها بأحكام، ونأتي بالجواني (تغليف كل بنده على حده) ووزنها ثانية للاطمئنان، ونكتب عليها بفرمات محددة أسم الدولة التي نصدّر الجلود لها، او اسم الميناء..!! ومن ثم تحمل الى الميناء ويشحن بالسفن الى أوربا (ايطاليا/ فرنسا/ وغيرها ) ويتم مراسلة الشركات عبر مكتب خاص، وكان التاجر عبد الحميد يتعامل معه.!!))

• كان عمل أبي في تفنيد الجلود هذه المرة مضطرا أكثر من المرة السابقة، وآثر والدي العمل في هذه المهنة التي يجيدها، أو كانت متأتية للعمل بها، رغم أثرها على مستوى صحته، أو بالأحرى على ما بقي لديه من صحة.. وبين العمل في بداية العمر وغاربة، عمر مديد وعمل كديد، وصحة تذوي، ولكنها تقاوم بعناد وصبر لا ينفذ..

• هكذا هم الفقراء يؤثرون العمل على الصحة، مهما كان الخطر عليها أو مهددا لها.. أنهم يؤثرون العمل على ما عداه، وإن كان فيه تراجع أو تلاشي أكبر أو محتمل للصحة.. يموتون وهم يعملون بمثابرة من أجل أن يعيلوا أسرهم بالرزق الحلال المندّى بعرق الجبين، ولو بما يفي بالحد الأدنى من كرامتهم، وكرامة أسرهم المحرومة من الكثير، ودون أن يخطر لهم بال، أو هاجس شيطان عابر، أو شيطان يجوس في الحمى، ليمارس النهب أو القتل، أو جلب “الفيد” والغنيمة من تحت ظلال السيوف، أو يجني المال الوفير من مصدر مشبوه، أو عمل غير مشروع.. إنني أعترف لأباءنا.. لقد كان آباءنا كبارا بحق وجدارة..

• عرفت أبي خلال مسيرة حياته أنه يقدس العمل، ويقدس مواعيده بدقة حد القلق، ويعمل بمثابرة دون تواني أو كسل، ويبذل جل اهتمامه وعنايته في العمل، ويسعى بمثابرة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجاز.. وينام مُرهقا ولكنه مستريح الضمير، ويقوم باكرا من فراشة، وبنشاط متجدد، ويقضه وجذوة، تستمر معه طوال ساعات العمل..

• في صنعاء خلال سنوات الحرب كتبت منشورا على صفحتي في “الفيسبوك” معتزا بمهنة والدي المتواضعة، ولأول مرة عرفت من صديقي ورفيقي القاضي عبدالوهاب قطران أن مهنة دباغة الجلود لدى بعص مناطق وقبائل الشمال مهنة محتقرة، ويعتبروا أصحابها ناقصين أصل، مثلهم مثل المزاينة والحلاقين والجزارين، ومن في مستواهم، أو دونهم.. وأزاد من الشعر بيت منتشر بين القبائل: تجنب صحبة الأنذال تسلم وتصحبك السلامة والمهالك مزين ثم حجام وجزار وقشام ودوشان ودباغ وحائك

ومهنة “تفنيد الجنود” هي امتداد لمهنة الدباغة، وذات صلة بها، كما تم إلحاق فئة الدبّاغين بفئة الجزارين استنادا إلى الصلة في المهنة، في إطار نظرة تراتبية اجتماعية تنضح بالعنصرية الفجة وعيا وممارسة..

• عرفت شيئا آخر أثناء حديثي مع زميلي ورفيقي في الكلية العسكرية “حسين” من الجوف، والذي ألتقيت به خلال فترة هذه الحرب الظالمة.. عرفت منه أن البيع والشراء إلى تاريخ غير بعيد، كانت لدى بعض قبائل الجوف معيبة على من يمتهنها، وإنها من وجهة نظر هؤلاء مهنة غير مرغوبة، وغير محترمة، ويلحق العيب بمن يمارسها..

• هكذا يتم قلب المفاهيم والقيم رأسا على عقب، أو أن منتجي تلك القيم هم المقلوبين على رؤوسهم، وبالتالي ينتجون مفاهيما وقيما خاطئة، وبعضها مقلوبة كوضعهم المقلوب، معتقدين سويتها واستقامتها، ليتحول في نظرهم من يمارس العمل الشريف، ومن يأكل من عرق الجبين، مقذوفا بالعيب، ولعنات تلاحقه كقدر لا مفر منه، هو وبنيه ومن تناسل منهم.. تدركهم اللعنة لتدمغهم بالعيب والانتقاص والاحتقار والازدراء العنصري الناتج في حقيقته عن خواء عميق في الوعي، ومنطق سطحي رجعي ومتخلف..

• ويظل اعتزازي الكبير بعمل والدي، وبكل المهن الذي مارسها طيلة حياته، دون أن انتقص يوما من إنسانية أي فيئة اجتماعية، وأمقت التصنيف العنصري، وتراتبية الأصول التي تؤدي لحصر الأصول الناقصة واحتقارها، وأزدري الاصطفاء، وأرفض التفكير النمطي التقليدي القائم على تراتبية فيها احتقار الإنسان لأخيه الإنسان..

• زدت اعتزازا بمهنة والدي، ونظرت لها ببعد آخر غير البعد الذي ينظر إليها بعض من يعانوا عقد النقص وخلل في الدماغ، وتشوّه في التربية والتنشئة الخاطئة.. في واقع كهذا، أميل إلى تقدير أكثر نحو من ينبت في الصخر كشجرة التين الشوكي أو الصبّار أو شجرة السدر، وقد تحّدت كل الظروف الطاردة للحياة، وعاشت رغم قسوة الطبيعة، وشمخت متحدية وباسقة، بل وزادت تزهر وتثمر، في أعز الفصول ضيقا، وكأن وجودها المعاند، فيه حكمة ومقاومة وتحدّي لوجع الطبيعة، وتشمخ برأسها علوا، وتزهر أطرافها بألوان زاهية، وتعطي النحل والناس رحيق العسل..

• أعتز أنني ابن هذا الأب المكافح، الذي أنتمي إليه، وصار ولده نائبا للشعب، ويمثله بما يليق به، وقد حرصت وأنا أختار أن أكون لا منتمي، أو أكون نائبا برلمانيا مستقلا بحق وحقيقة.. صاحب رأي وموقف حر ومستقل، وأن يكون “الشريم شعاري” وأن يتكثف إعلاني ووعدي الانتخابي بعبارة “انتخبوا من يمثلكم لا من يمثل بكم”

• أغلب الظن أو كما أتخيل نفسي أنني لازلت حريصا ووفيا لهذا الشعب المنكوب بمن قادوه وتسلطوا عليه من أعالي القوم وأشرافه.. لازلت وفيا للعهد والوعد الذي قطعته يوما للوطن، وقد خان أسياد القوم شعبهم، وسقطت المنازل الرفيعة في القيعان السحيقة، وسيكنس التاريخ يوما أصحاب المراتب العالية إلى مزابله المنتنة، وكل من جلبوا لهذا الشعب الكوارث العظام، ومارسوا بحقه الخيانات الكبار بتمادي بالغ، ومجاهرة فجة وصارخة، وأتوا بالعار الذي لا يُمحى ولا يزول إلى اليمن.. ليس حديث الأنا ولكن هو الاعتزاز، إن لم أعتز بهذا فما بقي للاعتزاز..

• والخلاصة أنني أمقت التفكير النمطي، في التراتبيات الاجتماعية المتخلفة، أو القائمة على الأصل، أو الحسب والنسب، أو التفكير العنصري بكل مسمياته، وأرفض العصبيات المنتنة، وضخ الكراهية التي تستهدف الوطن في عمقه ووحدته ومستقبله.. ولا بأس أن أقول هنا وفاء لأبي: كم أنت عظيما يا أبي

*** ……………………………..

(4) أنا ابن الدباغ .. الإنسان • بعد ما قاله لي صديقي حسين، وما كشفه لي رفيقي عبدالوهاب قطران عن معنى انتمائي وأمثالي في المخيال الشعبي، لدى بعض قبائل ومناطق اليمن، أو بعض المجتمعات المحلية فيها، وما يلحق صاحبها من الانتقاص والنظرة الدونية، لم أخجل ولم أتخفِ ولم أحاول جبر ما بدا مكسورا، أو ستر ما أنكشف، بل على العكس، دافعت عما أعتقد باعتزاز يليق، ولم أخش من معايرة، ولم أتحرّج من عمل والدي، أو من المهن التي أرتادها خلال تاريخ حياته، بل اعتزيت بنفسي كثيرا، وبأبي الذي حفر بالصخر من أجلنا لنعيش بكرامة، واعتززت بانتمائي الذي استطاع أن يحجز له مكانا في الصخر الصلد، وبتحدي مضاعف، ليكون وأكون كما يجب..

• غير أن الأهم أنني لم أنجر إلى البحث عن عصبية صغيرة مقابلة، تقتل أو تشوّه الإنسان الكبير الذي يملاني، ويسكن وعيي، ويدأب إلى تحصيني من أي هشاشة تعتريني، ولم أتنازل عن الضابط الاخلاقي المنسجم مع هذا الإنسان الذي يسكنني، والإنسان الذي أبحث عنه خارجي، وخارج انتمائي..

• ولا يعني هذا أنني لا أقاوم، ولا أهاجم الاستصغار الذي يحيط بي، أو يحاول أن ينال منّا كشرائح وفئات مجتمعية، من حقها أن تحظى بحقوقها كاملة، وأولها حق المواطنة.. ولم ابحث يوما عن انتماء آخر لا يليق بي كإنسان أولا..

أنا لست ابن السماء .. أنا ابن الدباغ الذي يثور على واقعه كل يوم دون أن يكل أو يمل أو يستسلم لغلبة..

أنا ابن الدباغ الذي لا يستسلم لأقداره، ولا ينوخ، وإن كانت البلايا بثقل الجبال الثقال.. ابن الدباغ المجالد الذي يعترك مع ما يبتليه، ويقاوم حتى النزع الأخير..

ابن الدباغ الذي يتمرد على مجتمع لازال يقدس مستبديه.. ويقاوم نظام لا يستحي عندما يدّعي.. نظام يدعي العدل، وهو يتعالى على الوطن الكبير.. نظام يخصخص المواطنة، ويغيّب المساواة، وينشر الفقر كالظلام الكثيف، ويحبس الحرية في محبس من حديد..

أجرّم القتل ولا استسهله، ولا أشرب الدم ولا أسفكه، ولكنه متهما بشرب الكحول.. أنا ابن لأب لا يبيع الموت ولا يهديه، ولا يجعله مقاسا للرجولة أو معبرا للبطولة..

أبي صانع الحلوى والبائع لها، يأكل من كده وعرق الجبين.. ينشر الفرح والطعم اللذيذ، ويرفض الحرب ونشر الخراب.. أنا ابن أبي، لم ابنِ مجدا على جماجمها الكثيرة، ولم أحتفِ يوما أو أفاخر باتساع المقابر، أو بطوابير النعوش الطويلة، ولم أطرب لركام الضحايا، ولم أضخ الكراهية، وغلائل الحقد الدفين..

*** أبي أنا.. وأنا أبن أبي لم أقِم الحزن يوما في مبيتٍ لا أبيع الوهم والأفيون للمرضى لا ادفع الناس أفواجا للمهالك أنا لا أنشر الموت بين الناس وعدا في حياة أخرى ودار ثانية.. وأداري تحت العمامة ألف جزار وجلاد وليل.. إن شربت الكيف خلسه، فإلى الله أسافر.. لا أنافق.. لا أزايد.. ولا آم القوم ثملا في صلاة كالوليد ابن عقبة ولا أنام الليل فوق نهود العذارى وحلمات الجواري كالخليفة هارون الرشيد

*** • أنا لا أفاخر بهندِ ولا بمن تأكل الأكباد.. ولا أفاخر بنسب أو قبيلة أو بقاتل.. أنا بقابيل لا أكترث..

لا أتسول التاريخ زادي، ولا أدّعي فيه سلطان وميراث.. لا أدّعي أن لي حقا من قبل آدم وحواء، أو ما قبل الثريا..

أنا لست من ماء السماء، ولا سليل من علي و فاطمة.. أنا أبي الدباغ والفلاح وبائع الحلوى أنشر البهجة والفرح.. أبي الدبّاغ الذي كابد الدهر، وعانا العناء، وأقتات من عرق الجبين..

***

أنا ليست الأنا المثقلة بذاتها.. أنا الذي أقذف أنائي في وجه المستبد، غير نادم، وأناضل لإزاحة الظلم الكبير الذي يثقل كل كاهل.. الأنا التي تعتز وتفاخر إنها ليست من ماء السماء، وتقاوم من يراها إنها جاءت من روث الحمير..

أنا الحالم ابن الأحبة .. أنتمي للحلم الكبير كبر المجرة، بل كبر هذا الكون الفسيح الذي يكسر المحابس ويسافر للبعيد دون حدود أو منتهى..

أحدث منشورات

عرض الكل

الحلقة السابعة.. عبور الحدود

أكرم الظاهري عبورالحدود وعنف(الكوِتشان): صعدنا على الدراجة النارية ثلاثتنا بأجسادنا الضئيلة الواحد خلف الأخر ومن خلال ارتباك السائق وتوتره أتضح لنا أن هناك مخاطرة في هذه الخطوة بالذات، ولا ندري ماذا ي

الحلقة الخامسة: الفتاة العاهرة

أكرم الظاهري.. ذكريات مرعبة.. أثناء صعودي إلى غرفتي تفأجات برؤية أحد الشباب الذي لم أكن أتوقع رؤيته!!، أتعرفون من رأيت!؟، أنه ذلك الشاب نصف الرجل الذي حدثتكم عنه فيما سبق، أنه “سراقة الابيني” بعكازه

www.usarab.online

The Arabs of America

| Arab American Bilingual Newspaper & Advertising |

| Arabic Speaking Media for the Muslim Communities |

Serves Doctors and Business Owners in the USA and Canada.


You may contact us at this e-mail address:

editor@arabs-of-america.com